تحقيق إخباري

وباء إفريقيا الصامت

يتسبب الالتهاب الكبدي الوبائي حاليًا في وفيات تفوق الوفيات الناتجة عن فيروس نقص المناعة البشرية أو السل أو الملاريا على مستوى العالم. إن التصدي لفيروس الالتهاب الكبدي الوبائي بي في أفريقيا هو السبيل لمكافحته.

إيان جرابر-ستيل
  • Published online:

SVEN TORFINN/PANOS

كانت نورو مستعدة للأسوأ عندما ذهبت لتخضع لفحص فيروس نقص المناعة البشرية منذ ثمانية أعوام. فبعد قيامها على عناية والدتها في أوغندا، التي توفيت إثر إصابتها بالفيروس، انتقلت نورو إلى المملكة المتحدة للدراسة وقررت أن تتولى بنفسها مسؤولية حالتها الصحية، فتقول: "كنت مستعدة لأتلقى نبأ إصابتي بفيروس نقص المناعة البشرية، وحينها شعرت بأنه لا بأس؛ فقد كنت معجبة بأمي وأعتبرها قدوتي".

لكن ما لم تتوقعه هو أن تُشخص بالإصابة بعدوى فيروسية مختلفة تمامًا: ألا وهي الالتهاب الكبدي الوبائي بي. تقول نورو (التي فضلت عدم ذكر اسمها الحقيقي في هذه المقالة): "لقد أبلغني المسؤول الصحي الخبر وكأنه يقول لي إن هذا الفيروس أسوأ من فيروس نقص المناعة البشرية، فشعرت بالارتباك والرغبة في الانتحار. لم أستوعب ماهية هذا الفيروس لأنني لم أسمع أي شخص يتحدث عن التهاب الكبد بي – الجميع يتحدثون عن فيروس نقص المناعة البشرية، فقد أُجريت حوله أبحاث كثيرة ووُثِّقت عنه معلومات كثيرة، وكثيرًا ما يرد الحديث عنه على شاشات التلفاز، لكن هذا لا ينطبق على الالتهاب الكبدي الوبائي بي".

يعتقد أن فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي بي، الذي ينتقل عن طريق الدم وسوائل الجسم ويهاجم خلايا الكبد، يودي بحياة ما يقرب من مليون شخص كل عام حول العالم بعد معاناة معظمهم من سرطان الكبد أو تليفه. تقل احتمالية تسبب فيروس االالتهاب الكبدي الوبائي بي في الوفاة مقارنًة بفيروس نقص المناعة البشرية، ولا تظهر له أعراض على كثير من المصابين به، إلا أنه مع وجود أكثر من 250 مليون مصاب بفيروس الالتهاب الكبدي الوبائي بي المزمن، وهو ما يفوق عدد المصابين بفيروس نقص المناعة بسبع مرات، فإن معدل الوفيات الناجمة عنه عالميًا يضاهي معدل الوفيات الناتجة عن فيروس نقص المناعة الأخطر منه.

ينتج مرض الالتهاب الكبدي الوبائي من الإصابة بعدد من الفيروسات ولكن أكثر الوفيات تنتج عن النوعين "بي" و"سي". ففي عام 2016، وهو أحدث الأعوام التي تتوفر لها تقديرات، وصل عدد الوفيات الناجمة عن الالتهاب الكبدي الفيروسي إلى 1.4 مليون حالة عالميًّا، ليتخطى عدد الوفيات الناجمة عن السل أو فيروس نقص المناعة أو الملاريا كلًا على حدة (انظر "عبء فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي بي").

يحدث ذلك رغم إمكانية الوقاية من عدوي الالتهاب الكبدي الوبائي بي عن طريق التطعيم في مرحلة مبكرة من الطفولة وإمكانية علاجه باستخدام نفس العقاقير المضادة للفيروسات القهقرية والمستخدمة في مكافحة فيروس نقص المناعة. تقول فيليبا ماثيوس، اختصاصية المناعة التي تدرس الأمراض الفيروسية المعدية مثل التهاب الكبد بي بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة: "يُعد فيروس نقص المناعة وباءً خطيرًا لكن خُصِّصت له موارد كثيرة، بينما تختلف الصورة تمامًا فيما يخص التهاب الكبد بي، الذي تعاني منه البشرية منذ آلاف السنين وبسبب انتقاله في الخفاء لم يسبق أن حظي بما تحظى به مكافحة فيروس نقص المناعة من الاهتمام السياسي أو التمويل أو الطاقات أو التوعية".

 يأمل الباحثون والعاملون في المجال الصحي حاليًّا أن يتغير هذا الوضع؛ فمنذ عامين أقرت جمعية الصحة العالمية استراتيجية لمنظمة الصحة العالمية تهدف للقضاء على الالتهاب الكبدي الوبائي باعتباره خطرًا يهدد الصحة العامة بحلول عام 2030، وقد حددت المنظمة هدفها بتقليل الإصابات الجديدة بنسبة 90% وتقليل معدل الوفيات بنسبة 65%.

من الأهداف التي تلقى تركيزًا رئيسًا هو مكافحة تفاقم أزمة التهاب الكبد بي في البلدان الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، أما المناطق الأخرى التي ترتفع فيها مخاطر الإصابة مثل منطقة غرب المحيط الهادي (التي تمتد من الصين حتى نيوزيلاندا)، فهي تطعم الأطفال ضد الفيروس منذ مدة طويلة، وذلك في أعقاب قرار منظمة الصحة العالمية الصادر في عام 1992 بإدراج فيروس التهاب الكبد بي ضمن برامج التطعيم الدورية. ونتيجة ذلك فإنه بالرغم من أن حوالي 6% من سكان المنطقة لا يزالون مصابين بفيروس التهاب الكبد بي، فإن معظم الأطفال والمراهقين هناك في مأمن من الإصابة به. أما في البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى، والتي يقدر عدد المصابين فيها أيضًا بنسبة 6% من السكان، فإن نسبة الأطفال الذين يتلقون التطعيمات اللازمة تقل عن العُشْر، كما تحتل المنطقة الترتيب الأخير في جميع التدابير الأخرى، بما في ذلك الفحص والتشخيص، وكذلك في علاج المصابين بالفيروس.

كبر الصورة

SOURCE: WHO

يقول بونسيانو أوكاما، اختصاصي أمراض الكبد في جامعة ماكريري في كامبالا بأوغندا: "لقد تعرض الالتهاب الكبدي الوبائي بي لقدر كبير من الإهمال"؛ فالعاملون في الرعاية الصحية، حسب قوله، لا يحصلون بوجه عام على تعليم كافٍ  وغير مؤهلين لعلاج الفيروس. وتضيف ماثيوس أن الأولوية في الحصول على العقاقير المضادة للفيروسات القهقرية تكون للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، لدرجة أن بعض العاملين في مجال الرعاية الصحية يعتقدون أن المصابين بفيروس التهاب الكبد بي تزداد فرصتهم في الحصول على الرعاية اللازمة في حال إصابتهم بفيروس نقص المناعة البشرية أيضًا، برغم أن الإصابة بالفيروسين معًا تزيد من احتمال الوفاة المبكرة.

ثمة الكثير من الثغرات في فهم الباحثين لانتشار الالتهاب الكبدي الوبائي وآثاره على الفئات السكانية المعرضة للإصابة بالمرض، وذلك في ظل نقص عمليات الفحص الروتينية. على الرغم من أن الحرب ضد فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي تشهد تقدمًا في منطقة غرب المحيط الهادي، فإن الأزمة لا تحظى بالاهتمام المطلوب في البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى، وفي هذا الصدد تقول ماثيوس: "إن المنطقة تعيش فترًة حرجًة ".

فجوة معرفية

خرجت نورو من الفحص في المملكة المتحدة مهمومة، وشعرت أنها لا تعرف الكثير عن المرض الذي أصابها، فلجأت إلى الإنترنت بغية الحصول على إجابات عن الأسئلة التي شعرت أن مسؤولي الرعاية الصحية الذين لقيتهم قد أخفوها عنها. تقول نورو إن الجهل العام بطرق انتقال العدوى، مع العلم بإمكانية انتقال المرض من خلال العلاقات الجنسية غير الآمنة، أدى لجعل الإصابة به وصمة عار تذكرنا بالتهامس حول فيروس نقص المناعة البشرية حين ظهر لأول مرة في البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى. بالرغم من أن جسد نورو قادر على التغلب على الفيروس حتى إنها لا تحتاج لأي علاج، لكنها لا تتحدث عنه علانية؛ إذ تقول إنه إذا بلغ خبر إصابتها بفيروس الالتهاب الكبدي بي أوغندا، فإنها تخشى أن ينظر الناس لأسرتها بعين الريبة، مضيفًة: "سيتعرضون للعزلة – ولن يمكنهم الحصول على عمل".

يقول كينيث كاباجامبي، الذي أسس المنظمة الوطنية الأوغندية للمصابين بـالتهاب الكبد بي (NOPLHB) في عام 2011 بعد وفاة صديقه جراء هذا الفيروس، إنه مر بتجربة مشابهة حين جرى تشخيص إصابته بالفيروس في عام 2012، إذ تركه الطبيب يتساءل عمَّا إذا كان هذا الفيروس يضاهي الإيبولا في خطورته أم لا.

وكما علم كاباجامبي ونورو فيما بعد، فإن الالتهاب الكبدي الوبائي يشار إليه أحيانًا بـ "الوباء الصامت"، لأن المصابين به لا تظهر عليهم أية أعراض في البداية.  قد يدمر الفيروس المهاجم، في بعض الحالات، وظائف الكبد على مدار سنوات دون أن يسبب أي مشاكل ملحوظة إلى أن يتفشى الفيروس في نهاية المطاف مسببًا تليف الكبد أو سرطان الكبد.

أما فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي سي فهو فيروس ذو حمض نووي ريبوزي «RNA Virus» ينتقل في الغالب عبر الدم – وعادة ما يكون ذلك في حالات التبرع بالدم دون إجراء الفحوصات اللازمة، أو تعاطي المخدرات، أو إعادة استخدام الأدوات دون تعقيم في المستشفيات، أو  من خلال العلاقات الجنسية غير الآمنة وإن كان بدرجة أقل، ولا يوجد مصل يقي من هذا الفيروس لكن توجد أدوية مضادة للفيروس يمكنها أن تعالج الإصابة المزمنة في معظم الأشخاص. أما فيروس التهاب الكبد بي (وهو فيروس ذو حمض نووي ريبوزي منقوص الأكسجين «DNA Virus» مثل فيروس نقص المناعة البشرية) فيُعد أقل خطورة– من حيث إنه يتحول إلى مرض مزمن عند عدد أقل من البالغين – لكنه أوسع انتشارًا؛ إذ يصيب عددًا من الأشخاص يفوق أربعة أضعاف عدد من يصابون بفيروس الالتهاب الكبدي الوبائي سي، ويزداد احتمال انتقاله من الأم لأبنائها في أثناء الحمل أو الولادة مقارنًة بفيروس الالتهاب الكبدي الوبائي سي، كما أن فيروس التهاب الكبد بي لا ينتشر بنفس المعدلات في جميع الطبقات الاقتصادية: إذ يصفه أوكاما بأنه "مرض الفقراء" في الأغلب الأعم.

على عكس الحال بالنسبة للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، فإن البالغين غير المصابين بالفعل بـالتهاب الكبد بي يصعب انتقال العدوى إليهم، وإن حدث فمن النادر أن يتطور الأمر إلى عدوى مزمنة أو أن ينتقل الفيروس إلى بالغين آخرين. تُعد أكثر الفئات عرضة لخطر الإصابة بالالتهاب الكبدي بي ونقله هم الرضع ذوو الأجهزة المناعية الضعيفة؛ فبالمقارنة مع المصابين بفيروس التهاب الكبد بي من البالغين، فإن الأطفال "يعُجُّون بالفيروس"، على حد تعبير مارك سونديرب، الباحث في أمراض الالتهاب الكبدي الوبائي بجامعة كيب تاون في جنوب إفريقيا. ومن ثم فإن فحص الأمهات المصابات  ومعالجتهن وتطعيم الرضع بالأمصال ضروري للقضاء على فيروس التهاب الكبد بي. لكن لا تزال تنتشر خرافات بين العاملين في المجال الصحي في أفريقيا عن كيفية انتقال عدوي فيروس التهاب الكبد بي؛ من بين تلك الخرافات أنه يجب عزل البالغين المصابين بالفيروس، وهذا يكرس الشعور بوصمة العار من العدوى، على حد تعبير أوكاما.

توجد بعض الفروق الدقيقة في هذه الصورة. ففي بلدان غرب المحيط الهادي، تعد أبرز طرق انتقال سلالات فيروس التهاب الكبد بي من الأم إلى الطفل، وذلك وفقًا للبحث1 الذي صاحب حملات التطعيم التي اُطلقت هناك في تسعينيات القرن المنصرم. أما في البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى – حيث توجد سلالات مختلفة من التهاب الكبد بي – فإن الأمهات المصابات عادة ما يحملن أحمالًا فيروسية منخفضة، ما يقلل احتمالية نقلهن العدوى إلى أطفالهن أثناء الحمل أو الولادة. يبدو أن انتقال الفيروس من طفل لطفل عبر الخدوش العادية في أثناء اللعب العنيف ونتيجة تدني النظافة الشخصية عند الشباب هو السبيل الأبرز لانتقال العدوى.

توفير اللقاح

تقول مود ليموين، اختصاصية أمراض الكبد في إمبريال كوليدج في لندن، إن صانعي السياسات اعتقدوا لسنوات طويلة أن توفير اللقاحات كفيل وحده بالقضاء على فيروس التهاب الكبد بي، وهذا وإن كان هذا صحيحًا من حيث المبدأ، إلا أن تصميم اللقاح يجعل التطعيم به عملية صعبة. إذ يتم التطعيم عامة على ثلاث مراحل: الأولى "جرعة الميلاد"، وتعطي أفضل النتائج إذا قدمت في غضون 24 ساعة من الولادة، وتقدم الجرعتان الأخريان في وقت لاحق تفصل بينهما عدة أسابيع. في الفترة ما بين عامي 1990 وحتى 2015 قفزت نسبة الأطفال الذين حصلوا على ثلاثة تطعيمات ضد فيروس التهاب الكبد بي من 1% إلى 84%، واحتلت منطقة غرب المحيط الهادي الصدارة حيث بلغت نسبة التغطية أكثر من 90%، متفوقة بذلك على الأمريكتين؛ فيما حلت إفريقيا في المؤخرة بنسبة تغطية بلغت 70%2.

ولكن من الناحية العملية، لا تُعطى الجرعة الأولى عند الولادة دائمًا – ولا تزيد نسبة التغطية فيما يتعلق بهذه الجرعة عن 39٪ على مستوى العالم – ولا يجري الإبلاغ دائمًا عن موعدها، وتبلغ نسبة التغطية عند الولادة في إفريقيا 10% فقط. يشكل تقديم جرعة الولادة في غضون 24 ساعة وتقديم الجرعات التالية وفق الجدول الزمني تحديًا هائلًا في منطقة لا يخضع فيها الكثير من حالات الولادة لإشراف طبي من المتخصصين.

لقد تفاقمت تحديات الوصول إلى الأمهات في الوقت المناسب من بعد الاعتماد على التحالف العالمي للقاحات والتحصين (Gavi)، وهو منظمة دولية تربط بين القطاعين العام والخاص لتوفير اللقاحات. لقد شكل التحالف قوة دافعة في مجال توسيع نطاق التطعيم ضد فيروس التهاب الكبد بي في البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى، إلا أنه يؤدي ذلك الدور باستخدام لقاح مركب ضد الدفتيريا والسعال الديكي والتيتانوس والالتهاب الكبدي بي والإنفلونزا، ولا يحصل عليه الطفل إلى أن يبلغ عمره 6-8 أسابيع. يقول المتحدث باسم التحالف إن المنظمة لم تركز على تقديم لقاح جرعة الولادة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنها لم تر دليلًا على أن أنظمة التوزيع يمكن أن توصل التطعيمات للرضع في غضون 24 ساعة من الولادة، ولأنها وجدت أن اللقاح الخماسي المكلف الذي تستخدمه أكثر استحقاقًا للدعم.

لكن في 29 نوفمبر الماضي، صوَّت مجلس إدارة التحالف على إعطاء الأولوية للاستثمار في تقديم جرعات الولادة من لقاحات فيروس التهاب الكبد بي، وذلك في إطار استراتيجية تستهدف ستة برامج جديدة لتقديم اللقاحات من عام 2021 إلى عام 2025. وقد أثبت النجاح الذي شهدته حملات التطعيم الأخرى إمكانية التغلب على تحديات التوزيع؛ ففي تسعينيات القرن الماضي، قدم الباحثون في إندونيسيا لقاحات فيروس التهاب الكبد بي المعبأة مسبقًا والمعدة للاستخدام مرة واحدة للقابلات المحليات حتى يتمكنَّ من تقديم اللقاح بعد الولادة في المنزل، وهو النهج المتبع الآن على نطاق أوسع3، كما أوضح باحثون في لاوس منذ عامين أن توفير الهواتف النقالة للعاملين في قطاع الصحة والمتطوعين المحليين الواقفين على أهبة الاستعداد قد ساعد في متابعة المواليد والعمل على زيادة عدد الأطفال الذين حصلوا على التطعيم4.

الأبحاث المتعلقة بالفحوصات

من بين الحلول الأخرى للتعامل مع فيروس التهاب الكبد بي إجراء الفحص والتشخيص للبالغين. تعد الأمهات من أهم الفئات التي يلزم فحصها بسبب استعدادهن لنقل الفيروس إلى أطفالهن. تقول ماثيوس: "إذا وجدت حوامل مُصابات، فمن الممكن أيضًا فحص أزواجهن، ويمكن تطعيم أي فرد غير مصاب في الأسرة، كما يمكن أن تكتشف أي مصاب آخر في الأسرة وتعالجه، فهذا يسهل اتخاذ التدابير على مستوى سكاني أوسع".

إلا أن الأمهات لا يخضعن لفحص روتيني قبل الولادة، أضف إلى ذلك قلة السجلات التي تحتوي على بيانات دقيقة عن سرطان الكبد، وكذلك الإقبال الإقليمي المنخفض بشكل عام على إجراء الفحوصات، لذا فمن غير المفاجئ ما تعانيه تصورات الباحثين عن انتشار فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي وديناميكياته من قصور كبير.

وفي المقابل فإن الفئات السكانية التي تخضع لفحوصات موثوقة هم أولئك الذين يتبرعون بالدم والمصابون من أمثال نورو وكاباجامبي ممن رأوا بأعينهم كيف دمر فيروس نقص المناعة البشرية مجتمعاتهم، فقرروا إجراء الفحص. لقد انتقد العديد من العاملين في مجال الرعاية الصحية مبادرات مثل التحالف العالمي للقاحات والتحصين وخطة الطوارئ التي وضعها الرئيس الأمريكي للإغاثة من فيروس نقص المناعة البشرية لأنها لم تبذل المزيد للاستفادة من شبكات فحص فيروس نقص المناعة في تقديم الفحوصات الكاشفة عن الالتهاب الكبدي الوبائي أيضًا. تشير ليموين إلى أن الشخص البالغ يكفي على الأرجح حصوله على نتيجة سلبية مرة واحدة في اختبار الالتهاب الكبدي الوبائي إذ من غير المرجح إصابته بالفيروس فيما بعد، في حين أنه قد يحتاج إلى التحليل عدة مرات في حالة فيروس نقص المناعة البشرية.

لا تكلف الفحوصات الأولية سوى بضعة دولارات: حيث يفحص العاملون في الرعاية الصحية دم الشخص بحثًا عن دليل يثبت أن جهازه المناعي قد كون أجسامًا مضادة لفيروسات الالتهاب الكبدي الوبائي. لكن هذه الاختبارات، كما تقول ماثيوس، لا تتحقق مما إذا كنت مصابًا في الوقت الراهن، بل تفحص ما إذا كنت قد تعرضت للإصابة من قبل أم لا، بينما الحصول على تشخيص نهائي يتطلب تحاليل الحمض النووي الأكثر تكلفة والتي تكشف عن الحمض النووي الفيروسي DNA لفيروس الالتهاب الكبدي بي (أو الحمض النووي الريبوزي RNA في حالة الالتهاب الكبدي سي)، وقد تصل التكلفة إلى 200 دولار أمريكي – وهو مبلغ لا يستطيع الكثيرون في البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى تحمُّله، حسبما قال أولوفونميلايو ليزي، عضو المجموعة الاستشارية للالتهاب الكبدي الفيروسي بمنظمة الصحة العالمية. وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية2 فإن نسبة المصابين بـفيروس التهاب الكبد بي في المنطقة والذين يجري تشخيصهم تقل عن 1%، بينما تبلغ النسبة 6% بين المصابين بفيروس الالتهاب الكبدي الوبائي سي.

المضي قدمًا

تعمل العديد من البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى في الوقت الحالي على زيادة جهود الفحص، بما في ذلك أوغندا، التي تأمل في ربط جهودها بتوجه يستهدف تطعيم الأمهات والرضع، حسبما يقول أوكاما، ويعكف الباحثون على إعداد اختبارات تشخيصية أكثر ملاءمة؛ ففي عام 2017، أقرت منظمة الصحة العالمية تحليلًا يكتشف الحمض النووي الريبوزي لفيروس الالتهاب الكبدي الوبائي سي ويعتمد على معدات موجودة في معظم المستشفيات في البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى – وهو نظام تحليل الحمض النووي GeneXpert.  يُستخدَم هذا النظام، الذي أعدته شركة Cepheid في سانيفيل بولاية كاليفورنيا، في تشخيص فيروس نقص المناعة البشرية والسل. يقول سونديرب إن تحليل فيروس التهاب الكبد بي على جهاز GeneXpert لا زال في الطور التجريبي، ولم يُطلق رسميًا بعد. (ولم ترد شركة Cepheid على طلبات التعليق).

في ظل تركيز العالم على مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، أُنفقت مليارات الدولارات من أجل تطوير مضادات الفيروسات القهقرية – وهي عقاقير يتناولها المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية على الدوام لتثبيط تكاثر الفيروسات ذات الحمض النووي DNA.  تخضع هذه الأدوية في البلدان منخفضة الدخل لدعم مكثف، وفي كثير من الحالات، يمكن أن تعالج نفس الأدوية كلًا من فيروس نقص المناعة البشرية وفيروس التهاب الكبد بي.

أما فيما يتعلق بالحصول على العقاقير، يحظى المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية في العديد من المناطق محدودة الموارد بأولوية على حساب المصابين بفيروس التهاب الكبد بي . في هذا الصدد، يقول أوكاما إنه يعرف بعض مديري المستشفيات الذين سمحوا للأطباء بإعطاء الأدوية المخصصة للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية للمصابين بفيروس التهاب الكبد بي – لكن بشكل عام، يحصل عدد قليل للغاية من المصابين بفيروس التهاب الكبد بي في البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى على العلاج.

يزداد وعي بعض البلدان بضرورة حصول المصابين بالالتهاب الكبدي أيضًا على العقاقير المضادة للفيروسات القهقرية؛ ففي عام 2012، أصبحت أوغندا أول دولة من البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى تنتج إصدارًا جنيسًا من عقار تينوفوفير المضاد للفيروسات القهقرية، عن طريق شركة كواليتي كيميكالس، ويُقدَّم الدواء مجانًا في بعض مراكز العلاج حسبما يقول أوكاما. وفي عام 2017، وبعد سنوات من استغلال برامج فيروس نقص المناعة البشرية لتوفير الأدوية للمصابين بفيروس التهاب الكبد بي، تمكنت الجمعية السنغالية لأمراض الجهاز الهضمي من إقناع الحكومة بإتاحة عقار تينوفوفير لهم بسعر مماثل للسعر المحدد للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية.

إلا أن الشعور بالوصمة من الإصابة بـالتهاب الكبد بي قد يسبب مشكلة لا تقل في خطورتها عن مشكلة ندرة العقاقير؛ إذ يقول أوكاما إن مجموعات المرضى في أفريقيا قليلة جدًا، وتقول نورو: "أعتقد أنها رحلة منفردة يخوضها الكثيرون وحيدين منعزلين". لكن نورو عازمة هي وكاباجامبي على تغيير ذلك؛ فبعد تشخيص حالتها، أقنعت أشقائها بإجراء التحليل، وكشفت التحاليل عن إصابة ثلاثة من بين أشقائها الستة بفيروس التهاب الكبد بي. ومنذ ذلك الحين، وبعد أن كونت مع أخواتها في أوغندا "شبكة سرية"، تمكنت من إقناع 13 شخصًا آخرين بالخضوع للتحليل، وتحملت تكلفته.

وفي غضون ذلك، كرست شبكة المرضى التي أسسها كاباجامبي جهودها نحو توعية الجماهير بمرض فيروس التهاب الكبد بي وبناء مجتمع يستطيع فيه الأشخاص المصابون بالفيروس التحدث عن مرضهم. وعن هذا يقول كاباجامبي: "إن تشخيص إصابتك بفيروس التهاب الكبد بي لا يعني نهاية حياتك، فلا يزال بإمكانك أن تعيش حياة طبيعية".

References

  1. Gust, I. D. Gut 38, S18–S23 (1996).| article
  2. World Health Organization. Global Hepatitis Report, 2017 (WHO, 2017). | article
  3. Sutanto, A., Suarnawa, I. M., Nelson, C. M., Stewart, T. & Indijati Soewars, T. Bull. World Health Organ. 77, 119–126 (1999). | article
  4. . Xeuatvongsa, A. et al. Vaccine 34, 5777–5784 (2016). | article

إيان جرابر-ستيل كاتب متخصص في العلوم مقيم في شيكاغو بولاية إلينوي