كتب وفنون

علم الفضاء:أسطورة الروك يروي عن السباق إلى القمر 

عازف جيتار فريق «كوين» Queen وعالِم الفيزياء الفلكية، برايان ماي، يسهم مؤخرًا في خلق عالم مجسم ممتع، كما تروي ماي تشياو.

ماي تشايو

  • Published online:
صورة مجسمة لرائد الفضاء الأمريكي جين سيرنان بجوار مركبة قمرية خلال جولة على القمر في رحلة أبوللو 17

صورة مجسمة لرائد الفضاء الأمريكي جين سيرنان بجوار مركبة قمرية خلال جولة على القمر في رحلة أبوللو 17

MISSION MOON 3D

يشهد عام 2019 ذكرى مرور 50 عامًا على هبوط الإنسان للمرة الأولى على سطح القمر. والمثير في الأمر أن هذا السطح لم يطأه إنسان منذ جولة جين سيرنان على القمر خلال آخِر بعثات أبوللو التابعة لناسا في عام 1972. وللاحتفال بعظمة ذلك البرنامج، يعيدنا كل من ديفيد إيكر، الكاتب والمحرر، وبرايان ماي، عالِم الفيزياء الفلكية، وعازف الجيتار بفريق «كوين» Queen، والمصوِّر المُجسّم، إلى البداية في الكتاب المذهل «بعثة قمرية ثلاثية الأبعاد» Mission Moon 3-D.

في 25 مايو 1961، أعلن الرئيس جون كينيدي أن الولايات المتحدة سوف ترسل رجلًا إلى سطح القمر، وتعيده بأمان، قبل انتهاء العِقْد. فاجأ هذا الجدول الزمني الطَّموح المستشارين العلميين للرئيس أنفسهم، وكذلك الكونجرس الأمريكي، وبقية العالم. كان كينيدي مدفوعًا بالنجاحات الهائلة لبرنامج استكشاف الفضاء السوفييتي. وكان «سبُوتْينك1» Sputnik1، الذي أُطلق في عام 1957، أول قمر صناعي يدور حول الأرض. وقبل شهر من إعلان كينيدي عن تحدِّيه، كان يوري جاجارين قد أصبح أول إنسان يطوف الفضاء.

لطالما وردت قصة تفوق ناسا على برنامج «سويوز» Soyuz أثناء الحرب الباردة في المقابلات، والكتب، والأفلام. إذًا، ما الجديد الذي قدّمَه إيكر، وماي؟

بدايةً، يقارن إيكر البرامج الفضائية السوفيتية والأمريكية بنجاحاتها وإخفاقاتها. ويزداد هذا السياق السياسي والثقافي والتقني ثراءً، بسبب المعلومات التي صدرت عن رواد الفضاء أنفسهم في السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال، تمكن تفاصيل الحوادث والوفيات التي أعاقت البرنامج القمري السوفييتي، من وجهة نظر رواد الفضاء، إيكر من رواية قصة أكثر اكتمالاً، مما يجعله يحقق توازنًا رائعًا بين التفاصيل، وسلاسة القراءة.

ليس ذلك فحسب، فصُوَرُ الكتاب المُجَسَّمة المائة والخمسون، التي يمكن مشاهدتها ثلاثية الأبعاد باستخدام منظار مُجسِّم، تجعل منه تجربة مدهشة. ومنذ طفولته، دأب ماي على تجميع أجهزة التصوير المجسم، وهي تقنية تعود إلى العصر الفيكتوري، يتم فيها عرض صورتين للموضوع نفسه (تم التقاطهما بحيث تفصلهما عن بعضهما البعض مسافة أفقية صغيرة) جنبًا إلى جنب. وبالنظر إليهما من خلال جهاز عرض من على بعد معين، وبعينين «مسترخيتين»، يخلق المخ تصورًا للعمق، وتفقز التفاصيل - التي لم تكن واضحة من قبل - إلى بؤرة التركيز. وأزواج الصور التي أدرجها إيكر وماي تعرض كل شيء؛ مِن رائد الفضاء أليكسي ليونوف، أول مَن سبح في الفضاء في عام 1965، حتى وحدة أبوللو 12 القمرية «إنتربيد» Intrepid، التي كانت تحلق فوق سطح القمر وكأنها حشرة، في عام 1969. يأتي مع الكتاب المُشاهد اليدوي «لايت آول»LITE OWL ، الذي طوّره ماي، بالإضافة إلى كتيب للتعليمات (انظر: go.nature.com/2ezgyg6). وإذا كنتَ ممن يجدون صعوبة في رؤية المجسمات ثلاثية الأبعاد، حاولْ أن تبدأ بالصور عالية التباين، مثل صورة المذَنّب 67P/تشوريوموف-جيراسيمنكو 67P/Churyumov-Gerasimenko .

لم يكن التصوير الفوتوغرافي المجسم هدفًا من أهداف بعثات أبوللو، ولكنْ تم التقاط العديد من الصور المتتابعة - مثل تلك التي التقطها ستيوارت روسا في أبولو 14، أثناء دورانه حول القمر - التي مكّنَت ماي من تجميع عدة أزواج. نقّب ماي وفريقه أيضًا أرشيف ناسا؛ للعثور على أزواج نادرة من الصور الفوتوغرافية، أو اللقطات السينمائية، التي لديها الحد الصحيح من الفارق المطلوب. ولتوضيح الجهد السوفييتي، الذي لا توجد له صور متتابعة، اضطروا إلى تحويل الصور «الأحادية» إلى أزواج فراغية.

ومثلما تُذَكِّرنا هذه الصور الحية، ربما كان من الممكن أن تصبح وتيرة التقدم أبطأ بكثير بدون التنافس الشديد في سباق الفضاء، إلا أن حاجز الحرب الباردة بين البلدين جعل حدوث أخطاء كان يمكن تفاديها، وأحيانًا مأساوية، أمرًا حتميًّا. أحد الأمثلة التي تقشعر لها الأبدان هو حادث أبوللو 1 في عام 1967؛ فخلال تدريب العد التنازلي الروتيني، اندلع حريق في كبسولة المركبة الرئيسة، التي كانت تحتوي على أكسجين نقي، مما أسفر عن وفاة روجر تشافي، وجوس جريسوم، وإيد وايت على الفور تقريبًا. (وفي وقت لاحق فقط، تمت إضافة فتحة هروب سريعة إلى التصميم). وقبلها بست سنوات، كان رائد الفضاء المتدرب فالنتين بوندارينكو قد واجه مصيرًا مماثلًا خلال اختبار في موسكو، وهو حادث لم تكن ناسا على دراية به. ولم تلتق القوتان العظمتان في رحلة فضائية تعاونية إلا في عام 1975.

يفرد كتاب «بعثة قمرية ثلاثية الأبعاد» مساحة كبيرة للتضحية المطلقة التي قدّمَها البشر (والحيوانات) في سبيل استكشاف الفضاء، مؤكدًا على مخاطر دفْع سكان الأرض إلى بيئة غريبة. وحاليًّا، تخطط وكالة ناسا، ووكالات الفضاء الروسية واليابانية والصينية، والشركتان الخاصّتان «سبيس إكس» SpaceX، و«بلو أُوريجين» Blue Origin لإرسال البشر إلى القمر مرة أخرى. وقبل حدوث ذلك، لا بد من تقييم أي فوائد يمكن جنيها بعناية، في مقابل المخاطر، والتكلفة. وسوف يتطلب الوصول إلى المريخ تضافر جهود عدة دول، في ظل مشاركة القطاعين؛ العام والخاص. ويُذكر أن تكلفة المهام الروبوتية والتليسكوبية أقل بكثير من تلك التي يتدخل فيها عامل بشري، كما يمكنها أن تصل إلى كواكب وأقمارٍ أبعد، لكن التجربة البشرية لا بديل لها؛ وفيما ننتظر هبوط قدم بشرية أخرى على أرض في  الفضاء الخارجي، تقدم لنا كتبًا - كهذا الكتاب - لمحة عن تلك المتعة المطلقة.

 

ماي تشياو رئيس تحرير «نيتشر أسترونومي» Nature Astronomy