أنباء وآراء

الإلكترونيات الضوئية: تقنية الصمامات الثنائية الباعثة للضوء تزلل عقبات الأداء

حققت الصمامات الثنائية الباعثة للضوء، المصنوعة من أشباه موصلات البيروفسكايت، مستوى متقدمًا من حيث كفاءة إصدارها للضوء، وهو ما يُحتمل أن يكون إيذانًا بإطلاق منصة جديدة لتقنيات الإضاءة وشاشات العرض.

بول ميريديث، وأردالان آرمن
  • Published online:

لقد أحدثت الصمامات الثنائية الباعثة للضوء (يُطلَق عليها اختصارًا: صمامات LED) ثورة في مجالَي الإضاءة، وشاشات العرض، لا سيما لاستخدامها الطاقة بكفاءة أكبر من أي تقنية باعثة للضوء سبق استعمالها. ويتوالى ظهور صمامات ثنائية باعثة للضوء مجهرية معتمدة على أشباه موصلات غير عضوية "مُركَّبَة"، توفر درجات وضوح غير مسبوقة في شاشات العرض. وفي المقابل، توفر الصمامات الثنائية الباعثة للضوء المعتمدة على مواد عضوية شبه موصلة ( يُطلَق عليها اختصارًا: صمامات OLED) جودة لونية لا نظير لها، وزوايا مشاهدة تقترب من 180 درجة، وربما يمكن استخدامها في تطوير شاشات مرنة وخفيفة الوزن. في عدد صدر مؤخرًا لدورية Nature، عرضت ورقتان بحثيتان1،2 ما يمكن أن يمثل ميلادًا لعائلة جديدة من الصمامات الثنائية الباعثة للضوء مبنية على أشباه موصلات، تسمَّى مركبات البيروفسكايت. والأمر اللافت للنظر، أن مستويات كفاءة صمامات البيروفسكايت الثنائية الباعثة للضوء (يُطلَق عليها اختصارًا: صمامات PLED) في إنتاج الضوء من الإلكترونات تضاهي بالفعل مستويات الكفاءة التي تُظهِرها أفضل الصمامات الثنائية الباعثة للضوء المعتمدة على أشباه موصلات عضوية3. وهذه الكفاءة تم تحقيقها بعد مرور أقل من أربع سنوات على نشر أول بحث عن صمامات البيروفسكايت الثنائية الباعثة للضوء4، وهو ما يشير إلى أن هناك متسعًا للمزيد من التحسين في أداء هذا النوع من الصمامات.

اشتهرت مركّبات البيروفسكايت في عالم العلوم في السنوات القليلة الماضية. ويرجع هذا فى المقام الأول إلى ما توفره هذه المركبات من آفاق واعدة في مجال الخلايا الشمسية5، إلا أن الإمكانيات المتاحة لاستخدام هذه المركبات في تطبيقات أخرى – كالمستشعرات الضوئية6، والصمامات الثنائية الباعثة للضوء4 – هي إمكانيات يتوالي ظهورها بوتيرة متسارعة. والأمر المهم هنا هو أن مركبات البيروفسكايت يمكن صناعتها من المحاليل (باستخدام طرق طباعة منخفضة التكلفة، وذات تقنية بسيطة، على سبيل المثال)، كما أنها تعمل بشكل جيد ضمن تصميمات أجهزة الإلكترونيات الضوئية، التي يُعتبر صنعها من أسهل ما يكون. قد يسمح ذلك بصناعة أجهزة معتمدة على مركبات البيروفسكايت ذات مساحات كبيرة (عدة سنتيمترات مربعة)، بتكلفة زهيدة للغاية، وبقدر منخفض من الطاقة المتضمنة (إجمالي الطاقة المستخدَمة على مدار دورة حياة الجهاز بأكملها).

طوَّر كاو وزملاؤه1، ولين وزملاؤه2 – بشكل منفصل – صمامات بيروفسكايت ثنائية باعثة للضوء من شأنها أن تزلل عائقًا تقنيًّا مهمًّا، ألا وهو "الكفاءة الكمية الخارجية" (EQE) للأجهزة، وهي المعيار الذي يحدد كميًّا عدد الفوتونات المُنتَجة لكل إلكترون مُستهلَك بأنْ يكون أعلى من 20%. وثمة أوجه شبه عديدة بين الجهازين الموصوفين في بحثي هذين الفريقين؛ لعل أبرزها أن طبقة البيروفسكايت النشطة (الباعثة للضوء) يبلغ سُمْكها حوالي 200 نانومتر في الحالتين، وأنها محصورة بين قطبين كهربائيين بسيطين نسبيًّا. يُعرف هذا التصميم باسم "التركيب المسطح"، ويُعتبر أهم التجليات الأساسية للصمامات الثنائية المصنوعة من طبقات رقيقة من المواد (شكل 1). تُعدل الأقطاب الكهربائية بشكل ملائم، بحيث يُضمن ضخ الإلكترونات والفجوات (أشباه الجسيمات التي تتشكل بغياب الإلكترونات في الشبكات الذرية) بكفاءة إلى داخل البيروفسكايت. ومثلما يحدث في جميع الصمامات الثنائية الباعثة للضوء، عندما تلتقي الإلكترونات بالفجوات، يمكنها أن تُطْلِق طاقة على هيئة فوتونات، من خلال عملية تسمَّى "إعادة الاتحاد الإشعاعي".

أحد أوجه الشبه الأخرى بين الجهازين هو أن طبقات البيروفسكايت تم تجهيزها باستخدام المحاليل التي تبلورت منها أشباه الموصلات، لتشكل المكونات الباعثة للضوء في الصمامات. استخدم كاو وزملاؤه مركّب بيروفسكايت، يُعرف باسم يوديد رصاص الفورماميدينيوم (يُطلَق عليه اختصارًا: FAPI)، ممزوجًا مع إضافة من حمض أميني (حمض أمينوفاليريك)؛ للتحكم في حجم واتجاه بلورات البيروفسكايت الناتجة. خضع يوديد رصاص الفورماميدينيوم لبحوث موسعة نوعًا ما، بوصفه شبه موصل مستخدَم في الخلايا الشمسية، لكنّ لين وزملاءه أشاروا في بحثهم إلى مادة مركبة جديدة، فيها يغلف مركب عضوي (بروميد ميثيل الأمونيوم، MABr) بلورات مركّب البيروفسكايت CsPbBr3Cs) هو رمز السيزيوم، وPb الرصاص، وBr البروم) تغليفًا جزئيًّا.

يتطلب تحقيق مستويات مرتفعة من الكفاءة الكمية الخارجية في أي صمامات ثنائية باعثة للضوء استبعاد حالات الفقد غير الإشعاعي، وهي الممرات الخاصة بإعادة الاتحاد بين الإلكترونات والفجوات، التي لا تنتج فوتونات. تستطيع صمامات البيروفسكايت التي طورها كل من كاو وزملائه، ولين وزملائه، تلبية ذلك الغرض بالقدر نفسه من الجودة، غير أن الفريقين لجآ أيضًا إلى طرق أخرى مختلفة قليلًا؛ لتحسين الكفاءة الكمية الخارجية.

استهدف كاو وزملاؤه حل مشكلة هروب الفوتونات المعروفة جيدًا لأولئك الذين يعملون في مجال الصمامات الثنائية الباعثة للضوء ذات الطبقات الرقيقة (مثل صمامات البيروفسكايت الثنائية الباعثة للضوء، والصمامات الثنائية الباعثة للضوء المعتمدة على أشباه الموصلات العضوية). تنبع مشكلة هروب الفوتونات من أن الخصائص الفيزيائية الضوئية للصمامات الثنائية المسطحة تتسبب في احتجاز 70 إلى 80% من الضوء الذي يولده شبه الموصل داخل الجهاز. وقد حاولت استراتيجيات متنوعة التصدي لهذه المشكلة في الصمامات الثنائية الباعثة للضوء المعتمدة على أشباه الموصلات العضوية، مثل استراتيجيتي استخدام شبكات الحيود7، وإحداث انحناء في الجهاز8.

إلا أن كاو وزملاؤه اتبعوا نهجًا أبسط؛ إذ حَسَّنوا ظروف معالجة البيروفسكايت، بحيث تتشكل الطبقة الباعثة للضوء تلقائيًّا على هيئة صفائح بلورية متمايزة، يقل سُمْك الواحدة منها عن الميكرومتر (شكل 1). وتوضح النمذجة الحاسوبية التي أجراها الباحثون أن هذه البِنْية الدقيقة الأدنى من الميكرومتر تزيد من كمية الضوء الذي ينجح في الخروج من الطبقة الباعثة، لتصل إلى 30%، مقارنةً بكمية ضوء قدرها 22% في جهاز بيروفسكايت مماثل "ذي طبقة مستوية" (جهاز لا تصل فيه بِنْية طبقة البيروفسكايت إلى ما دون الميكرومتر). يؤدي هذا النهج – بالتضافر مع  تقليل مستويات الفقد غير الإشعاعية – إلى الحصول على كفاءة كمية خارجية قدرها 20.7%.

شكل 1. نسخة محسَّنة من الصمامات الثنائية الباعثة للضوء (صمامات LED) المعتمِدة على أشباه موصلات البيروفسكايت. أ، في السابق، كانت الصمامات الثنائية الباعثة للضوء تُصنع من مركبات البيروفسكايت، عن طريق حصر طبقة رقيقة من شبه الموصل بين قطب كهربائي من الذهب، وقطب كهربائي شفاف، إلا أن حوالي 20% فقط من الضوء المتولد في البيروفسكايت كان يجد طريقه إلى خارج الجهاز. ب، يقدم كاو وزملاؤه1 صمامات ثنائية باعثة للضوء من البيروفسكايت (يُطلق عليها اختصارًا: صمامات PLED)، تتكون فيها طبقة شبه الموصل من بلورات منفصلة، حجم الواحدة منها دون الميكروميتر، وتفصل بينها وبين القطب الكهربائي المصنوع من الذهب طبقة رقيقة من مادة عضوية. يؤدي هذا التصميم إلى زيادة كمية الضوء التي تتمكن من الخروج. جـ، يقدم لين وزملاؤه2 صمامات البيروفسكايت الثنائية الباعثة للضوء، مبنية على نوع مختلف من البيروفسكايت، وتكون فيها بلورات شبه الموصل مغلفة جزئيًّا بمركب عضوي، ويحل قطب كهربائي من الألومنيوم محل القطب الكهربائي المصنوع من الذهب. يُحسِّن هذا الجهاز كفاءة تحويل الشحنات – التي تُضخ في البيروفسكايت – إلى فوتونات (هذه الشحنات لا تظهر في الشكل).

شكل 1. نسخة محسَّنة من الصمامات الثنائية الباعثة للضوء (صمامات LED) المعتمِدة على أشباه موصلات البيروفسكايت. أ، في السابق، كانت الصمامات الثنائية الباعثة للضوء تُصنع من مركبات البيروفسكايت، عن طريق حصر طبقة رقيقة من شبه الموصل بين قطب كهربائي من الذهب، وقطب كهربائي شفاف، إلا أن حوالي 20% فقط من الضوء المتولد في البيروفسكايت كان يجد طريقه إلى خارج الجهاز. ب، يقدم كاو وزملاؤه1 صمامات ثنائية باعثة للضوء من البيروفسكايت (يُطلق عليها اختصارًا: صمامات PLED)، تتكون فيها طبقة شبه الموصل من بلورات منفصلة، حجم الواحدة منها دون الميكروميتر، وتفصل بينها وبين القطب الكهربائي المصنوع من الذهب طبقة رقيقة من مادة عضوية. يؤدي هذا التصميم إلى زيادة كمية الضوء التي تتمكن من الخروج. جـ، يقدم لين وزملاؤه2 صمامات البيروفسكايت الثنائية الباعثة للضوء، مبنية على نوع مختلف من البيروفسكايت، وتكون فيها بلورات شبه الموصل مغلفة جزئيًّا بمركب عضوي، ويحل قطب كهربائي من الألومنيوم محل القطب الكهربائي المصنوع من الذهب. يُحسِّن هذا الجهاز كفاءة تحويل الشحنات – التي تُضخ في البيروفسكايت – إلى فوتونات (هذه الشحنات لا تظهر في الشكل). 

كبر الصورة

في المقابل، استخدم لين وزملاؤه طبقة باعثة مستوية، ولكنهم حاولوا تحسين التوازن بين الإلكترونات والفجوات التي يتم حقنها في البيروفسكايت، لتحقيق الاستفادة القصوى من كل شحنة. ويبدو أن أغلفة بروميد ميثيل الأمونيوم، التي تغلِّف بلورات البيروفسكايت، هي التي سهلت حدوث هذا الأمر. وتبلغ الكفاءة الكمية الخارجية لصمامات البيروفسكايت الثنائية الباعثة للضوء الناتجة عن استخدام هذه الطريقة 20.3%.

ولكن يجب توخي الحذر قبل شراء إحدى شاشات التلفاز فائقة الوضوح، المبنية على صمامات البيروفسكايت الثنائية الباعثة للضوء؛ فقد عانت الأجهزة المعتمدة على الصمامات الثنائية العضوية الباعثة للضوء – بل وفي الواقع جميع الأجهزة الضوئية الإلكترونية المبنية على أشباه موصلات عضوية – لسنوات طويلة من مشكلات تتعلق بثبات الأداء. فالنسخ الأولى من الصمامات الثنائية البوليمرية العضوية9 لم تكن تبعث الضوء لأكثر من بضع ثوان، وكان لا بد من إدخال تطويرات لاحقة؛ لضمان استمرار شاشات الهواتف الذكية، وشاشات أجهزة التلفاز المعتمِدة على الصمامات الثنائية العضوية الباعثة للضوء لعشرات الآلاف من الساعات. ويمكن قياس عُمْر الصمامات الثنائية الباعثة للضوء بالمقياس المعياري T50، الذي يعبر عن الزمن الذي يمر على الجهاز، حتى ينخفض أداؤه إلى النصف. وفي الوقت الحالي، تُعتبر قيمتا T50 لصمامات البيروفسكايت الثنائية الخاصة بكاو وزملائه، ولين وزملائه متواضعة؛ إذ تبلغ القيمتان عشرين ساعة، ومائة ساعة، على التوالي.

وإضافةً إلى ذلك، تحتاج شاشات العرض إلى ما لا يقل عن ثلاثة ألوان (ويفضَّل أن يزيد العدد على هذا) لكي تتمكن من تقديم صور ملونة عالية الجودة. لقد مَثَّل تطوير طيف من الألوان للصمامات الثنائية العضوية تحديًّا كبيرًا. فصمامات البيروفسكايت الثنائية الباعثة للضوء التي طورها كاو وزملاؤه تبعث ضوءًا يقع في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة للطيف الكهرومغناطيسي. أما صمامات البيروفسكايت الثنائية التي طورها لين وزملاؤه، فتبعث ضوءًا أخضر، وهي بداية جيدة بالتأكيد. ويمكن توليد ألوان متعددة لصمامات البيروفسكايت الثنائية عن طريق تغيير تركيب الأجهزة، لكن ما زالت أمامنا رحلة التطوير نفسها كتلك التي سبق للصمامات الثنائية العضوية أن تطلَّبَتْها.

تُبرِز الورقتان البحثيتان أيضًا المشكلات التي تطرأ في كل مرة تَظهَر فيها مواد إلكترونية ضوئية جديدة كمنصة تكنولوجية. وتتمثل هذه المشكلات في عدم اتساق التوصيفات، وغياب المعايير. ونظرًا إلى أن صمامات البيروفسكايت الثنائية التي طورها كاو وزملاؤه تُصْدِر ضوءًا من خارج الطيف المرئي، يقدم الباحثون المقاييس المعيارية لأجهزتهم في صورة قياسات إشعاعية، أي أنهم يستخدمون معيارًا يأخذ في حسبانه، ببساطة، إجمالي الطاقة المنبعثة. وفي المقابل، يصف لين وزملاؤه الانبعاث الصادر من صمامات البيروفسكايت الثنائية الباعثة للضوء الأخضر الخاصة بهم باستخدام قياسات ضوئية يتم تقييمها من خلال رد فعل العين البشرية. وكذلك يشير الفريقان في بحثيهما إلى مستويات الكفاءة الكمية الخارجية القصوى عند درجات سطوع مختلفة، ومن ثم عند تيارات دافعة مختلفة، وهذا يجعل المقارنة المباشرة بين العملين صعبة نوعًا ما.

وإذا ما نحَّينا المآخذ جانبًا، فيمكن القول إن البحثين يُعتبَران علامة بارزة على طريق تطوير صمامات البيروفسكايت الثنائية الباعثة للضوء. وفي الوقت الراهن، تظل الصمامات الثنائية المبنية على أشباه الموصلات المركّبة هي التقنية السائدة؛ فهي خارج المنافسة في الكثير من النواحي، بما في ذلك التكلفة، والكفاءة، واللون، ودرجة السطوع. إنّ هزيمة تلك الصمامات ستكون أمرًا صعبًا، لكن ذلك يجب ألا يُثْنِي رواد صمامات البيروفسكايت الثنائية الباعثة للضوء (أو - في حقيقة الأمر - الصمامات الثنائية العضوية) عن الاستمرار في المحاولة.

References

  1. Cao, Y. et al. Nature562, 249–253 (2018).| article
  2. Lin, K. et al. Nature 562, 245–248 (2018).| article

  3. Di, D. et al. Science356, 159–163 (2017).| article
  4. Tan, Z.-K. et al. Nature Nanotechnol.9, 687–692 (2014). | article
  5. Lee, M. M., Teuscher, J., Miyasaka, T., Murakami, T. N. & Snaith, H. J. Science338, 643–647 (2012).| article
  6. Lin, Q., Armin, A., Burn, P. L. & Meredith, P. Nature Photon. 9, 687–694 (2015). | article
  7. Ziebarth, J. M., Saafir, A. K., Fan, S. & McGehee, M. D. Adv. Funct. Mater. 14, 451–456 (2004).| article
  8. Koo, W. H. et al. Nature Photon. 4, 222–226 (2010).| article
  9. Burroughes, J. H. et al. Nature347, 539–541 (1990). | article

يعمل بول ميريديث، وأردالان آرمن في قسم الفيزياء بجامعة سوانزي في سنجلتون بارك، سوانزي، SA2 8PP، المملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني:

paul.meredith@swansea.ac.uk

ardalan.armin@swansea.ac.uk