افتتاحيات

مشهد الحشود

تَناظُر يبعث على الرضا بين اختبار غير معتاد في فيزياء الكَمّ، ومراجعة الأقران الخاصة بنتائجه.

  • Published online:

شَهِد يوم الأربعاء، الموافق 30 نوفمبر 2016، اصطفاف حشود من الكوبيين في شوارع هافانا؛ لإلقاء نظرة الوداع الأخير على فيدل كاسترو. وفي اليوم نفسه، تجمَّع مشجعون لمشاهدة فريق كرة القدم الإسباني "إركوليس"، المؤلَّف من لاعبين مغمورين، وهو يفاجئ عمالقة نادي برشلونة في تعادل بهدف لكلا الفريقين في مباراتهما ضمن بطولة "كأس ملك إسبانيا"، وكذلك تجمَّع حشْد من 100,000 شخص من أنحاء العالم حول واحدة من ألعاب الفيديو على الإنترنت؛ لكتابة سلسلة من رقمَي ’0‘ و ’1‘ بأقصى سرعة يمكن أن تبلغها أصابعهم؛ ليختبروا أحد الملامح الأساسية لميكانيكا الكَمّ.

شَكَّل اللاعبون جزءًا من تجربة، مُدّتها يوم واحد، أُطلق عليها «اختبار بيج بيل» BIG Bell Test. وقد تم وصف نتائج هذه التجربة في العدد 557 من الطبعة الدولية لدورية Nature (The BIG Bell Test Collaboration. Nature 557, 212–216; 2018). وقد تم التوصُّل إلي النتائج بطريقة غير معتادة. وبالنسق المتسق الذي يمكن للمرء توقعه من نظرية فيزيائية، روجعت هذه النتائج لأغراض النشر بطريقة غير معتادة هي الأخرى. 

وبعد أقل من عام على إجراء الاختبار، وصلت الورقة البحثية الخاصة باختبار بيج بيل إلى دورية Nature لمراجعتها، لينتهى بها المطاف إلى مكتب سابرينا مانيسكالكو، الفيزيائية بجامعة توركو في فنلندا. وبعد اطلاعها على المدخلات التي احتوتها الورقة، والتي تم جمعها بالاستعانة بالجماهير، قررت مانيسكالكو الاستعانة بالجمهور في أغراض المراجعة المطلوبة، إلى حدٍّ معين. عرضت مانيسكالكو الورقة على سبعة من كبار طلاب الدكتوراة الخاضعين لإشرافها، ودَعَتْهم لمناقشتها معها على مدار يوم من العصف الذهني، والبحث في الكتابات العلمية، وتناوُل البيتزا. ونقلت مانيسكالكو ما نتج عن هذا من تعليقات وانتقادات في تقرير التحكيم الذي تقدمت به، والذي اطلع عليه الطلاب السبعة مجددًا قبل تسليمه. لم يتم انتهاك السرية في أثناء عملية المراجعة؛ فقد وافق الطلاب على الالتزام بالسرية التامة، ووافقت مانيسكالكو على الانضمام إلى برنامجنا التجريبي الخاص باعتماد المُحَكِّمين؛ وهو ما يعني ظهور اسمها – إضافةً إلى أسماء الطلاب المشاركين – في إفادة تظهر في نهاية الورقة البحثية. كما عرض مراجعان آخران أفكارهما بشأن الورقة البحثية بالطريقة المعتادة.

إنّ قيام رئيس أحد المختبرات بإحالة مراجعة الأقران الخاصة بإحدى الأوراق البحثية إلى زميل أقل خبرة، أو قيامه بالتعاون معه في المراجعة لا يعتبر أمرًا خارقًا للعادة. وللأسف، لا يتم الإعلان عن إسهام هذا الزميل في كل الأحوال، لكنْ من غير المعتاد – على حد علمنا – أن تتحول مراجعة الأقران إلى عمل جماعي، وأن يتم التصريح بأن المراجعة جرت على هذا النحو. ولا يُتوقع تكرار هذه التجربة كثيرًا. ومع هذا، فعلى عكس الاعتقاد الشائع، يشعر محررونا بالرضا عن مبدأ قيام محكمين بإشراك آخرين في عملية المراجعة، طالما أن السرية يتم ضمانها، وطالما أن المحررين يظلون على علم بما يحدث. ومن الصواب أن يتم الإعلان عن جميع المشاركين في عملية مراجعة الأقران. إنّ مثل هذا التعاون يمكن في أفضل حالاته أن يُثرِي عملية المراجعة، وأن يساعد صغار الباحثين على تنمية المهارات اللازمة لهم؛ حتى يصبحوا هم أيضًا مُحَكِّمين مؤثرين.

في هذه الحالة، تَستكشِف الورقة البحثية الخلاف القائم بين فيزياء الكَمّ، وفرضية الواقعية المحلية؛ فتلك الأخيرة تجمع بين مبدأين، هما: مبدأ المحلية – القائل إنّ رصد أحد الجسيمات في أحد المواقع المادية لا يمكن أن تكون له تأثيرات مباشرة في خصائص جسيم في مكان مختلف – ومبدأ الواقعية، الذي يعبر عن الكيفية التي يمكن بها للسمات القابلة للرصد في الجسيمات أن تُوجَد، حتى لو لم نقم بقياسها بشكل فعلي. أما في ميكانيكا الكم، فإن الارتباطات بين الجسيمات المتباعدة تكون موجودة بشكل قوي لدرجة تجعلها تنتهك مبدأ الواقعية المحلية. بعبارة أخرى، في نظرية الكمّ يُمكن أن يكون لدينا جسيمان، يوجد ارتباط بينهما، في حين أنهما بعيدان عن بعضهما بعضًا، فنقيس الأول، وبالتالي نعرف شيئًا ما عن الثاني، دون أن نكون قد أخضعناه للملاحظة المباشرة.

وهنا يكمن اللغز؛ فهل تنتهك ميكانيكا الكمّ حقًا نظرية الواقعية المحلية، أم أنه يمكن أن تكون هناك بعض العوامل المجهولة التي قد تُكمل النظرية، وتفسر ما يبدو في الظاهر على أنه انتهاكات؟ في ستينات القرن الماضي، طرح الفيزيائي جون بيل طريقة للتعامل مع هذه المعضلة داخل المختبر، وذلك عن طريق دراسة العلاقات الكمّية في صورة تشابك. وفي هذه التجارب، تؤدي تسلسلات القياسات المنفصلة مكانيًّا على الجسيمات المتشابكة إلى حساب كمية يمكن أن تكون لها قِيَم غير ممكنة في سياق النظريات المكانية والواقعية. وقد أكدت اختبارات بيل صحة نظرية الكَمّ مرات عديدة، لكنها تضمنت فرضيات، من شأنها أن تدع المجال مفتوحًا للتفسيرات غير الكمية المتعلقة بأسباب انتهاك فرضية الواقعية المحلية. ولذا، عكف الفيزيائيون منذ ذلك الحين على البحث عن طرق لسد هذه الثغرات.

وفي عام 2015، أثبت الفيزيائيون أن الاختبارات الناجحة التي أجراها بيل لا يمكن أن تكون راجعة إلى اتصال الجسيمات ببعضها بسرعة تعادل سُرعة الضوء، أو إلى عمليات رصد غير فعالة في أثناء إجراء القياسات، لكن تبقت ثغرة أخرى أقل خفاءً. إنّ اختبارات بيل تفترض أيضًا تمتُّع القائمين على التجريب بحُرّية اختيار القياسات التي يُجْرونها على كل جسيم، غير أنه ثمة عوامل خفية يمكنها أن تجعل مثل هذه الاختيارات تفرز علاقات ارتباط تعطي انطباعًا واهمًا بأن هناك تشابكًا.

إنّ اختبار بيج بيل يسد هذه الثغرة الخاصة بحُرّية الاختيار، حيث إن مجموعات التجريب المختلفة لم يكن متاحًا لها أن تدلي بدلوها فيما يتعلق بإعدادات القياس التي جرى استخدامها. وعوضًا عن ذلك، قامت هذه المجموعات بأخذ قياساتها، وفقًا لتدفقات وحدات البِت التي كانوا يتلقونها من اللاعبين، البالغ عددهم مائة ألف.

تُظهِر النتائج وجود ارتباطات قوية بما يكفي لدحض الواقعية المحلية. وربما كان هذا ما سيخلد ذكرى يوم 30 نوفمبر 2016؛ فهو اليوم الذي اجتمع فيه أناس من جميع أنحاء العالم؛ لاختبار نظرية الكَمّ.