مستقبليات

ذكريات باردة

هل حان وقت العودة إلى الوطن؟

لورانس رافاييل براذرز
  • Published online:

ILLUSTRATION BY JACEY

على السهل الصخري المقفر لاحت أمامي المركبة الزحّافة المُعطَّلة. بدت ككتلة مستطيلة رمادية مرتكزة على جنازير، قبة داكنة مغطاة بالثلوج من الداخل. كانت تبعد عن روك سيتي بالقدر الذي يمكنك أن تبلغه وأنت لا تزال على سطح الكويكب؛ بمائتي كيلو متر. قمتُ بتوصيل كابل شحن من مركبتي الزحافة إلى منفذ الطاقة الخاص بالمركبة الزحافة المُعطَّلة، وفتحت الباب الخارجي لها. كان عليَّ أنْ أستجمِع قواي قبل تدوير القفل، لكن «الكووه» هو «الكووه»، وكان هذا عملي الذي أتكسب منه. انفتح الباب الداخلي. كانت هناك جثة متصلبة لدرجة التجمد، تجلس وإحدى رجليها فوق الأخرى، وبين يديها حاسوب لوحيّ.

إذا اتضح لك أن الرحلة الاستكشافية التي كنتّ تدخر للقيام بها على مدى نصف عمرك قد فشلت، ساعتها ربما ستتجاهل إنذار انخفاض مستوى الطاقة بمركبتك الزحافة، وتستمر في السير. ربما ستشعل الكثير جدًا من رماح البلازما، لفحص نقاء عرق معدني آخر من النيكل والحديد، يتبين أنه لا قيمة له. وحينئذ، ربما ستكتشف أنه لم يعد لديك ما يكفي من وحدات الكيلو وات ساعة، كي تتمكن من العودة. يا لسوء الحظ! وعندما تكون قد تأخرت كثيرًا على موعد عودتك، فإنّ المسؤول يرسل شخصًا مثلي للعثور على مركبتك الزحافة واستعادتها.

لا يناسب هذا العمل الأشخاص مرهفي الحس. وما كان يجب عليَّ فعله هو أنْ أتجاهل الجثة. وعند إعادة شحن المركبة الزحافة، سيكون بإمكانها أن تعود بنفسها باستخدام وضع القيادة الآلية. وعندها، ستعمد الروبوتات إلى تنظيف المقصورة، وإعادة تدوير الجثة، لكنْ حتى بالنظر عبر طبقة الجليد، كان بإمكاني أن أري أن هذا الشخص كان عجوزًا من الجيل الأول. حررت الحاسوب اللوحي من بين أصابعه الميتة المتجمدة، وأنا أجز على أسناني، وذهبت بالحاسوب إلى مركبتي. تمت إعادة الشحن سريعًا. منحتُ مركبة المستكشِف بعض الوقت، قبل أن أتبعها في طريق العودة إلى روك سيتي. لم أكن أريد أن أراها طوال الطريق، وأنا أعرف ما بداخلها.

استجاب الحاسوب اللوحي لِلَمْسَتي، فبدا على الشاشة طفل صغير على سطح كوكب الأرض، حيث تنتشر النباتات في كل مكان. كان الطفل يعانق نوعًا من الحيوانات، أو روبوتًا أليفًا، وكان هذا الكائن يلعق أذن الطفل. في أعلى الصورة، كان هناك مربع نَصِّي، بداخله عبارة تقول: "إلى مَنْ يجدني".

كنت أتمنى ألا يترك شيئًا وراءه. لم أكن أرغب في أنْ تترك وظيفتي أيّ آثار في نفسي. عندما رجعت إلى المنزل، اتجهت إلى أقرب مكان يمكنني فيه الانغماس في الأكل والشرب، كي أنتزِع ذكرى هذه الجثة المتجمدة من رأسي، لكنني نقرتُ على شاشة الحاسوب اللوحي على أيّ حال.

فتح الحاسوب اللوحي مَعرضًا يحوي مجموعة من الصور، ومقاطع الفيديو القصيرة، جميعها مأخوذة من على كوكب الأرض. كنتُ أنتمي إلى الجيل الثالث، ولم يكن والداي يمتلكان أي «كووه» يُذكر؛ ولذا، نشأتُ في دار حضانة، مثل معظم الأطفال. لم أعرف على الإطلاق أي شخص كان يعيش على كوكب الأرض، وكان أغلب أفراد الجيل الأول قد قضوا نحبهم في تلك الآونة.

صورة: مساحة مترامية من التراب البني، والرماد الرمادي.

تعليق مكتوب: عام 2112. مقاطعة ساسكاتشوان بعد الحريق الكبير. مليونا هكتار... زهورنا التي حاز والدي جائزة عنها... كل شيء وَلَّى... انتقلنا إلى الشمال بعد ذلك.

فيديو: مجمع سكني مسَوَّر وسط أرض زراعية. روبوتات مُزارِعة تظهر عن بعد. شاب مراهق يلوِّح للكاميرا. صافرات الإنذار تدوِّي، فيغير الشاب وجهته، ويهرع إلى أحد المخابئ، وتتبعه الكاميرا مُظْهِرةً صورًا مهتزة. تعليق صوتي: نحن في عام 2114. ضيعتنا بالقرب من يلونايف. إنها من حقول أرز، وبساتين ثمار حمضية. دوِّى صوت إنذار كاذب هذه المرة. الجيش الأمريكي العظيم تداعَى حتى قبل أن يصل إلى إدمونتون. نفد الطعام. كان أبي مستاءً للغاية. كان يريد أن نشتري أماكن في مشروع «سيرتيس» على كوكب المريخ، وكانت أمي ترفض هذا.   

كانت قصة حياة تحكيها الصور ومقاطع الفيديو. كان المستكشِف هو الطفل الصغير، وكان هو الشاب المراهق أيضًا. كان من أسرة من المزارعين الأثرياء، بقوا طويلًا على كوكب الأرض، في وقتٍ صارت فيه الدولارات بلا قيمة، فذبلت محاصيلهم؛ وتعفنت. ومن بين عشيرته بكاملها، تمكَّن هو وحده من تأمين مكان لنفسه على متن مكوك للاجئين، لكنّ الأوان كان قد فات منذ زمن طويل على اختيار وجهة جيدة، كالمريخ، أو قمر كوكب الأرض؛ فانتهى به الحال بأنْ أصبح واحدًا من السكان الأوائل لمستعمرة روك سيتي، هنا على الكويكبات الطروادية لكوكب نبتون. كلّف مجلس كوكب المريخ الشركة الفضائية «لونج ريتش» بتوطين مليون لاجئ. كانت الشركة قد قامت ببناء روك سيتي، بحيث تخدم كمستودع للروبوتات العاملة في التنقيب، بهدف التنقيب في الكويكبات. وجاء توطين اللاجئين كفكرة لاحقة.

بعد أن وصل المستكشِف إلى هنا، لم يعد هناك المزيد من الصور، أو مقاطع الفيديو. كان كل شيء بمثابة نصوص مكتوبة تحكي - في الغالب - عن مدى كرهه لروك سيتي، لكن جميع أفراد الجيل الأول كانوا يكرهونها؛ فمؤخرًا فقط أتيح لنا القليل من وسائل الرفاهية. كدتُ أنسى الجزء الأكثر أهمية؛ لقد جنى المستكشف أرباحًا طائلة بشكل مفاجئ، حتى قبل أن أُولَد أنا. حصل على مكافأة تمثلت في 750 ألف كيلو وات ساعة من شركة «لونج ريتش»، مقابل عِرق معدني من الإيريديوم النقي. كان قد حقق الحلم الذي يراود الكل في روك سيتي. إذَن، كيف انتهى به الأمر هنا في العراء متجمدًا حتى الموت؟ كان يريد أن يعود إلى الوطن؛ إلى كوكب متهدم وخرب، لكنه وطنٌ، برغم كل شيء.

اليوم الشمسي 256 من عام 2142. لقد استغرقت شركة «لونج ريتش» ستة شهور للإجابة على استفساري. لهذا السبب،  قاموا بتوطيننا في بقعة نائية جدًا؛ حتى لا نتسبب في إزعاجهم؛ وحتى نصبح في طي النسيان. يُقال إن تكلفة حجز مكان على إحدى المركبات الفضائية الناقلة ضمن المنظومة الداخلية تبلغ مليون «كووه». وبعد ذلك يتكلف تصريح الإقامة في محطة سبيتسبيرجن لرصد المناخ خمسمائة ألف «كووه» أخرى. لقد انخفضت درجة الحرارة بمقدار 0.1 درجة مئوية منذ عام 2130، و ثمة أمل في المستقبل! إنّ مكافأة الإيريديوم كانت ستغطي نفقاتي بما يزيد على عشر مرات، لو كانت بالدولارات المريخية، وليست بالـ«كووه». يا لهم من أوغاد! ومع هذا، لا أحتاج سوى ضربة حظ واحدة أخرى.

لم أرد قراءة آخر ما سجله، لكنني اضطررت إلى ذلك.

اليوم الشمسي 18 من عام 2185. يجب عليّ أن أتقبل الأمر. لن أعود إلى الوطن أبدًا. لقد انتهى الحلم بالنسبة إليّ، لكن بالنسبة إليك – إذا كنت تقرأ هذا الآن – افتح علبة البطارية في هذا الحاسوب اللوحي؛ وستجد بها كل ما تركته.

كدتُ ألّا أفعلها. أعتقد أنها معلومات حساسة على ما أظن، لكنني وجدت شيئين: الأول، كان قصاصة بلاستيكية، عليها رقم حساب، وكلمة مرور. والثاني، كان برعمًا واهنًا هشًّا، لم يتَبْقَ من لونه الزهري إلا مسحة بسيطة. بحثتُ عن هذا البرعم على الإنترنت؛ ووجدته. لقد كان وردة مجففة. وتَبَيَّن أن الحساب يحتوي على المكافأة - بكاملها تقريبًا - التي كان المستكشِف قد حصل عليها. لقد صارت ملكًا لي الآن. أما عن الوردة، فلم تكن تعني لي الكثير في البداية، لكنني راجعتُ أحدث تقارير علم المناخ. لقد حدث انخفاض آخر بمقدار نصف درجة خلال الأربعين سنة الأخيرة. لعل الكوكب يتعافى، وربما سأعود بهذه الوردة إلى الأرض يومًا ما. وربما سأرى بعينَيّ ورودًا تُزهر هناك. آه، لو صِرْتُ غنيًّا!
 

لورانس رافاييل براذرز كاتب وخبير في التكنولوجيا. وللمزيد من القصص، قم بزيارة موقعه: http://laurencebrothers.com. كما يمكنك متابعته على حسابه على «تويتر»: @lbrothers