تحقيق إخباري

علماء الأحياء في طريقهم لصنع خلايا شبه حية من اللاشيء

الخلايا الاصطناعية المبنية تصاعديًّا قد تكشف عن حدود الحياة

كندال باول
  • Published online:

ILLUSTRATION BY DAVID MCLEOD

لم يكن هناك سوى ثمانية مكونات، هي: بروتينان، وثلاثة مواد منظمة للحمضية، ونوعان من جزيئات الدهون، وبعض الطاقة الكيميائية، غير أن هذا كان كافيًا لإنشاء مجموعة كبيرة من الكتل النابضة المتقافزة؛ هي بِنًى أولية شبيهة بالخلايا، مع شىء من الآلية اللازمة لها؛ كي تنقسم من تلقاء نفسها.

بالنسبة إلى عالمة الفيزياء الحيوية بترا شفيل، تمثل هذه الكتل المبتكرة الراقصة في مختبرها خطوة مهمة نحو بناء خلية اصطناعية تصاعديًّا، وهو ما سعت إليه على مدار السنوات العشر الماضية، وعكفت عليه مؤخرًا في معهد ماكس بلانك للكيمياء الحيوية في مارتنسريد بألمانيا.

تقول شفيل: "لطالما داعب هذا السؤال مخيلتي: "ما الذي يميز بين أشكال الحياة والمواد غير الحية؟" ووفقًا لشفيل، يكمن التحدي في تحديد المكونات اللازمة لإنشاء نظام حي. وفي الخلية الاصطناعية المثالية التي تتصورها، سوف تتمكن من التعرُّف على كل عامل من العوامل التي تجعل الحياة تدب بالخلية .

يحاول الباحثون إنشاء خلايا اصطناعية منذ أكثر من 20 عامًا، وذلك عبر تجميع الجزيئات حيوية المنشأ معًا في السياق الصحيح؛ للاقتراب من تشكيل ملامح الحياة المختلفة. وعلى الرغم من وجود الكثير من هذه الملامح، فهي تندرج عمومًا تحت ثلاث فئات: القدرة على الانقسام، أو بعبارة أخرى القدرة على الفصل بين الجزيئات حيوية المنشأ في الفراغ؛ والأيض، وهو الكيمياء الحيوية التي تحافظ على الحياة؛ والتحكم في المعلومات، أي تخزين التعليمات الخلوية وإدارتها.

وقد ظلت وتيرة العمل في هذا الصدد تتسارع، ويرجع الفضل في ذلك جزئيًّا إلى التطورات التي حدثت مؤخرًا في تقنيات الموائع الدقيقة، والتي تتيح للعلماء تنسيق تحركات المكونات الخلوية الدقيقة. وقد حددت مجموعات بحثية بالفعل طرقًا لنحت الكتل الشبيهة بالخلايا، بحيث تصير بالأشكال المطلوبة، وحددت كذلك طرقًا لإنشاء صيَغ أولية من عمليات الأيض الخلوي، وغرس الجينومات المصنوعة يدويًّا في الخلايا الحية، غير أن الجمع بين كل هذه العناصر لا يزال يشكل تحديًا.

مع ذلك، فهذا المجال يغمره شعور جديد بالتفاؤل حيال إنجاز هذه المهمة؛ ففي سبتمبر عام 2017، شكَّل باحثون من 17 مختبرًا في هولندا مجموعة بحثية، تحت اسم "بناء خلية اصطناعية"، (يُشار إليها اختصارًا باسم BaSyC)، وهي مجموعة تهدف إلى بناء "نظام يشبه الخلية، ينمو وينقسم" في غضون عشر سنوات، وذلك وفقًا لما ذكرته عالمة الفيزياء الحيوية ماريلين دوغتيروم، التي تدير مجموعة BaSyC، ومختبرًا في جامعة دلفت للتكنولوجيا. وقد انطلق المشروع برعاية منحة من برنامج «داتش جرافيتيشن» Dutch Gravitation بقيمة 18.8 مليون يورو (21.3 مليون دولار أمريكي).

وفي شهر سبتمبر من عام 2018، أعلنت المؤسسة الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة (NSF) عن أول برامجها للخلايا الاصطناعية، بتمويل يصل إلى 10 ملايين دولار. وقد اقترح العديد من الباحثين الأوروبيين – ومنهم شفيل – أن يتم اعتبار بناء الخلية الاصطناعية أحد «المخططات الرائدة» ضمن برنامج «التقنيات المستقبلية والناشئة»، التابع للمفوضية الأوروبية، وهي المخططات التي يُخصص لها تمويلًا قدره مليار يورو.

ويتنبأ علماء الأحياء التركيبية التصاعدية بأن أُولى الخلايا التي يتم إنتاجها اصطناعيًّا بشكل كامل قد تخرج إلى النور في فترة تربو قليلًا عن عقد من الزمان. في ذلك، تقول شفيل: "أنا متأكدة - إلى حد كبير - من أننا سنصل إلى هذه المرحلة".

التجميع جوهر المشكلة

قَطعتْ المجموعات البحثية خطوات واسعة نحو إعادة ابتكار العديد من الخصائص المشابهة لخصائص النظام الحي في الخلايا، لا سيما فيما يتعلق بمحاكاة الأغشية المحيطة بالخلايا، والفصل فيما بين المكونات الداخلية لها في حجيرات، وذلك لأن تنظيم الجزيئات مهم لحثها على العمل معًا في الوقت والمكان المناسبين. وعلى الرغم من أنه يمكن تشريح مليار بكتيريا، وسَكْب محتوياتها في أنبوب اختبار، على سبيل المثال، فإن العمليات البيولوجية التي تتم داخلها لن تستمر طويلًا بعدها؛ إذ تنشأ حاجة إلى فصل بعض المكونات جانبًا، وجمع البعض الآخر معًا.

يقول كيس ديكر، عالم الفيزياء الحيوية الذي يعمل بدوره بجامعة دلفت للتكنولوجيا: "برأيي، يتعلق الأمر بالجوانب الاجتماعية للجزيئات".

 في الغالب الأعم، يعني هذا تنظيم الجزيئات حيوية المنَشأ على الأغشية الليبيدية، أو داخلها. وتتمتع شفيل وفريقها بخبرة فائقة في التعامل مع الأغشية؛ فمنذ حوالي عشر سنوات، بدأ الفريق بإضافة بروتينات Min – التي تعمل على توجيه آلية انقسام الخلية البكتيرية – إلى صفائح من الأغشية الاصطناعية التي تتألف من الليبيدات. ووجد الباحثون أن بروتينات Min تتقافز على الأغشية، ومن فوقها، وتجعلها تتموج وتدور1، لكنْ عندما أضاف الباحثون بروتينات Min إلى كرات ليبيدية ثلاثية الأبعاد، انفجرت البنى مثل فقاعات الصابون، على حد تعبير شفيل. وتغلبت مجموعة العمل التابعة لشفيل، وغيرها من المجموعات، على هذه المشكلة باستخدام تقنيات الموائع الدقيقة؛ لبناء أوعية غشائية بحجم خلية – أو ليبوزومات (جسيمات ليبيدية) – يمكنها تحمُّل إدخال عدة بروتينات، إما في الأغشية نفسها، أو إلى ما في باطنها.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

ADAPTED FROM REF. 3

قام توماس ليتشيل – أحد طلاب شفيل في مرحلة الدراسات العليا – ومعاونوه بإذابة بروتينات Min في الماء، وأطلقوا قطرات من الخليط في أنبوب اختبار سريع الدوران. سحبت قوة الطرد المركزي القطرات عبر طبقات من الليبيدات الكثيفة، فغلَّفَتْها الليبيدات خلال هذه العملية. وخرجت القطرات من الطرف الآخر في صورة ليبوزومات، تراوح قُطْر الواحد منها بين 10 و20 ميكرومترًا؛ أي ما يقارب متوسط حجم الخلية النباتية، أو الحيوانية. وهذه الليبوزومات – المعروفة باسم الحويصلات العملاقة وحيدة الصفيحة (اختصارًا GUVs) – يمكن صنعها بطرق مختلفة، غير أن طريقة ليتشيل جعلت بروتينات Min تتسبب في خفقان الحويصلات العملاقة وحيدة الصفيحة، وتراقصها هنا وهناك، وانقباضها من الوسط2.

وترغب مجموعة شفيل في الاستفادة من معرفتها بهذه البروتينات التي يمكنها أن تُنتج أنماطًا غشائية، وأن تنظم نفسها ذاتيًّا، فتقول شفيل: "نفهم هذه الجزيئات فهمًا جيدًا، ونود أن نرى المدى الذي يمكن أن نصل إليه باستخدام عناصر بسيطة نسبيًّا، مثل بروتينات Min". ولعل الفريق استطاع – حسبما يوحي عمل ليتشيل – أن يستخدم البروتينات في تهيئة الأغشية للانقسام، أو لجمع المكونات في أحد أطراف الخلية الاصطناعية. وكما أن بعض الفيزيائيين قد يستخدمون شريطًا لاصقًا ورقائق قصدير لضبط تجاربهم بدقة، تقول شفيل إنها تأمل أن تمنحها هذه الجزيئات البيولوجية المفيدة القدرة على التلاعب بالبِنَى الشبيهة بالخلايا، وتتابع قائلة: "أنا باحثة تجريبية حتى النخاع".

أعضاء فريق ديكر أيضًا ملأوا الليبوزومات ببروتيناتهم المفضلة باستخدام رقاقة موائع دقيقة (انظر الشكل : "آلات الفقاعات"). وعلى الرقاقة، تتلاقى قناتان محتوِيَتان على جزيئات ليبيدية على قناة مملوءة بالماء، وتقذفان بليبوزومات بحجم خلية، يمكنها حمْل جزيئات بيولوجية متنوعة، تكون إما عالقة عبر الغشاء، أو حرة الحركة داخل وعاء الليبوزوم3.

أجرت مجموعة ديكر تجارب لضغط الليبوزومات، وتعديل شكلها، وإعادة تشكيلها، بحيث تأخذ أشكالًا غير كروية تحاكي الخلايا محاكاة أفضل. إنّ أدوات علم الموائع الدقيقة تعطي الباحثين قدرًا أكبر من التحكم فيما يتعلق بتحريك الليبوزومات، وفرزها، والتلاعب بها، وذلك باستخدام قنوات دقيقة تؤدي تقريبًا العمل نفسه الذي تقوم به الدوائر الإلكترونية. وخلال هذا العام، صمم مختبر ديكر رقاقة، يمكنها تقسيم الليبوزوم ميكانيكيًّا إلى اثنين من الليبوزومات، عن طريق دفع الليبوزوم نحو طرف حاد4.

يقول ديكر: "ليس هذا بالطبع ما نصبو إليه؛ فما نريده هو أن نُظْهِر انقسامًا يحدث من الداخل، غير أن هذا يقدم لنا معلومات مثيرة للاهتمام". من بين هذه المعلومات، على سبيل المثال: القوة اللازمة لانقسام خلية، وأنواع المعالجات المادية التي يمكن لليبوزومات تحمُّلها. وباستخدام النهج نفسه، تلاعب فريق ديكر أيضًا بشكل خلايا حية من بكتيريا الإشريكية القولونية Escherichia coli؛ فقاموا بتكبير أحجامها، أو جعْلها تتخذ أشكالًا مربعة، عن طريق إنمائها في غرف سيليكون مُصنَّعة نانويًّا. وبهذه الطريقة، يستطيع أعضاء الفريق التعرف على الطريقة التي يؤثر بها شكل الخلية في آلية الانقسام، وكذا دراسة طريقة عمل بروتينات Min في الخلايا ذات الأشكال والأحجام المختلفة5.

ويقول ديكر: "نتلاعب بتقنيات التصنيع النانوي، ونفعل ما لا يستطيع علماء بيولوجيا الخلية التقليديون فعله أبدًا، بيد أن عالِم فيزياء حيوية غريب الأطوار مثلي يمكنه فعل ذلك".

إضافة طاقة إلى النظام

بعد أن صار ممكنًا إضافة مكونات إلى الفقاعات الليبوزومية بدون فرقعتها، أصبح بإمكان المجموعات البحثية تخطيط طريقة عمل الجزيئات مع بعضها بعضًا. إنّ أي شيء شبيه بالكائنات الحية يتطلب طاقة خلوية، عادةً في صورة أدينوسين ثلاثي الفوسفات. وعلى الرغم من أن هذه الطاقة يمكن إضافتها من الخارج لتغذية النظام الاصطناعي، فالعديد من علماء الأحياء الذين يستخدمون نهجًا يتدرج صعودًا من الصفر يرون أن الخلية الاصطناعية الحقيقية يجب أن تكون لها محطة توليد طاقة خاصة بها؛ على غرار المتقدرة في الخلية الحيوانية، أو البلاستيدة الخضراء في النباتات، حيث إن كلتيهما تنتجان الأدينوسين ثلاثي الفوسفات.

قامت مجموعة يواخيم شباتز بمعهد ماكس بلانك للبحوث الطبية في هايدلبرج في ألمانيا ببناء متقدرة بدائية تستطيع إنتاج الأدينوسين ثلاثي الفوسفات داخل حويصلة.

في سبيل تحقيق ذلك، استفاد فريق شباتز من تقنيات جديدة للموائع الدقيقة. في البداية، قام الفريق بتثبيت الحويصلات العملاقة وحيدة الصفيحة، عن طريق وضْعها داخل قطرات من الماء الذي تم توزيعه في زيت، وهي قطرات محاطة بغلاف لزج من البوليمرات. بعد ذلك، وفي أثناء تدفق تلك الحويصلات المثبَّتة بالقطرات عبر قناة دقيقة، قام الفريق بحقن الحويصلات ببروتينات كبيرة، إما داخل الحويصلة، أو في سطح غشائها (انظر: "خطوط التجميع").

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

كبر الصورة

ADAPTED FROM REF. 6

حمَّل الفريق على هذه الأغشية إنزيمًا يسمَّى إنزيم تخليق الأدينوسين ثلاثي الفوسفات ATP synthase، وهو إنزيم يعمل بمثابة ساقية جزيئية، تنتج طاقة الأدينوسين ثلاثي الفوسفات من جزيئات بادئة (أولية) في أثناء تدفق البروتونات عبر الغشاء. وبإضافة حمض لتعزيز البروتونات خارج الحويصلات العملاقة وحيدة الصفيحة، حفّز الفريق إنتاج الأدينوسين ثلاثي الفوسفات في داخل الحويصلات6.

ويوضح شباتز أن الباحثين استطاعوا تدوير الحويصلات العملاقة وحيدة الصفيحة داخل القناة الدقيقة مرة أخرى، لحَقْنها بالبروتين مجددًا، لإضافة المكونات تباعًا. وعلى سبيل المثال، قد تكون الخطوة التالية هي إضافة مكوِّن يقوم تلقائيًّا بإعداد تدرج البروتونات في النظام.

يقول شباتز: "هذا نسق معياري مهم، مثله مثل النسق الموجود في أشكال الحياة الحقيقية".

وتُواصِل مجموعة أخرى مهتمة بعلم الأحياء التركيبية في معهد ماكس بلانك - تحت قيادة عالم الكيمياء الحيوية توبياس إيرب – قطع أشواط فيما يتعلق بطرق أخرى لبناء مسارات الأيض الخلوي. وإيرب مهتم بشكل خاص بالمسارات التي تتيح للميكروبات التي تستخدم التمثيل الضوئي سَحْب ثاني أكسيد الكربون من البيئة، وتصنيع السكريات والعناصر البنائية الخلوية الأخرى.

ويتبنى إيرب – الذي يترأس إحدى المجموعات البحثية بمعهد ماكس بلانك للأحياء الأرضية الدقيقة في ماربورج بألمانيا – نهجًا يعتمد على تخليق مسارات الأيض الخلوي من الصفر، فيقول إيرب: "نفكر في طريقة التصميم من وجهة نظر هندسية، ومن ثم نقوم بتنفيذ التصميم في المختبر".

رسمت مجموعة إيرب تصميمًا لنظام يستطيع تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى المالات، أحد نواتج الأيض الرئيسة، التي يتم إنتاجها في أثناء عملية التمثيل الضوئي. وتنبأ الفريق أن يكون هذا المسار أكثر كفاءة حتى من عملية التمثيل الضوئي. وبعد ذلك، بحث إيرب وفريقه في قواعد البيانات عن إنزيمات يمكنها أن تؤدي كل تفاعل من تفاعلات هذه العملية. واحتاج الفريق إلى تعديل القليل من هذه الإنزيمات إلى إنزيم مُصَمَّم لأغراض خاصة.

ووجد الفريق في نهاية المطاف 17 إنزيمًا من 9 كائنات مختلفة، بما في ذلك بكتيريا الإشريكية القولونية، ونوع من العتائق، ونبات آرابيدوبسيس Arabidopsis، والإنسان . وكان تفاعُل هذه الإنزيمات بطيئًا وغير فعال7، وربما لم يكن هذا أمرًا مفاجئًا.

فيقول إيرب: "لقد وضعنا مجموعة من الإنزيمات مع بعضها بعضًا، ولم تكن هذه الإنزيمات منسجمة معًا على نحو جيد"، لكن بعد أن أجرى الفريق مزيدًا من هندسة الإنزيمات، توصل إلى «النسخة 5.4» التي يقول عنها إيرب إنها تعمل بكفاءة تزيد بنسبة 20% على كفاءة التمثيل الضوئي.

وَسَّعَت مجموعةُ إيرب نطاق جهودها في هذا الإطار، فبدأت في بناء نسخة أولية لبلاستيدة خضراء اصطناعية. وعن طريق طحن السبانخ في الخلاط، وإضافة آلية التمثيل الضوئي الخاصة بها إلى نظام الإنزيمات الخاص بالمجموعة البحثية في أنبوب اختبار، استطاع علماء الأحياء تحفيز إنتاج الأدينوسين ثلاثي الفوسفات، وتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى المالات، بمجرد تسليط الضوء فوق البنفسجي على الأنبوب.

وفقًا لإيرب، كل العناصر قد تعمل في أنبوب الاختبار لفترة وجيزة. مع ذلك، فهو يضيف: "في النهاية، نود تجزئة النظام إلى حجيرات صغيرة، كما في البلاستيدات الخضراء". ويشعر إيرب بالحماس لتعاوُنه مع علماء متخصصين في الأحياء التركيبية، مثل كيت آدامالا، ممن يمكنهم بناء هذه الحجيرات المعقدة، والتحكم فيها.

تعمل مجموعة آدامالا في جامعة مينيسوتا في مينيابوليس على إيجاد طرق لبناء مفاعلات حيوية قابلة للبرمجة، عبر إدخال دارات وراثية بسيطة إلى الليبوزومات، ودمجها معًا؛ لإنشاء مفاعلات حيوية أكثر تعقيدًا. وتطْلِق آدامالا على هذه المفاعلات "فقاعات الصابون المنتِجة للبروتينات".

تنشئ مجموعة آدامالا هذه المفاعلات الحيوية باستخدام نظام أنابيب دوارة، يشبه نظام شفيل، ولكنه نظام ينتج ليبوزومات أصغر حجمًا. ويضيف الباحثون دوائر من الحمض النووي، تسمَّى البلازميدات، صمموها لأداء وظيفة معينة، إلى جانب جميع الآليات اللازمة لصناعة بروتينات من الحمض النووي.

على سبيل المثال، أنشأت مجموعة آدامالا مفاعلات حيوية ليبوزومية، يمكنها أن تستشعر وجود مضاد حيوي في بيئتها من خلال المسام الغشائية، ويمكنها أن تولِّد إشارة من الضوء الحيوي (الضوء المنبعث من الكائنات الحية) استجابةً لذلك8.

وعن طريق دمج المفاعلات الحيوية البسيطة معًا بشكل تتابعي، يستطيع الفريق تكوين دارات وراثية أكثر تعقيدًا، غير أن  هذه الأنظمة تبدأ في التوقف عن العمل عندما تتسع لتشمل عشرة مكونات، أو نحو ذلك. وتقول آدامالا إن هذا يشكل تحديًا بارزًا في هذا المجال. ففي الخلية الحقيقية، يتم الفصل بين البروتينات التي قد يتداخل عملها، عبر مجموعة متنوعة من الآليات. أما في الخلايا الاصطناعية، وهي خلايا أبسط بكثير، فيتعين على علماء الأحياء التوصل إلى طرق أخرى لإرساء هذا النوع من التحكم. قد يتم ذلك من خلال فلترة خارجية، يحدد فيها القائم بالتجربة الليبوزومات التي يتم مزجها مع بعضها بعضًا، والتوقيت المناسب لهذا المزج. ويمكن أيضًا تحقيق ذلك عن طريق الواسمات الكيميائية - التي تنظم أي الليبوزومات يمكنها أن تندمج مع بعضها بعضًا - أو يمكن تحقيقه من خلال نظام للإطلاق الموقوت.

حَقْنات معلوماتية

فيما يتعلق بصناعة الخلية، ثمة عامل أساسي آخر يتمثل في برمجتها بصورة صحيحة. إن إعطاء الخلية الاصطناعية القدرة على الاستجابة لتعليمات العلماء، وعلى استنساخ نفسها، سوف يتطلب طريقة لتخزين المعلومات واستخراجها. وفي الأنظمة الحية، يحدث هذا من خلال الجينات، التي يتراوح عددها بين المئات لدى بعض الميكروبات، وعشرات الآلاف لدى البشر.

إن عدد الجينات التي ستحتاجها الخلية الاصطناعية كي تدير نفسها يُعتبر موضوعًا للنقاش المفيد. وترغب شفيل وآخرون في أن يكون العدد المطلوب من الجينات في حدود بضع عشرات؛ فيما يرى غيرهم، مثل آدامالا، أن الخلايا الاصطناعية تحتاج إلى ما بين 200 و300 جين.

اختار البعضُ البدء من شيء حي؛ فقد أخذ عالِم الأحياء التركيبية جون جلاس وزملاؤه في معهد جيه كريج فنتر (JCVI) في لاهويا بولاية كاليفورنيا أحد أصغر الجينومات الميكروبية المعروفة على كوكب الأرض، وهو جينوم البكتيريا Mycoplasma mycoides، وعطَّلوا جينات الجينوم بشكل ممنهج؛ لتحديد الجينات الأساسية به. وبمجرد أن حصلوا على هذه المعلومات، قاموا بتجميع أبسط صورة من الجينوم بطريقة كيميائية في المختبر.

احتوى هذا الجينوم المُصنَّع على 473 جينًا، أي نصف العدد الموجود تقريبًا في البكتيريا الأصلية. وتم زرع الجينوم في نوع قريب من هذه البكتيريا، وهو بكتيريا 9Mycoplasma capricolum. وفي عام 2016، أظهر الفريق أن هذا الجينوم الاصطناعي البسيط استطاع أن "يُشَغِّل" كائنًا حيًّا مستقلًّا (غير متطفل وغير متكافل)، بيد أن نمو هذا الكائن كان بطيئًا10. ويرى جلاس أن خفض عدد الجينات لأقل من ذلك سيكون صعبًا، ويقول إن استبعاد أي جين سوف يقتل الخلايا، أو يبطئ نموها إلى ما يقارب الصفر.

ويعمل جلاس مع زملائه في معهد جيه كريج فنتر على تجميع قائمة بـ"المهام الخلوية"، مستندِين في ذلك إلى أحدث نسخة قاموا بصنعها (نسخة الجينوم JCVI-syn3.0a )، وهي نسخة يمكن استخدامها كمخطط أَوَّلِي يصور قائمة الحد الأدنى من المهام المطلوبة في الخلية، غير أنه فيما يتعلق بحوالي 100 جين من هذه الجينات، لم يستطع الباحثون تحديد الوظيفة التي يؤديها الجين، وتجعل منه جينًا أساسيًّا.

 وفي خطوة تالية، وبتمويل قدره مليون دولار تقريبًا، مَنَحَتْه المؤسسة الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة، سيحاول جلاس وآدامالا تثبيت الجينوم JCVI-syn3.0a في ليبوزوم اصطناعي يحتوي على الآلية اللازمة لتحويل الحمض النووي إلى بروتين، لمعرفة ما إذا كان سيبقى على قيد الحياة، أم لا. وفي هذه الحالة، ستكون برمجة الخلية ومكوناتها اصطناعية من البداية.

إذا استطاعت الخلية أن تنمو وتنقسم، فإن ذلك سيمثل خطوة هائلة. غير أن هناك كثيرين يرون أن التمثيل الحقيقي لنظام حيّ يعني أيضًا أن هذا النظام يجب أن يكون قادرًا على التطور والتكيف مع بيئته. وحسب قول شفيل، ينطوي هذا الهدف على القدر الأكبر من النتائج التي لا يمكن التنبؤ بها، وينطوي كذلك على أصعب التحديات. وتُتَابِع شفيل قائلة: "إن الشيء الذي يصنع نسخة مطابقة منه على الدوام لا يعبر عن مفهوم الحياة، على الرغم من أنني سأكون سعيدة إذا تم التوصل إلى تصنيع شىء كهذا!"، وتضيف: "يجب أن تكون الخلية قادرة على استحداث وظائف جديدة، كي يتم اعتبارها خلية حية".

يُجرى فريق جلاس في معهد جيه كريج فنتر تجارب تطورية مختبرية تكيفية على النسخة JCVI-syn3.0a، حيث يسعون لانتخاب الكائنات التي تنمو بشكل أسرع في محلول غني بالمغذيات. وحتى الآن، وبعد قرابة 400 انقسام، حصل جلاس وفريقه على خلايا تنمو بمعدل أسرع بحوالي 15% من معدل نمو الكائن الأصلي، ولاحظوا ظهور عدة تغيرات في التسلسل الجيني، غير أنه لا يوجد حتى الآن أي دليل على أن هذا الميكروب يطور وظائف خلوية جديدة، أو أنه يعزز صلاحيته بمعدلات كبيرة وسريعة.

ويقول إيرب إن التوصل إلى كيفية إضفاء التطور على الخلايا الاصطناعية هو السبيل الوحيد لجعل هذه الخلايا مثيرة للاهتمام، إذ إن هذا القدر الضئيل من الفوضى في النظم البيولوجية هو الذي يتيح لها تحسين أدائها. ويتابع إيرب قائلًا: "في سياق عملنا كمهندسين، لا يمكننا بناء خلية اصطناعية مثالية، لكنْ يتحتم علينا أن ننشئ نظامًا يصحح من نفسه ذاتيًّا، ويتحسن بمرور الوقت".

قد تقود الخلايا الاصطناعية إلى طرح رؤىً متعمقة عن شكل الحياة على الكواكب الأخرى. وقد تقدِّم لنا المفاعلات الحيوية الاصطناعية التي تخضع لتحكُّم الباحثين التام حلولًا جديدة لعلاج السرطان، أو للتعامل مع مقاوَمة الميكروبات للمضادات الحيوية، أو لتطهير المواقع الملوثة بالمواد السامة. إنّ إطلاق كائن كهذا داخل جسم الإنسان، أو في البيئة، قد يكون أمرًا محفوفًا بالمخاطر، لكن الكائن العضوي المُهندَس تنازليًّا، الذي لا تُعرف سلوكياته، ولا يمكن توقعها، قد يكون أكثر خطورة.

تقول دوغتيروم إن الخلايا الاصطناعية الحية تثير أيضًا تساؤلات فلسفية وأخلاقية أخرى، على شاكلة: "هل ستكون هذه كائنات حية؟ هل ستكون مستقلة بذاتها؟ هل سنتحكم فيها؟" وترى دوغتيروم أن هذا الحوار يتعين إجراؤه بين العلماء والجماهير. وفيما يتعلق بالمخاوف المثارة بشأن خروج الخلايا الاصطناعية عن السيطرة، فإن دوغتيروم ليست قلقة إلى هذا الحد. فتقول دوغتيروم: "أنا على اقتناع بأن خليتنا الاصطناعية الأولى ستكون محاكاة رديئة لما هو موجود بالفعل". إنّ دوغتيروم تستطيع بسهولة - هي وزملاؤها من مهندسي الحياة الاصطناعية - إدخال عناصر تحكُّم، أو مفاتيح إيقاف تشغيل تجعل هذه الخلايا غير ضارة.

وستواصل دوغتيروم، وغيرها من علماء الأحياء التركيبية، المضيّ قدمًا لاستكشاف حدود الحياة، فتقول دوغتيروم: "هذا هو الوقت المناسب؛ فلدينا الجينومات، وقائمة أجزاء الخلايا، ولا تحتاج الخلية في أبسط صورها إلا لبضع مئات من الجينات، كي تُعد حية نوعًا ما. إنّ العمل بمئات الأجزاء يمثل تحديًا ضخمًا؛ لكن الأجزاء ليست بالآلاف، وهذا مثير للاهتمام للغاية".

References

  1. Loose, M., Fischer-Friedrich, E., Ries, J., Kruse, K. & Schwille, P. Science 320, 789–792 (2008). | article
  2. Litschel, T., Ramm, B., Maas, R., Heymann, M. & Schwille, P. Angew. Chem. Int. Edn https://doi.org/10.1002/anie.201808750 (2018). | article
  3. Deshpande, S., Caspi, Y., Meijering, A. E. C. & Dekker, C. Nature Commun. 7, 10447 (2016). | article
  4. Deshpande, S., Spoelstra, W. K., van Doorn, M., Kerssemakers, J. & Dekker, C. ACS Nano 12, 2560−2568 (2018). | article
  5. Wu, F., van Schie, B. G., Keymer, J. E. & Dekker, C. Nature Nanotechnol. 10, 719–726 (2015). | article
  6. Weiss, M. et al. Nature Mater. 17, 89–96 (2018). | article
  7. Schwander, T., von Borzyskowski, L. S., Burgener, S., Cortina, N. S. & Erb, T. J. Science 354, 900–904 (2016). | article
  8. Adamala, K. P., Martin-Alarcon, D. A., Guthrie-Honea, K. R. & Boyden, E. S. Nature Chem. 9, 431–439 (2017). | article
  9. Gibson, D. G. et al. Science 329, 52–56 (2010). | article
  10. Hutchinson, C. A. et al. Science 351, aad6253 (2016). | article
كيندال باول صحفية حرة متخصصة في مجال العلوم، تقيم في لافاييت بولاية كولورادو