تحقيق إخباري

العدو المتربص

إنّ الملاريا بمثابة قنبلة موقوتة في جنوب شرق آسيا. والعلماء يسابقون الزمن؛ للقضاء عليها، قبل أن تنتشر سلالات منها لا يمكن إيقافها.

إيمي ماكسمِن

  • Published online:
شاب مصاب بالملاريا يخضع للعلاج في سييم بانج بكمبوديا.

شاب مصاب بالملاريا يخضع للعلاج في سييم بانج بكمبوديا.

ADAM DEAN FOR NATURE

اقتحمَتْ حشود من الرجال والنساء الغابات الواقعة في شمال شرق كمبوديا في إبريل من عام 2018 منجذبةً إلى محصول وفير من نبتة استوائية نادرة، تسمَّي سامرونج (samrong). وبعد أيام من السير لمسافات طويلة عبر الغابة الموحشة، عاد بعض هؤلاء المسافرين إلى منازلهم بكمية وفيرة من تلك البذور المتغضنة، التي تُثمن بأسعار مرتفعة بوصفها حلوى فريدة من نوعها، أو مكوِّنًا يُستخدم في الطب الصيني التقليدي، لكنْ سرعان ما أصاب المرض كثيرًا من هؤلاء العائدين. يقول هونج تشيم - وهو مُزارِع أرز، يبلغ من العمر 56 عامًا - إنّ الحُمّى داهمته بعد بضعة أيام قليلة من تلك الرحلة. كانت عضلاته تؤلمه، وكذلك آلمته عيناه، وحاصرته كوابيس لا تُحتمل. أخبر أحد العاملين في مجال الصحة تشيم أن نتائج التحاليل أثبتت إصابته بعدوى طفيل المتصوّرة المنجليّة Plasmodium falciparum، وهو النوع الأكثر فتكًا من الطفيليات المسببة للملاريا. ونظرًا إلى أن موجة من الملاريا كانت تجتاح المنطقة في تلك الفترة؛ كان هناك نقص في إمدادات الدواء. ووجد تشيم في نهاية المطاف متجرًا يبيع الأدوية التي كان بحاجة إليها؛ وسرعان ما استعاد عافيته، لكن في الأيام التي تخللت تلك الفترة، ربما يكون البعوض قد امتص الطفيليات الموجودة في دمه، ونقلها إلى أشخاص آخرين.

بعد سنوات من الانحسار والتراجع، يبدو أن معدلات الإصابة بالملاريا آخذة في الارتفاع في شمال شرق كمبوديا، حيث يوغل الناس في خوض المناطق الخصبة الموبوءة بالبعوض؛ بحثًا عن الأخشاب، والبضائع الموسمية، مثل السامرونج (المعروفة علميًا باسم Scaphium affine). تُعد تلك التنقلات بمثابة فرصة سانحة لطفيل المتصورة المنجلية، الذي يحتاج إلى عائل من البشر، والحشرات، على حدٍّ سواء؛ كي ينمو ويزدهر. تتوفر أيضًا عوامل أخرى تسهم في ازدهار المرض، مثل: تأخير العلاج الذي يسمح للطفيل بالبقاء والانتشار، والتراجع المثير للقلق في فاعلية أدوية الملاريا، التي تُعَد بمثابة المعيار الذهبي للعلاج، والتي تسمَّى بالعلاجات المركّبة القائمة على مادة الأرتيميسينين (ACTs).

نسبة الإصابة بمرض الملاريا آخِذة في الارتفاع في شمال شرق كمبوديا، حيث يعيش الناس في مساكن مفتوحة في المناطق الريفية الموبوءة بالبعوض.

نسبة الإصابة بمرض الملاريا آخِذة في الارتفاع في شمال شرق كمبوديا، حيث يعيش الناس في مساكن مفتوحة في المناطق الريفية الموبوءة بالبعوض.

ADAM DEAN FOR NATURE

وما ستشهده هذه المنطقة بعد ذلك، سوف يكون ذا أهمية للعالَم بأسره، فلا تزال الملاريا واحدًا من أخطر الأمراض الفتاكة في البلدان ذات الدخل المنخفض. ويُقدّر عدد الوفيات في كل سنة من جَرّاء المرض ما بين 450 ألف، و720 ألف حالة وفاة. وتَحُول حبوب الأرتيميسينين (ACTs) دون زيادة تلك الحصيلة إلى معدلات أعلى من ذلك بكثير. ورغم أن منطقة جنوب شرق أسيا لا تستأثر سوى بنسبة 7% فقط من حالات الإصابة بالملاريا على مستوى العالم، فهي تشتهر بتاريخ بغيض، بوصفها مرتعًا خصبًا لسلالات طفيليات الملاريا، التي تقاوِم جميع الأدوية المستخدَمة لمكافحتها، ثم تنتشر إلى مناطق أخرى.

في عام 2015، أدت تقارير متعلقة بمقاومة المرض للأدوية إلى دفع حكومات خمس دول في منطقة ميكونج الكبرى دون الإقليمية (وهي كمبوديا، وتايلاند، وفيتنام، ولاوس، وميانمار) إلى التعهد بمحو طفيل المتصورة المنجلية من المنطقة بحلول عام 2025. وضعت تلك الدول - بالاشتراك مع منظمة الصحة العالمية - خططًا وميزانيات لذلك. وفي العام 2018، على سبيل المثال، رصدت حكومات تلك الدول مبلغًا قيمته 41 مليون دولار أمريكي لتلك الجهود، كما ساند الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا جهود القضاء على المرض في المنطقة بمنحة لمدة 3 سنوات، تبلغ قيمتها 243 مليون دولار أمريكي. كذلك اعتزمت جهات مانحة أخرى، مثل «مؤسسة بيل وميليندا جيتس» Bill & Melinda Gates Foundation، و«بنك التنمية الأسيوي»، أن تضيف أكثر من 20 مليون دولار أمريكي لجهود مكافحة المرض في العام 2018.

بالقرب من حدود كمبوديا مع لاوس، يسافر في الكثير من الأحيان أشخاص بجرارات صغيرة؛ لقَطْع الأخشاب، والحصول على بضائع أخرى من الغابات، حيث يمكن أن يُصابوا بالملاريا.

بالقرب من حدود كمبوديا مع لاوس، يسافر في الكثير من الأحيان أشخاص بجرارات صغيرة؛ لقَطْع الأخشاب، والحصول على بضائع أخرى من الغابات، حيث يمكن أن يُصابوا بالملاريا.

ADAM DEAN FOR NATURE

لكن زيادة عدد حالات الإصابة بالمرض في شمال شرق كمبوديا تبيِّن مدى صعوبة القضاء التام عليه، ومدى أهمية تحقيق ذلك. وطالما استمر وجود طفيل المتصورة المنجلية، فبإمكانه أن يزدهر وينبعث من جديد. وتكون الطفيليات الأخيرة المتبقية عادةً الأصعب في العثور عليها. تعيش تلك الطفيليات في المناطق البعيدة عن الشواطئ، والمناطق الحدودية، ومناطق الحروب، كما تعيش داخل الأشخاص الذين لا تظهر عليهم أيّ علامات للمرض. وتقول لادا كاجيتشيوا، وهي مدير لأحد برامج الملاريا في أحد فروع «وحدة ماهيدول أكسفورد لأبحاث طب المناطق الاستوائية» (Mahidol Oxford Tropical Medicine Research Unit (MORU في ماي سوت بتايلاند: "إن طفيل الملاريا يتسم بالذكاء الشديد؛ فهو يختبئ في أماكن لا تعرفها، ويعود عندما لا تكون مستعدًا له".

من أجل القضاء على مرض الملاريا، وإبادته، يحاول مسؤولو الصحة العامة تأمين المنطقة بالمتطوعين والعاملين بمجال الصحة، الذين يستطيعون صرف العقاقير المضادة للملاريا فورًا، والإبلاغ عن أيّ بوادر على الارتفاع المفاجئ لموجة الإصابة بالمرض. يتطلع هؤلاء المسؤولون كذلك إلى الباحثين؛ بحثًا عن أدوات بإمكانها مَنْع مقاومة الأدوية، وعن تقنيات تحسِّن من عمليات رصد الطفيل والكشف عنه، وعن أدلة تدعم استراتيجيات استئصال المرض من جذوره. ولا تزال الضغوط مستمرة. في ذلك، تقول مياينج نيونت، وهي باحثة متخصصة في مرض الملاريا بمعهد ديوك للصحة العالمية في دورهام بولاية نورث كارولينا: "الكل متخوف من عودة الملاريا". وتخشى نيونت أنْ يصيب مانحي التبرعات الملل مِن هذه القضية، ومن شعور مواطني منطقة ميكونج الكبرى بالاستياء حيال هاجس الملاريا، في الوقت الذي يواجهون به احتياجات أكثر إلحاحًا. فإذا ما فترت الجهود؛ فإنّ الملاريا سوف تكشر عن أنيابها من جديد.

تقول ميانج نيونت: "لهذا، من المهم جدًّا القضاء على الملاريا في أسرع وقت ممكن".

نمو المقاومة

كانت منطقة جنوب شرق آسيا بمثابة منصة الانطلاق للملاريا المقاوِمة للأدوية عدة مرات، ترتَّبَت عليها عواقب وخيمة. ففي خمسينيات القرن العشرين، أفادت السلطات الكمبودية أن الكلوروكين - وهو العلاج الرئيس للملاريا في ذلك الوقت - صار غير قادر على علاج بعض الإصابات. وفي غضون ثلاثة عقود، كانت قد انتشرت سلالات مقاوِمة للكلوروكين، ووصلت إلى القارة الأفريقية1، حيث تحدث 90% من حالات الإصابة بالملاريا في العالَم، وبدأ عدد الوفيات في الارتفاع. وبحلول عام 2000، كانت الملاريا تقتل قرابة مليون شخص سنويًّا على مستوى العالم. وقال الأطباء إن الوضع كان أشبه بمشاهدة طائرتَي «بوينج 747» تتحطمان بصفة يومية.

إحدى الفَنِّيّات العاملات في سييم بانج بكمبوديا تجهِّز خلايا دم؛ لشحنها إلى بانكوك، حيث يدرس علماء الأحياء هناك طفيليات الملاريا التي تعيش في تلك الخلايا

إحدى الفَنِّيّات العاملات في سييم بانج بكمبوديا تجهِّز خلايا دم؛ لشحنها إلى بانكوك، حيث يدرس علماء الأحياء هناك طفيليات الملاريا التي تعيش في تلك الخلايا

ADAM DEAN FOR NATURE

وفي عام 2005 تقريبًا، بدأ ذلك الاتجاه في عكس مساره، عندما أصبحت العلاجات المركّبة، القائمة على مادة «الأرتيميسينين»، متاحة في جميع أنحاء العالم. يضطلع المكوِّن الرئيس في تلك العلاجات - وهو «الأرتيميسينين» - بالقضاء السريع على غالبية الطفيليات، بينما يتولى دواءٌ شريك له في العلاج المركب - ذو فعالية أطول - مهمة إبادة البقية الباقية. وعندما تعمل العلاجات المركبة القائمة على مادة الأرتيميسينين كما ينبغي؛ تنخفض أعداد الطفيليات - التي يمكن الكشف عنها في قطرة دم تؤخذ بوخز الأصبع - بمقدار النصف في غضون ثلاث ساعات من تناول الدواء.

لكن في عام 2008، أفاد2 الباحثون في غرب كمبوديا أن أعداد الطفيليات لدى بعض المرضى لم تكن تنخفض بالسرعة المفترَضة. ولرصد الموقف، بدأ العلماء في شتى أرجاء المنطقة في شحن عينات دم إلى مختبرات فائقة التكنولوجيا في بعض المدن، منها: بانكوك، وسنغافورة، ولندن. ومن خلال هذه الجهود، اكتشف الباحثون سلاحًا سريًّا، كانت الطفيليات قد اكتسبته ضد الأرتيميسينين3، وهو بمثابة طفرات في جين يُسمَّى Kelch 13. وجد الباحثون أن العديد من طفرات Kelch 13  قد ظهر فجأة في منطقة ميكونج الكبرى دون الإقليمية، كما كان عدد الطفيليات التي تؤوي تلك الطفرات في ارتفاع. لم تتسبب مقاوَمة الأرتيميسينين في ارتفاع عدد الوفيات، ويرجع ذلك في جزء منه إلى الأدوية الشريكة له في العلاج المركب، لكنّ بعضًا من تلك الأدوية كانت فاعليته قد بدأت تضعف أيضًا، إذ وُجد أن إحدى سلالات المتصورة المنجلية - الواردة من كمبوديا - تحتوي على طفرة قوية في جين Kelch 13، فضلًا عن تكرار جيني يساعدها في النجاة من تأثير العلاج باستخدام الدواء الشريك المعروف باسم البيبيراكين4. وفي أكتوبر عام 2017، أفاد5 علماء الأحياء الجزيئية أن ذلك الطفيلي كان قد انتشر إلى تايلاند، ولاوس، وفيتنام. ويقاوم اليوم بعض أفراد تلك العائلة أيضًا دواءً شريكًا آخر، هو الميفلوكين6 (انظر: "بوتقة المقاومة").

تتسم مقاومة الأدوية بقدرتها على التفاقم؛ لتتحول من مصدر للإزعاج، إلى مشكلة خطيرة. ورغم أن العدوى - التي لم تقض عليها العقاقير كليًّا - قد لا تكون سببًا في وفاة شخص، يمكن للطفيليات التي تظل حية أن تُوَاصِل إصابة آخرين بالعدوى، كما تزداد سلالتها قوةً. وللاستمرار في استباق مقاومة الأدوية بخطوة، جَدَّد الباحثون في «وحدة ماهيدول أكسفورد لأبحاث طب المناطق الاستوائية» عيادة متهالكة في سييم بانج بشمال شرق كمبوديا في وقت سابق من العام 2018. يأتي ذلك في إطار سعي هؤلاء الباحثين إلى توسيع نطاق تجربة لاختبار مزيج من الأرتيميسينين، واثنين من الأدوية الشريكة، بدلًا من واحد. ويُفترض أن تقضي تلك التركيبة على الطفيليات التي لم تصل بعد إلى مرحلة المقاوَمة الثلاثية، لكنّ قائد التجربة، أرجين دوندورب - نائب مدير «وحدة ماهيدول أكسفورد لأبحاث طب المناطق الاستوائية» في بانكوك - يقول إن الطريقة الوحيدة المؤكدة لوقف المقاومة هي تخليص منطقة ميكونج من الملاريا تمامًا. وفي الوقت الحاضر، ترى منظمة الصحة العالمية القضاء على المرض ممكنًا، نظرًا إلى قلة الإصابات به نسبيًّا في جنوب شرق آسيا، لكن الفرصة المتاحة للقيام بذلك لن تدوم طويلًا، فعندما تبدأ فاعلية العلاجات المركبة - القائمة على مادة الأرتيميسينين - في الانهيار، سوف ترتفع أعداد حالات المرض. و"هذا هو السيناريو الذي تنبأنا به، والذي نراه يتكشَّف الآن في كمبوديا"، على حد قول دوندورب.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

SOURCE: INSTITUTE FOR HEALTH METRICS AND EVALUATION;WORLDWIDE ANTIMALARIAL RESISTANCE NETWORK; REFS 4–6

ولإسراع وتيرة إبادة طفيل المتصورة المنجلية في المنطقة، وَعَدَ مسؤولو الصحة العامة في البلدان الخمسة بتعزيز الآليات الأساسية لمكافحة الملاريا، ومِن بينها الحفاظ على قوة عمل ثابتة من العاملين بمجال الصحة، لكنّ ذلك النظام لا يزال يعاني ثغرات، لا سيما في كمبوديا، وميانمار، اللتين تُعَدّان من أفقر البلدان في آسيا. ولمساعدة تلك الدول، أخذ بنجامين رولف - رئيس «تحالف قادة منطقة آسيا والمحيط الهادئ لمكافحة الملاريا» Pacific Leaders Malaria Alliance في سنغافورة - يجمع الأموال والدعم السياسي من جميع أنحاء القارة الآسيوية. ويقول رولف: "إننا قريبون من الجولة الحاسمة بدرجةٍ تجعل من غير المنطقي - من الناحية التجارية - السماح بحدوث مقاوَمة للأدوية". ويضيف رولف قائلًا: "إذا سمحنا بذلك، فإنّ جميع الاستثمارات التي نفذناها حتى الآن هنا وفي أفريقيا ستكون بمثابة إهدار لا يُصدق للمال".

بلاء خفيّ

تشير النتائج الأخيرة إلى أن مهمة القضاء على المرض سوف تكون أصعب مما كان متوقَّعًا. ويقوم العاملون بمجال الصحة عادةً بتشخيص الملاريا باستخدام اختبار تشخيصي سريع (RDT) يتميز ببساطته، إذ تُوضع قطرة دم، تؤخذ بوخْز الأصبع بإبرة، على شريط اختبار، يتحول لونه بسرعة إلى اللون الأحمر، إذا رَصَدَ بروتينات من المتصورة المنجلية. تميِّز الاختبارات المذكورة – بشكل واف – حالات الحمى الناتجة عن الملاريا عن غيرها من حالات العدوى الأخرى، لكنّ مليكا إيموونج - وهي عالمة أحياء جزيئية بجامعة ماهيدول في بانكوك - تتساءل هل من المحتمل أن يكون بعض الناس يحملون عددًا قليلًا للغاية من الطفيليات بدرجة لا تصيبهم بالمرض، أو لا تجعل المرض يظهر على شريط الاختبار التشخيصي السريع. ولاكتشاف ذلك، بحثت إيموونج عن الحمض النووي للطفيلي في قنينات الدم التي تم شحنها من كمبوديا، وميانمار، وفيتنام، وذلك باستخدام طريقة تتسم بالدقة، تسمَّى تفاعل البوليميراز المتسلسل اللحظي (PCR). وفي عام 2015، أفادت7 إيموونج بأنه ، في المتوسط، لم يُكتشف سوي ربع عدد حالات الإصابة بالمتصورة المنجلية، عن طريق الاختبار التشخيصي السريع التقليدي. وكان التفاوت في إحصاءات عدد الحالات المصابة كبيرًا في بعض الأحيان، فتقول إيموونج: "لقد فوجئت حقًّا، ففي قرية واحدةٍ بلغ عدد الحالات المصابة بالمرض وفق الاختبارات التشخيصية السريعة 4%، أو 5% فقط من عدد السكان، في حين أن 68% من السكان كانوا مصابين بالعدوى".

لم يكتشف الباحثون حتى الآن كيف أو لماذا يمكن للطفيليات أن تصمد عند مستويات منخفضة في مجرى الدم لدى الأشخاص. وأيًّا كان السبب، فهناك دلائل وعلامات8 على أن تلك الميكروبات الخفية تتكاثر عندما تكون الظروف مناسبة، مثلما يحدث عندما يبدأ موسم الأمطار.

شتان بين عِلْمنا بوجود حالات من العدوى الصامتة والعثور عليها فعليًا. فيقول المسؤولون في مجال الصحة إنه من غير العملي إجراء تحليلات تفاعل البوليميراز المتسلسل على قنينات الدم التي يتم جمْعها عبر منطقة ميكونج الكبرى دون الإقليمية. وبدلًا من ذلك، يحتاج العاملون في مجال الصحة إلى أداة، مثل الاختبار التشخيصي السريع الذي لا يتطلب تبريدًا، أو معدّات معملية، أو تدريبًا خاصًّا، لكنه يستطيع الكشف عن الطفيليات، حتى عندما لا تكون موجودة بكثرة.

في وسط ميانمار، يتولى فريق متجول من الأطباء، والباحثين، والفنيين تجريب إحدى تلك التقنيات. فيسلك ثورا هتاي - وهو طبيب شاب، وباحث في مجال الصحة العامة - بدراجته النارية مسارات متمعجة على الطرق الترابية الحمراء شديدة الوعورة، وهو يحمل حقيبة إمدادات بلاستيكية خضراء اللون، يمسك بها بين فخذيه. ويبدو مشغول البال وهو يشرف على مجموعته وهي تمارس مهمّتها في أخذ قطرات من الدم جُمعت عن طريق وخزات إبرية من 357 شخصًا في ثلاث قرى نائية بحلول نهاية اليوم. ففي تلك الجبال، تكون الأحداث الأكثر احتمالًا لأنْ تُجْهِض المهمة هي الفيضانات المفاجئة، وظهور الآثار الدالة على وجود الفيلة البرية (فعندما تفزع تلك الحيوانات من صوت الدراجات النارية؛ فإنها - في بعض الأحيان - تهاجم الأشخاص، والمنازل، والمَزارع).

اليوم، ما زال الطريق خاليًا من العقبات، وقد وصل الفريق إلى قرية شوى كيين قبل الظهر، حيث مكث بضع عشرات من الناس على رصيف خرساني، صُفَّت فوقه بعناية الطاولات، والكراسي، وزبديات من أوراق الشاي المخللة، والمكسرات المقلية، والحلويات؛ انتظارًا لزيارة الفريق. وعلى الرغم من أنه لم يتم تشخيص أحد في القرية بإصابته بالملاريا خلال العام 2018، يقول ثورا هتاي: "أريد أن أعرف ما إذا كانت الملاريا عديمة الأعراض موجودة هنا، أم غير موجودة".

تمدّ معلمةٌ - ترتدي لباسًا علويًّا مرصعًا بحجر الراين - إصبعها إلى أحد أعضاء الفريق. فيخزّ الرجل إصبعها، ويضع قطرة من دمها على شريط اختبار تشخيصي تقليدي، ثم على نسخة اختبار تجريبية، يقوم الفريق بتقييمها؛ لاكتشاف ما إذا كانت أكثر دقة، أم لا، ثم يخزّ عضو الفريق إصبعًا آخر من أصابعها، ويضغط به على نوعين من أوراق الترشيح، يهدف أولهما إلى رصد الحمض النووي، والآخَر إلى رصد البروتينات. ويعلِّق الفريق الورقتين سريعًا على حبل غسيل؛ لكي تجفّا.

تقول المعلمة كين زار لوين إنها سعيدة بمساعدتها للعلماء على التعرف على قريتها، لكن التركيز على الملاريا من قِبَل تلك المجموعة وغيرها يبدو وكأنه ضرب من المبالَغة؛ فهناك قلة من الناس هنا تصاب بالمرض، كما أن هناك مخاوف صحية أخرى مُلِحّة. على سبيل المثال، تجد النساء الحوامل والمسنّون الذين يحتاجون إلى رعاية عاجلة أن عليهم السفر لعدة ساعات، سيرًا على الاقدام، ثم على قارب إلى الجنوب من نهر مضطرب، للوصول إلى أقرب مستشفى في بلدة سينجو.

وفي وقت متأخر من بعد ظهر اليوم، يقوم أعضاء الفريق بجمع الاختبارات وبقع الدم في مُبَرِّدات، يُثَبِّتونها في مؤخرة دراجاتهم النارية، ويعودون بها إلى مبنى خرساني في سينجو، حيث يعلِّقون الأوراق في خزانتين مُبَرَّدَتَين، ومعزولتين؛ لحماية العينات من الفطريات والذباب. وينام ثورا هتاي على سرير بجانب تلك الأشياء؛ لضمان سلامتها.

يشحن الفريق العينات كل بضعة أسابيع إلى مختبر مُحدَّث في إدارة البحوث الطبية التابعة للحكومة في يانجون. وهناك، يقارن الباحثون نتائج الاختبارين التشخيصيين السريعين بنتائج تحليل تفاعل البوليميراز المتسلسل لبقع الدم التي تُجمع على واحدة من أوراق الترشيح.

بحلول نهاية العام 2018، من المتوقع أن يعرف ثورا هتاي، ورئيسته مياينج نيونت، ما إذا كان بالإمكان استخدام الاختبارات التشخيصية الجديدة لوضع خريطة بالمناطق التي تَحْدُث فيها الإصابة بالملاريا، سواء المُصاحَبة بأعراض، أَم عديمة الأعراض. وستساعد خرائط تلك «البؤر الساخنة» المسؤولين على اتخاذ قرار بشأن استراتيجيات إبادة المرض للمناطق المختلفة، ولكنْ يبقي السؤال عن كيفية التعامل مع المجتمعات الموبوءة بالطفيليات الخفية قائمًا. وتأتي إحدى الإجابات المحتملة من شرق ميانمار.

قبل بضع سنوات، رسم الباحثون خرائط لبؤر الملاريا في كارين، وهي ولاية تقع على طول حدود ميانمار مع تايلاند، قاومت السيطرة الحكومية منذ أن نالت البلاد استقلالها عن بريطانيا قبل سبعة عقود. و(من الرموز المعبرة عن تلك المقاومة رفضها الاسم الرسمي للولاية "كايين"). وقد جعل الصراع العديد من سكان الولاية لا يثقون بالغرباء، لكنْ عندما زارت لادا كاجيتشيوا  من «وحدة ماهيدول أكسفورد لأبحاث طب المناطق الاستوائية» العام الماضي إحدى البؤر الساخنة، استقبلها رجل عجوز في قرية "تا أُو تا" بحرارة.

يتذكر هذا الرجل العجوز، ويدعى بو لاي، الخسائر الفادحة في الأرواح بفعل الملاريا خلال أحلك الأيام التي مر بها هذا المجتمع. هاجمت القوات البورمية والجماعات المسلحة قرية "تا أُو تا" عدة مرات، على حد قوله، وأحرقتها تمامًا، مرة واحدة على الأقل. كانت كل موجة من موجات العنف تقود الناس نحو الجبال، حيث اضطروا إلى النوم بين الثعابين، والعلقات. والأشخاص الذين أصابتهم الملاريا إصابة حادة قطعوا رحلات طويلة عبر الغابات، وعبروا نهر مويي إلى عيادات اللاجئين على طول الحدود التايلاندية في ماي سوت. في ذلك، يضيف بو لاي: "في بعض الأحيان كان هؤلاء يلقون حتفهم على طول الطريق".

غمر بو لاي شعور بالسعادة عندما سمع بخطة »وحدة ماهيدول أكسفورد لأبحاث طب المناطق الاستوائية« للقضاء على الملاريا، وتناقش بصددها مع جيرانه، مما خفف من شكوكهم تجاه الغرباء الذين يطلبون جمع عينات من الدم، ويمنحونهم الأدوية. تضمنت الخطة المذكورة السيطرة على الملاريا، ومن ثم تسريع الخطى للقضاء عليها، وإبادتها. وابتداء من عام 2014، عززت «وحدة ماهيدول أكسفورد لأبحاث طب المناطق الاستوائية» وغيرها من المنظمات المحلية الأخرى شبكة تضم 1222 عاملًا قرويًّا بمجال مكافحة الملاريا، وذلك بتدريبهم، ودفع رواتب لهم؛ لعلاج أي حالات ملاريا يعثرون عليها، والإبلاغ عنها. وإضافة إلى ذلك، اضطلعت تلك الجهات بتحليل عينات من الدم في جميع أنحاء الولاية باستخدام تفاعل البوليميراز المتسلسل؛ للعثور على بؤر الملاريا؛ ثم طلبت من جميع الأشخاص غير المصابين بالمرض في مراتعه - ويمثل عددهم حوالي 4٪ من سكان كارين - تناوُل العلاجات المركبة القائمة على مادة الأرتيميسينين مرة واحدة في الشهر لمدة ثلاثة أشهر9 ووجد الباحثون في الدراسات الاستقصائية التي أُجريت بعد التدخل أن الإصابة بالملاريا قد انخفضت في الولاية بنسبة 90%. وظل المعقل الوحيد للمرض هو منطقة وعرة في الشمال، حيث نادرًا ما تقبل الجماعات الانفصالية المسلحة أيّ تدخلات خارجية.

إنّ "لدينا أدلة دامغة على أن القضاء على المرض يمكن تحقيقه"، حسبما يقول فرانسوا نوستين، وهو باحث فرنسي، أسس في عام 1986 المنشأة الخاصة بـ»وحدة ماهيدول أكسفورد لأبحاث طب المناطق الاستوائية« في ماي سوت، والمعروفة باسم وحدة شوكلو لبحوث الملاريا، لكن ما خيب أمله أن حكومات المنطقة قد قامت بتجميد استراتيجيات توزيع الأدوية على نطاق جماهيري لعدة أسباب.

الغابات على طول نهر ميكونج وروافده توفِّر بيئة خصبة لتكاثر البعوض الناقل للملاريا.

الغابات على طول نهر ميكونج وروافده توفِّر بيئة خصبة لتكاثر البعوض الناقل للملاريا.

ADAM DEAN FOR NATURE

على سبيل المثال، يُستلزم الكثير من الجهد لإقناع الأشخاص الذين لا يشعرون بالمرض بتناول الأدوية التي يمكن أن تسبب لهم شعورًا بالإرهاق والغثيان، كما تُستلزم تمويلات لدفع رواتب العاملين بمجال الصحة، وتنظيمهم؛ بهدف إجراء دراسات استقصائية على السكان؛ بحثًا عن الطفيلي وتوزيع الأدوية. فإذا لم يُكمل عدد كبير من الأشخاص دورة كاملة من العلاج، تظل مكامن الطفيليات باقية، ويخشى بعض الباحثين من إمكانية أن يعزز هذا الوضع من مقاومة الطفيل للأدوية.

تظل حالة الخلو التقريبي من المرض في ولاية كارين موضع شك، ما دامت الملاريا موجودة في المنطقة الأوسع. ويعتمد دفاع الولاية ضد الحالات الواردة من خارجها على استمرار المعونة الدولية، لأنه لا توجد منظومة صحية مستقرة في كارين. ففي الوقت الراهن، يوفر صندوق «وِيلْكَم تراسْت» Wellcome Trust، والصندوق العالمي، و«مؤسسة بيل وميليندا جيتس» الأموال للعاملين في مجال مكافحة الملاريا؛ والتي تضمن معالجة أية حالات تظهر في الولاية، قبل أن تتاح للطفيليات الفرصة للانتشار، لكن إذا ما رصد المانحون أموالهم لغايات أخرى، أو إذا اندلع القتال من جديد في كارين، كما حدث في الماضي، فإن المنظومة الصحية سوف تتداعى، وسوف تعود الملاريا للظهور مجددًا. وتقول كاجيتشيوا: "قد تنسحب المنظمات غير الحكومية؛ فالوضع السياسي غير مستقر"، وتضيف قائلًة: "إننا نعمل يومًا بيوم، وعامًا بعام، مِن دون ضمانات بشأن ما سيحدث غدًا".

توجد حالة مشابِهة لذلك الوضع الهش في ولايات أخرى على طول حدود ميانمار، مثل ولاية كاشين في الشمال، وراخين في الغرب، وهي الولاية التي تشهد أزمة «الروهينجا» الجارية. فمنذ أغسطس عام 2017، فر أكثر من نصف مليون شخص ينتمون إلى مجموعة مسلمي الروهينجا العرقية من عمليات القتل والإحراق والاغتصاب على أيدي قوات ميانمار، وجماعات البوذيين القومية. وفي تلك المناطق من البلاد، تتولى منظمات الإغاثة والعيادات الخاصة علاج الملاريا، لأن منظومة الصحة العامة تعاني من التصدع. تجد هذه المشكلة صدى لدى ساو ناي هتو، مدير برنامج الجمعية الطبية البورمية، وهي منظمة غير ربحية، تساعد الأقليات العرقية. وقد أضاف في مكتبه في ماي سوت، حيث تتغلغل كَرْوم العنب عبر سقف المكتب المغطى بألواح خشبية: "نريد القضاء على الملاريا، لكننا بحاجة إلى السلام أولًا".

الشوط الأخير

تعتقد مياينج نيونت أن الملاريا هي العدو المشترك، الذي يمكن أن يساعد في توحيد الفصائل المتحاربة. تمثل نيونت دليلًا على ذلك الأمل؛ فهي منشقّة سياسية، فَرّت من الحكومة العسكرية لميانمار عام 1988، وتعمل حاليًا مع الباحثين الحكوميين هناك. ومن حيز ضيق بالمقعد الخلفي لسيارة «جيب»، تجلس نيونت بجانب زاو لين، وهو مسؤول رسمي في إدارة ميانمار لمكافحة الأمراض المحمولة بالنواقل، ومقرها ناي بيي تاو، وتشرح الأسباب التي جعلتها تقرِّر الانضمام إلى شراكة مع باحثين يشكلون جزءًا من حكومة اتُّهمت بانتهاك حقوق الإنسان. ونظرًا إلى عدم وجود حل سريع للملاريا، بمعنى لقاح فعال، تتطلب المعركة ضد المرض نظامًا صحيًّا مستديمًا. وبوصفها من العلماء، تقول نيونت إن بإمكانها تطوير منهجيات وأدوات فائقة الجودة؛ للقضاء على الملاريا، لكن ذلك كله لن تكون له أهمية، إذا لم تضعه الحكومات موضع التنفيذ.

بُقَع الدم التي جُمعت في ميانمار سوف تُستخدَم للتحقق من مصداقية الاختبارات التشخيصية، التي تكشف عن طفيل الملاريا بدقة أكبر من التكنولوجيا الراهنة.

بُقَع الدم التي جُمعت في ميانمار سوف تُستخدَم للتحقق من مصداقية الاختبارات التشخيصية، التي تكشف عن طفيل الملاريا بدقة أكبر من التكنولوجيا الراهنة.

AMY MAXMEN

تقول نيونت التي تتسم دومًا بالصراحة إن قرار العمل عن كثب مع الحكومة جعل عملها البحثي بطيئًا وصعبًا. فهناك اجتماعات بيروقراطية، ينبغي عليها حضورها، ومختبرات مطلوب بناؤها من الصفر، وطلاب بحاجة إلى إرشاد ورواتب على المدى الطويل. في ذلك الصدد تقول نيونت: "إننا نتحدث عن منظومة صحية ظلت تعاني من نقص في التمويل، وترزح تحت وطأة التخلف منذ ستينيات القرن الماضي، وهذا لن يتغير بين عشية وضحاها"، وتضيف: "لكنْ علينا السير في هذه المسألة على هذا النحو، لأن التغيير لا بد أن يأتي من الداخل".

إذا نجحت وسيلة التشخيص الجديدة التي تقوم نيونت وثورا هتاي باختبارها عمليًّا في الوقت الراهن في وسط ميانمار، فإن زاو لين سوف يساعد الحكومة على أن تقرِّر ما إذا كانت ستقوم بتوزيع العلاجات المركبة القائمة على مادة الأرتيميسينين في البؤر الساخنة على نحو استباقي - كما حدث في كارين - أم ستُجْرِي فحوصًا روتينية على الأشخاص في تلك الأماكن باستخدام الاختبار الجديد، وتعالج أولئك الذين تثبت إصابتهم بالمرض. ولا يخشى زاو لين من الحديث عن الصراعات في البلاد. فإضافة إلى حالة عدم الاستقرار السياسي، يجد زاو لين وغيره من مسؤولي الصحة العامة أنفسهم يمارسون الضغوط؛ للحفاظ على الحماس لمهمّتهم وسط مخاوف صحية أخرى، لكنه رأى على الطبيعة كيف تعاود الملاريا الانقضاض، إذا لم يتم القضاء عليها، ومَحْوها تمامًا. فقد عاودت الظهور في ميانمار في تسعينيات القرن الماضي، تمامًا مثلما يحدث حاليًّا في كمبوديا، وعدة بلدان أخرى، على ما يبدو.

إنّ فقدان المهمة لزخمها في منطقة ميكونج، التي تمثل موطنًا لمقاوَمة الأدوية، قد يصبح بمثابة كارثة. ويقول زاو لين: "هذا هو الشوط الأخير من التحدي الذي نواجهه". ويضيف: "إذا لم ننجح في القضاء على الملاريا، فإنّ أعداد الوفيات قد تتزايد فجأة، كما لو كان ذلك بتأـثير قنبلة خفية ".

References

  1. von Seidlein, L. & Dondorp, A. Expert Rev. Anti Infect. Ther. 13, 715–730 (2015).|
  2. Noedl, H., Se, Y., Socheat, D. & Fukuda, M. M. N. Engl. J. Med. 359, 2619–2620 (2008). | article
  3. Ariey, F. et al. Nature 505, 50–55 (2014). | article
  4. Imwong, M. et al. Lancet Infect. Dis. 17, 491–497 (2017). | article
  5. Imwong, M., Hien, T. T., Thuy-Nhien, N. T., Dondorp, A. M. & White, N. J. Lancet Infect. Dis. 17, 1022–1023 (2017). | article
  6. Rossi, G., De Smet, M., Khim, N., Kindermans, J.-M. & Menard, D. Lancet Infect. Dis. 17, 1233 (2017). | article
  7. Imwong, M. et al. Malar. J. 14, 381 (2015). | article
  8. Nguyen, T.-N. et al. Lancet Infect. Dis. 18, 565–572 (2018). | article
  9. Landier, J. et al. Lancet 391, 1916–1926 (2018). | article

إيمي ماكسمن تكتب لدورية "Nature" من سان فرنسيسكو بولاية كاليفورنيا.