رؤية كونية

إصلاح نظامنا الغذائي من خلال مقاييس أكثر ذكاءً

يقول بافان سوكديف: ’’دعونا لا نتوقف كثيرًا عند زيادة غلّات المحاصيل، ونركز أكثر على تحسين المستوى المعيشي‘‘، وذلك في ظل الكشف عن أساليب تقييم أكثر شمولًا.

بافان سوكديف
  • Published online:
بافان سوكديف

بافان سوكديف

إنّ الأنظمة الغذائية في يومنا هذا باتت مختلة، وأنظمتنا الغذائية أصبحت المسبب الرئيسي للأمراض. ولا يزال حوالي 800 مليون شخص حول العالم يعانون الجوع، في حين أن هناك ما يزيد على ملياري شخص يعانون زيادة الوزن أو السمنة. ويأتي ما يصل إلى 57% من انبعاثات غازات الدفيئة حول العالم من أنشطة متعلقة بالأغذية، ويشمل ذلك جميع هذه الأنشطة، بدءًا من تطهير الأرض لأغراض الزراعة، ثم الزراعة نفسها، وجمع الثمار، والتصنيع، والتعبئة، وصولًا إلى نقل السلع الزراعية، والتخلص من المخلفات.

دائمًا ما يدهشني عدم ملاءمة المقاييس التي نستخدمها لتقييم تلك الأنظمة. وأكثر المقاييس شيوعًا هو مقياس "الإنتاجية لكل هكتار". إن هذا القياس لغلة أو قيمة محصول معين بالنسبة إلى مساحة الأرض المنزرعة بهذا المحصول يُعتبر قياسًا ذا منظور ضيق للغاية. نحتاج إلى بدائل، تضع في الحسبان المنظومة المعقدة ذات التأثيرات المتداخلة، من الأراضي الزراعية، والمراعي، ومصائد الأسماك الداخلية، والأنظمة الإيكولوجية الطبيعية، والأيدي العاملة، والبِنْية التحتية، والتكنولوجيا، والسياسات، والأسواق، والتقاليد التي ترتبط بزراعة الأغذية، وتصنيعها، وتوزيعها، واستهلاكها.

لقد رأينا الفوائد التي تجلبها المقاييس الأكثر شمولًا في مجالات أخرى. إن خبراء الصحة يعون أن عليهم تبني منظور غير قاصر على أعداد السعرات الحرارية؛ لفهم ما تعنيه التغذية. وصانعو السياسات صاروا أقل استعدادًا لقبول الناتج المحلي الإجمالي، كمؤشر على رفاهية بلد من البلدان، وبدأوا في صرف أنظارهم إلى مقاييس أشمل لمدى التقدم. وينظر بعض قادة القطاع الخاص فيما هو أبعد من الأرباح والخسائر، وباتوا يُقيّمون تأثيرات أعمالهم على رأس المال الطبيعي، والبشري، والاجتماعي.

وأخيرًا، بعد أربعة أعوام من العمل الذي قام به أكثر من 150 شخصًا (كنت أنا واحدًا منهم)، أصبح لدينا إطار عمل ومنهجيات، من أجل الوصول إلى مقاييس غذائية أكثر شمولًا. وتُوّجت هذه الجهود بتقرير أصدره برنامج الأمم المتحدة للبيئة في الأسبوع الأول من يونيو عام 2018، تحت عنوان "اقتصاديات الأنظمة الإيكولوجية والتنوع الحيوي للزراعة والغذاء "يُعرف اختصارًا باسم" TEEBAgriFood". ويشرح التقرير كيفية فهم الطبيعة المعقدة للأنظمة الغذائية من منظور أوسع. وإذا ساعد هذا العمل في تحويل حتى ولو جزء من الجهد الفكري والإرادة السياسية من التركيز على تحقيق أعلى قدر من الغلة إلى التركيز على تحقيق أعلى قدر من المنافع الأشمل، فإن ذلك من شأنه أن يسفر عن أشخاص ومجتمعات وأنظمة إيكولوجية أكثر عافيةً.

يضع التقرير نهجًا للتقييم، يأخذ في الحسبان تأثيرات النظام الغذائي في المستوى المعيشي، والمساواة، والأمن الغذائي، والصحة، وانبعاثات غازات الدفيئة، وجودة الماء، والتنوع الحيوي. ويمكن لهذا النهج أن يكشف عن تأثيرات خفية، باستخدام تقييمات تأخذ في اعتبارها فقط قطاعَي الإنتاج والتسويق في سلاسل القيمة الغذائية. وإنّ الرؤى التي اكتسبناها يمكنها أن تدعم التوصل إلى عملية صنع قرار، تتسم بكفاءة أعلى في أوساط صانعي السياسات، والمزارعين، وشركات الأعمال الزراعية، والمجتمع المدني.

على سبيل المثال، استخدَمَتْ دراسةٌ أُجريت في نيوزيلندا (H. S. Sandhu et al. Ecol. Econ. 64, 835–848; 2008) إطار عمل أوسع؛ للمقارنة بين الزراعة التقليدية، والزراعة العضوية؛ فتوصلَتْ إلى أن فوائد النظام الإيكولوجي المهمة، التي لا يتم التسويق لها، تنطوي على قيمة أعلى بكثير في قطاع الزراعة العضوية. إذ درَس الباحثون الفوائد التي تعود من 15 حقلًا للزراعة التقليدية، و 14 حقلًا للزراعة العضوية، تُستخدم في زراعة محاصيل معينة، مثل الجزر، والبازلاء، والقمح. وشملت هذه الفوائد اثنين من فوائد النظام الإيكولوجي ’’التموينية‘‘، هما: (الغذاء والمواد الخام)، إلى جانب تسع فوائد ’’تنظيمية وداعمة‘‘، كالتلقيح الزراعي، ومكافحة الآفات الحيوية، وتدوير المُغذِّيات. وتبين أن ممارسات الزراعة العضوية، كالتسميد العضوي، والإبقاء على غطاء نباتي، تنتج عنها كتلة حيوية أكبر، وتنوع أعلى تحت الأرض وفوقها. أما الزراعة التقليدية، فتثبط هذين الجانبين، وتضعف صحة التربة، والتنوع الحيوي في المزارع، وجودة الماء والهواء. وتوصلت الدراسة إلى أن القيمة الاقتصادية الكلية لفوائد النظام الإيكولوجي الناتجة عن حقول الزراعة العضوية، تراوحت بين 1610، و19420 دولارًا أمريكيًّا لكل هكتار في السنة، في حين تراوحت القيمة الاقتصادية الكلية للفوائد الناتجة عن المزارع التقليدية بين 1270، و14570 دولارًا أمريكيًّا لكل هكتار في السنة.

قامت هذه الدراسة بتوظيف إطار العمل الخاص بتقرير ’’اقتصاديات الأنظمة الإيكولوجية والتنوع الحيوي للزراعة والغذاء‘‘ بشكل جزئي فقط، لأنها غطت الإنتاج فحسب. ولدراسة مفاضلات وتأثيرات أخرى، ينبغي على الباحثين أيضًا عقد مقارنة فيما بين النظامين الزراعيين من حيث معقولية تكلفة الغذاء، وكذلك التأثيرات الخاصة بالتغذية، والصحة البشرية، والمساواة الاجتماعية.

وهناك مثال آخر يتعلق بسياسات المبيدات. ففي أواخر ثمانينات القرن الماضي، بدأت تايلاند في التشجيع على استخدام المبيدات؛ من أجل زيادة الغلّات الزراعية، لكن في عام 2010، بدأت المكاسب الإنتاجية في الانخفاض، وأصبح صانعو السياسات أكثر وعيًا بالتأثيرات الضارة للمبيدات على البيئة والصحة. ودرس الباحثون تأثيرات زيادة الضرائب الموجَّهة لأغراض جعْل المبيدات أكثر كلفة، وكذلك تأثيرات تشجيع المزارعين على تبنِّي أنماط غير كيماوية لمكافحة الآفات (S. Praneetvatakul et al. Environ. Sci. Policy 27, 103–113; 2013). وأخذ الباحثون أيضًا في اعتبارهم تكاليف فرض تطبيق معايير متعلقة بسلامة الأغذية؛ كما درسوا مخاطر التعرض للعوامل الكيميائية. واتضح أن هذه المخاطر كانت أعلى لعمال المزارع، منها للمستهلكين، من ثم دفع الباحثون بضرورة زيادة الضرائب البيئية. وحاجج الباحثون بأن هذه الإجراءات – إذا جاءت مقترنة بالدعم اللازم لتشجيع التحوُّل إلى ممارسات زراعية جديدة – قد تؤدي إلى تحقيق أكبر المكاسب بشكل أكثر فاعلية. ولم يكن من الممكن أن تساعد التدابير التقليدية الخاصة بالإنتاجية على تقييم مثل هذه التأثيرات الدقيقة.

نحن في حاجة إلى المزيد من الدراسات؛ لإظهار الطريقة التي يؤدي بها أخذ التأثيرات الأوسع في الحسبان إلى نتائج تختلف عن تلك التي ترتكز ببساطة على الأسعار السوقية للمنتجات. وهناك عدة تجارب في ذلك الصدد يتم التخطيط لها، أو يجري تنفيذها، وأنا أشجع أن يقوم المزيد من الباحثين باختبار التقييمات كأداة في الدراسات التي تتناول الزراعة، والمنتجات الغذائية، وسيناريوهات السياسات، وأيضًا في المقارنات المتعلقة بالأنظمة الغذائية. وإذا استطعنا الإبقاء على قوة الضغط المبنية على الأدلة لخمس سنوات فقط، فإنني أتوقع أن نبدأ في رؤية تغييرات كبيرة في طريقة تحديد وزارات الزراعة، والصحة، والبيئة حول العالم للسياسات، والحوافز، والإعانات، والضرائب.

وإذا قمنا بتشخيص النظام الغذائي بطريقة صادقة، فعند ذلك فقط سنتمكن من إصلاحه.

 

بافان سوكديف مؤسس شركة «جي آي إس تي آدفايزوري» GIST Advisory، ومديرها التنفيذي، وهي شركة لاستشارات الاستدامة، مقرها مدينة مومباي بالهند.

البريد الإلكتروني: pavan@gistadvisory.com