موجزات مهنية

تواصُل: الحياة في المدونات القديمة ما زالت مستمرة

يقول باحثون إن التدوين ما زال الوسيلة المثلى لتوصيل العلوم إلى جمهور عريض من القراء.

إيرين براون، وكريس وولستون

  • Published online:

ILLUSTRATIONS ADAPTED FROM GETTY

تزاحمت أفكار كثيرة في عقل أليسون ماكدونالد مؤخرًا، حيث أطالت التفكير في الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الطُلاب أثناء مناقشة أطروحاتهم، وفي تحديد أنواع الحشرات التي غزت مكتبها، علاوة على التأمل في أبرز محاور حبكة المسلسل التليفزيوني "ستار تريك: ديسكفري"Star trek: Discovery . وبدلًا من الاحتفاظ بهذه الأفكار لنفسها، نشرت ماكدونالد - عالمة بيولوجيا الخلايا في جامعة ويلفريد لورييه في ووترلو، كندا - تلك الأفكار على مدونتها (DoctorAI ).

ظهرت المدونات العلمية منذ أوائل الألفية الثالثة. وخلال السنوات الأخيرة، هددت منصة تويتر "للتدوين المُصغر" وغيرها من قنوات التواصل الاجتماعي، التي تتطلب وقتًا أقل لمتابعتها والاهتمام بها مقارنةً بالمدونة الكاملة، بانقراض المدونات القديمة، لكنْ ما زال هناك بعض العلماء الذين يواصلون التدوين حتى الآن، وما زالت المدونات تؤدي دورًا محوريًّا في إشعال جذوة التعاون، ونشر المعلومات المهمة، ودعم المجتمعات العلمية.

يقول ستيفن هيرد، عالِم في مجال علم البيئة التطوري في جامعة نيو برونزويك في كندا، وصاحب مدونة (Scientist Sees Squirrel (tagline: Seldom original. Often wrong. Occasionally: "إن التدوين ليس مفضلًا للجميع، لكن من الضروري معرفة أنه أحد الطرق المختلفة التي يخاطب بها العلماء بعضهم بعضًا".

لقد أعادت الدراسات التي تتناول مدى انتشار التدوين العلمي وأثره تركيزَ الاهتمام على تلك الجهود. وفي بحث غير منشور، أجرى باحثون في معهد كارلسروه للتكنولوجيا في ألمانيا دراسة حول وسائل التواصل الاجتماعي، وأنشطة التواصل العلمي التي يستخدمها 865 عالمًا ممن وُلدوا في عام 1981، أو بعده. وكان من بين المشاركين في الدراسة علماء في الرياضيات، والكيمياء، والفسيولوجيا، والفيزياء. وبشكل عام، وُجِدَ أن 15% منهم أنشأوا مدونة، غير أن قليلًا منهم حرصوا على تحديثها بانتظام. يقول الباحث الرئيس كارستن كونيكر، الباحث في مجال تبسيط العلوم، الذي دَرَّبَ مئات العلماء الشباب في محاضرات عامة: "كُنت أعلم تمام العلم أن مدونات العلوم ليست شائعة في ألمانيا. فالتدوين مجرد شكل رقميّ واحد لتبسيط العلوم. والعلماء الذين لا يستفيدون من أي من تلك الأشكال تفوتهم فرص عظيمة".

وكشفت الدراسة عن بعض التوجهات القوية تجاه المدونات وغيرها من أشكال نشر العلوم. وأفاد ثُلثا المشاركين تقريبًا في الدراسة بأن ضيق الوقت يمثل "عقبة كبيرة" أمام أي لون من ألوان تبسيط العلوم.

وفي الوقت ذاته، اتفق حوالي 70% من المشاركين على أن تبسيط العلوم ونشرها قد يسهم في الارتقاء بالمسار المهني للباحث، وقال 90% منهم إن نشر العلوم قد يساعد على استقطاب المزيد من العقول اللامعة في مجال العلوم.

كانت ماكدونالد تفكر في الباحثين الشباب عندما أنشأت مدونتها عام 2013. وتسعى إلى تقديم المعلومات التي قد تساعدهم على الإبحار بمهارة في مجالاتهم المهنية الشاقة، من خلال الكتابة حوالي ثلاث مرات أسبوعيًّا، . تقول ماكدونالد، تعليقًا على ذلك: "ليست جميع تدويناتي حافلة بالأفكار العميقة الألمعية، لكن غايتي الأسمى هي إزالة الغموض، وتذليل العقبات، وتمهيد الطريق لكل مَن لا يعلم أن هناك طريقًا يمكن أن يسلكه أصلًا".

ويعقد هيرد - شأنه شأن ماكدونالد - الآمال على توعية العلماء الأصغر سنًّا، وتشجيعهم عبر مدونته، لكنه يرى أيضًا الفوائد الجمة التي تتركها المدونة على مساره المهني، إذ يقول: "ليس لديَّ أي دليل على أن التدوين يجعل الحصول على المِنَح الدراسية أو نشر الأبحاث أسهل بأي حال من الأحوال. إخفاقاتي الآن لا تختلف عن إخفاقاتي السابقة، ولكنْ أصبح لديَّ شبكة من المعارف الذين يقرأون تدويناتي، ويعلِّقون عليها. وهناك مشروع بحثي الآن على شاشة حاسوبي، بدأ على هيئة تدوينة".

ADAPTED FROM GETTY

ويُقَدِّر هيرد الوقت الذي يقضيه في العمل على مدونته بمتوسط ثلاث إلى أربع ساعات أسبوعيًّا، غير أنه يعترف بأن بعض التدوينات يستغرق وقتًا أطول من البعض الآخر. يقول هيرد: "ذات مرة، أمضيت ثمانيَ ساعات لكتابة تدوينة واحدة فقط". ومع ذلك.. فهو يجد طرقًا ليفسح مجالًا للتدوين في جدول أعماله، ويضيف قائلًا: "أحاول أن أدوِّن في أوقات الإنتاجية المنخفضة؛ كأن أكون في صالة انتظار في المطار، أو منتظرًا بدء اجتماع ما، على سبيل المثال".

إن هذا الاستثمار بالنسبة إلى هيرد وآخرين يستحق العناء. ففي بحث نُشر في أكتوبر 2017 في دورية رويال سوسايتي أوبن ساينس "، (M. E. Saunders et al. R. Soc. Open Sci. 4, 170957; 2017) ، حلل هو وسبعة باحثين آخرين من المدونين أثر مدونات "المجتمع العلمي" الخاصة بهم، والمواقع التي تستهدف الباحثين، وينصَبّ تركيزها على ثقافة ممارسة العلوم والأعمال المتعلقة بها. وحصلت المدونة الأكثر مُطالعة ضمن العينة (وتُعرف باسم Dynamic Ecology)، على متوسط عدد مشاهدات بلغ 40 ألف مشاهدة شهريًّا، بينما حصلت مدونة Scientist Sees Squirrel على حوالي 10 آلاف مشاهدة. ويستحيل تقدير بعض أهم آثار تلك المدونات أيضًا. وقد ذكر البحث أن هناك أشخاصًا غرباء تمامًا توجهوا لشكر هيرد شخصيًّا، وأعربوا له عن امتنانهم لتدوينةٍ تقدم نصائح للانطوائيين الذين يحاولون التكيف مع الحشود في المؤتمرات.

ووفقًا لبيج براون جارو، المختصة في تبسيط العلوم في جامعة ولاية لويزيانا في باتون روج، التي تكتب في مدونة "From the Lab Bench"، فإنّ أي دراسة تتناول نطاق التدوين وأثره ستترك بعض الأسئلة مُعلقة بلا جواب. وتضيف قائلة: "عادة ما يكون من الصعب تعريف المدونات، خاصة أن النظام البيئي لمحتوى مواقع التواصل الاجتماعي العلمية على الإنترنت يشهد توسعًا مستمرًا، ويزداد اندماج المنصات المختلفة مع بعضها البعض".

ومع ذلك.. فمن الواضح أن للمدونات نطاقًا محددًا. ففي دراسة أُجريت في عام 2017، شاركت جارو في إعدادها لصالح دورية الصحافة والإعلام الربع سنوية (Journalism and Mass Communication Quarterly)، ذكر  40 من أصل 43 مدونًا للعلوم، تم اختيارهم على نحو عشوائي، أنهم حصلوا على أكثر من 1000 مشاهدة في غضون أيام قليلة من نشر تدوينة عادية (P. B. Jarreau and L. Porter Journal. Mass Commun. Q. http://doi. org/cjvj; 2017). وغالبًا ما كانت تلك المشاهدات تنشأ من زيارات الزملاء الحاليين، أو زُملاء مُرتقَبين. كما ذكر أكثر من 40% من قُراء المدونات المشاركين في الدراسة أنهم كانوا بالفعل يشتغلون بالعلم، بينما قال 16% آخرون إنهم كانوا مهتمين بفكرة الاشتغال بالعِلم.

أما مارك روبنسون-ريشافي، الباحث في مجال تقنية معلومات الأحياء في جامعة لوزان، سويسرا، فقد كان أحد الدوافع التي شجعته على إنشاء مدونته هي رغبته في خلق مجتمع من المدونين، والقراء، الناطقين بالفرنسية (أغلب المحتوى العلمي الموجود على شبكة الإنترنت - بما في ذلك المدونات - بالإنجليزية). واليوم، ينشر روبنسون-ريشافي تدويناته على منصة "Café Des Sciences" باللغة الفرنسية، التي تستضيف عشرات المدونين من أوروبا، وأمريكا الشمالية، وأفريقيا.

ومن جانبه يُرجِع تيري ماكجلين - اختصاصي علم البيئة في جامعة ولاية كاليفورنيا، دومينجيز هيلز، في مدينة كارسون – الفضل لمدونته الشهيرة "Small Pond Science" لما شهده مساره المهني من تحولَ، بعد أن أذاعت صيته، وزادت من شهرته. لقد أرادت المؤسسة التي يعمل بها – وهي كلية تعليمية ليست مشهورة نوعًا ما بين الباحثين – مؤخرًا تعيينَ اختصاصي في علم البيئة. وقال بعض الذين تقدموا للوظيفة إن مدونة ماكجلين هي التي أخبرتهم بهذه الفرصة. يقول ماكجلين: "كانت هذه نقطة تحول للعاملين في القسم الذي أعمل به". لقد ساعدته مكانته في فضاء التدوين في مفاوضاته مع الجامعة، ومَنَحته الميزة التي كان بحاجة إليها؛ لمطالبة قسمه بالمزيد من الدعم.

بعد أن رأى ماكجلين الأثر الإيجابي للتدوين على مساره المهني، قرر أن يتيح الفرصة للآخرين؛ حيث دشّن في العام الماضي موقع "Rapid Ecology"، الذي ينشر تدوينات لأي عالم أو طالب في مجال العلوم من أي مكان في العالم يرغب في المشاركة. يقول ماكجلين: "هناك ثلاثة معايير فقط للتدوينات. يجب أن تكون وثيقة الصلة بالموضوع الجاري تناوله. وأن يكون لها ثقل علمي. وألا يكون صاحبها أحمقًا "، مشيرًا إلى أن 30 عالمًا تطوعوا بالفعل للمساعدة في إدارة الموقع، والإسهام بتدوينات بين الفينة والأخرى.

وسيتقيد المشاركون في موقع Rapid Ecology بنشر تدوينة واحدة فقط شهريًّا، مما يعني أن أي شخص يمكن أن يخوض مجال التدوين على سبيل التجربة، دون التزام كبير منه. يقول ماكجلين: "أود أن يتمكن الطلاب من كتابة تدوينات تحظى بمشاهدات لا تقل عما تتمتع به تدويناتي على مدونة Small Pond Science من شهرة".

مناقشة نهج جديد

يرى جيريمي كابلان، مدير التعليم في مركز تاو نايت للريادة الصحفية، التابع لكلية الدراسات العليا للصحافة في جامعة نيويورك، إن التغيرات التي شهدها الفضاء الإلكتروني – وخاصة ازدهار مواقع التواصل الاجتماعي – قللَتْ من أثر التدوين، ويقول كابلان إنه في ظل توافر الموجزات الإخبارية لموقع «تويتر»، أو موقع «فيسبوك»، "لا يود الناس متابعة 10، أو 20، أو 30 مدونة لعلماء مختلفين".

ويُعدُّ النشر على مواقع مثل Medium، وQuora، وReddit – وهي مواقع "اجتماعية"، يستطيع الباحثون أو أي مجموعة أخرى صغيرة استخدامها لنشر "تدوينات مُتسلسلة" أو حوارات حول موضوع واحد عليها – وسيلة للنشر، دون تجشم عناء الاهتمام بمدونة (انظر: "التدوين"). ويقول مدونون إن سد الحاجة المستمرة للمحتوى الجديد يتطلب انضباطًا كبيرًا. يقول كابلان: "إن الكُتَّاب يفقدون حماسهم، ويقررون تكليف شخص آخر بمهمة الاهتمام بأعمالهم".

يقول ستيفن هيرد، الاختصاصي في علم البيئة التطورية في جامعة نيو برونزويك، كندا، الذي يدير مدونته الخاصة "Scientist Sees Squirrel": إن التدوين قد يكون مهمة مُخيفة. ولهذا.. إليك بعض الإرشادات:

  • اختر خدمة استضافة المواقع المناسبة لك. يستخدم هيرد WordPress.com، غير أنه يقول إن هناك العديد من الخيارات الأخرى التي يسهل التعامل معها. وللتعرف على بعض مزايا وعيوب المنصات المختلفة، يُرجى مراجعة الرابط التالي: go.nature.com/2bvaccf.
  • تَفَاعَل مع المدونات الأخرى، قبل إطلاق مدونتك الخاصة. بالتعليق على التدوينات الأخرى، يمكن للمدونين المرتقبين تقديم أنفسهم في مجتمع التدوين. والتدوين الاستضافي على مدونة مرموقة وسيلة أخرى للظهور، حسب رأي هيرد.
  • حاوِلْ أن تجد سبلًا لزيادة عدد قرّائك، واحرص على تنويع عناوين تدويناتك، واستخدِمْ كلمات مفتاحية قوية، وعملية، ولافتة؛ وغَرِّد تدويناتك على موقع «تويتر»، أو انشرها على موقع «فيسبوك».
  • لا تشعر بالإحباط لقلة عدد المشاهدات في بداية الأمر، ولا تتوقع سيلًا من التعليقات. يقول هيرد: "هناك تعليقات كثيرة نراها حاليًّا على موقع «تويتر»، بدلًا من المدونة نفسها. إن بناء قاعدة جماهيرية يستغرق وقتًا، لكنه يحدث في نهاية المطاف". سي. دبليو

ووفقًا لوجهة نظر جارو، لا تحل منصات التواصل الاجتماعي محل التدوين؛ بل تُعززه، وتتيح للمدونين مكانًا لتطوير أفكارهم واختبارها؛ تلك الأفكار التي قد يدمجوها لاحقًا في منشورات أطول، وتوجيه القراء إلى المحتوى المُفَصَّل الذي يريدون. وتضيف جارو قائلة: "يزداد اكتشاف المدونات العلمية عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي".

المخاطر والمزايا

ينطوي التدوين على أخطار كامنة محتملة. أولًا: من المستبعد أن يصيب المرء ثراءً من وراء التدوين. يقول ماكجلين: "لا يستحق التدوين على الأرجح العناء لأغراض كسب المال، ما لم يكن لديك جمهور ضخم". فمدونة Small Pond Science التي شهدت ما يزيد على 570 ألف زيارة إجمالًا لا تستقبل إعلانات على صفحاتها، ولكنْ حتى لو فعلت، فإنها - كما قَدَّرَ ماكجلين - ستحقق أرباحًا تتراوح ما بين 10 آلاف و20 ألف دولار - لا غير - سنويًّا.

قد يعتقد الزملاء الأكاديميون أن التدوين مضيعة للوقت، أو مفسدة للمسار المهني. يقول ماكجلين: "يزعم البعض أن التدوين ومواقع التواصل الاجتماعي عوامل إلهاء تضر بالمرء في سوق العمل؛ لأنها دليل على عدم جديتك". عندما بدأ روبنسون-ريشافي التدوين في عام 2010، كان يوقِّع تدويناته بالأحرف الأولى فقط من اسمه، إذ لم يكن على يقين من ردّ فعل الناس، رغم أنه كان يشغل منصبًا أكاديميًّا بالفعل، ولم يكن يواجه مخاطر كثيرة. وهو يعتقد أن زملاءه لا يفهمون سبب لجوئه إلى التدوين، ولا يبالون بتدويناته. ومع ذلك.. يعتبر المسؤولون في جامعته مدونته منتدى مفيدًا لتوصيل الأفكار. ويضيف روبنسون-ريشافي قائلًا: "أعتقد أنه يروق لهم إنشائي لهذه المدونة".

كما يجدر التأمل في الخطر الكامن فيوضع المرء اسمه وصورته وأفكاره على شبكة الإنترنت. تقول ماكدونالد إن المدونين – وخاصةً النساء منهم – بحاجة إلى التفكير بعناية قبل أن ينشروا شيئًا، لأن الظهور الإلكتروني على شبكة الإنترنت قد يُعَرِّض المدونين لإساءات.

ورغم ذلك.. تُقْدِم ماكدونالد على تلك المخاطرة، وتسعد بالمشاركة في الحوارات الأوسع نطاقًا حول التعليم، وعلم الأحياء، ووضع النساء في الأوساط الأكاديمية، وبالطبع حول مسلسل "ستار تريك". وعندما تقدمت بطلب لشغل منصب أكاديمي، أشارت إلى مدونتها في استمارة طلب شغل الوظيفة. تقول ماكدونالد: "إن هذا جزء من عملي في التوعية، وجهود تعزيز التنوع في مجال العلوم". إن التدوين يسمح لها بنقل أبحاثها إلى العالم؛ وهو هدف تعتقد أنه في غاية الأهمية بالنسبة إلى العلماء.

يقول هيرد: "إننا نسمع طوال الوقت حول تراجع التدوين"، لكنه لا ينوي قط الكف عن التدوين، وسيواصل نشر آرائه حول فوائده ومزاياه. ويختتم حديثه قائلًا: "آمل أن يجد المترددون – هؤلاء الذين يعتقدون أن التدوين يناسبهم – في أنفسهم الدافع للإقدام على تجربته".

 

إيرين براون كاتبة ومحررة تعيش في لوس أنجيليس، كاليفورنيا.

وكريس وولستون كاتب حر، يعيش في مدينة بيلينجز، ولاية مونتانا.