أنباء وآراء

علم خواص المواد: خشب أقوى وأكثر كثافة

تزيد طريقة محسَّنة لضغط الخشب من قوته وصلابتة بدرجة كبيرة، وهو ما يفتح الباب أمام استخدامه في تطبيقات هندسية ممكنة، لا يقوى عليها الخشب الطبيعي.

بيتر فراتزل
  • Published online:

إنّ الخشب من أقدم المواد التي استخدمها البشر، وما زال يُستخدم في البناء على نحو شائع1. كما إنّ كثافته المنخفضة جعلته مفيدًا في تطبيقات في مجال النقل، مثل بناء السفن، لكن هذه الخاصية ترتبط بانخفاض نسبي في قوته وصلابته. لذلك، حاول الباحثون ابتكار عمليات، من شأنها زيادة كثافة الخشب؛ للحصول على مواد مناسبة للتطبيقات التي تتطلب متانة عالية، لكن نجاحهم في ذلك كان محدودًا. وفي بحث نُشر في دورية Nature، وصف سونج وزملاؤه2 طريقة لتكثيف الخشب، تجمع بين المعالجة الكيميائية والضغط في درجات حرارة مرتفعة، وتَنْتُج عنها زيادة غير مسبوقة في صلابة الخشب وقوته.

تبدأ طريقة الباحثين بمعالجة كتل الخشب بهيدروكسيد الصوديوم، وكبريتيت الصوديوم. وهي عملية كيميائية مماثلة للطريقة المستخدَمة في تحضير عجين الخشب؛ من أجل صنع الورق. هذه المعالجة الكيميائية تزيل جزئيًّا الليجنين والهيميسيلولوز (شكل 1). والليجنين هو بوليمر حيوي، يمتاز بالعديد من الوظائف في النباتات، مثل ضمان استقرار جدران الخلايا في الخشب، وإعاقة هجمات الطفيليات والبكتيريا على الخلايا الخشبية. أما الهيميسيلولوز، فهو بمثابة سلاسل سكرية تغطي ألياف السليلوز في جدران الخلايا وتربط بينها.

شكل 1 | عملية زيادة كثافة الخشب. يحتوي الخشب الطبيعي على مسامات مكوَّنة من بقايا خلايا أنبوبية متوازية، تحتوي جدرانها على سليلوز، جنبًا إلى جنب مع بوليمرات حيوية، يُطلَق عليها الليجنين والهيميسيلولوز. وقد أجرى سونج وزملاؤه2معالجة للخشب الطبيعي بخليط من هيدروكسيد الصوديوم، وكبريتيت الصوديوم؛ وهو ما أدى إلى إزالة الليجنين والهيميسيلولوز جزئيًّا، ثم ضغطوا الخشب عند حوالي 100 درجة مئوية؛ مما تَسبَّب في انهيار تلك الخلايا. وكانت المادة الناتجة أكثر كثافة من الخشب الطبيعي بمعدل ثلاثة أضعاف، وأكثر صلابة وقوة بمعدل 11 ضعفًا؛ وهو ما يفتح الباب أمام إمكانية الاستفادة منها في التطبيقات الهندسية التي تتطلب متانة عالية (مقتبس من المرجع رقم 2 بتصرف).

شكل 1 | عملية زيادة كثافة الخشب. يحتوي الخشب الطبيعي على مسامات مكوَّنة من بقايا خلايا أنبوبية متوازية، تحتوي جدرانها على سليلوز، جنبًا إلى جنب مع بوليمرات حيوية، يُطلَق عليها الليجنين والهيميسيلولوز. وقد أجرى سونج وزملاؤه2معالجة للخشب الطبيعي بخليط من هيدروكسيد الصوديوم، وكبريتيت الصوديوم؛ وهو ما أدى إلى إزالة الليجنين والهيميسيلولوز جزئيًّا، ثم ضغطوا الخشب عند حوالي 100 درجة مئوية؛ مما تَسبَّب في انهيار تلك الخلايا. وكانت المادة الناتجة أكثر كثافة من الخشب الطبيعي بمعدل ثلاثة أضعاف، وأكثر صلابة وقوة بمعدل 11 ضعفًا؛ وهو ما يفتح الباب أمام إمكانية الاستفادة منها في التطبيقات الهندسية التي تتطلب متانة عالية (مقتبس من المرجع رقم 2 بتصرف).

كبر الصورة

يقوم سونج وزملاؤه بعد ذلك بضغط الكتل الخشبية عند درجات حرارة تبلغ حوالي 100 درجة مئوية. وهذه الخطوة تزيل معظم المسام في الخشب، مما يزيد كثافته من 0.43 إلى 1.3 جرام لكل سنتيمتر مكعب. وتكون كثافة المادة المستقرة الناتجة عالية جدًّا، لدرجة لا تجعلها قادرة على الطفو فوق سطح الماء. مع ذلك، يفيد الباحثون بأن صلابة الخشب وقوته زادتا على حد سواء على نحو مبهر، بمقدار 11 ضعفًا، مقارنة بالخشب غير المعالَج. وكما يشير الباحثون، فإن المحاولات السابقة لرفع كثافة الخشب أدّت أيضًا إلى تحسين مستوى قوته، لكنْ بمقدار يتراوح من ثلاثة إلى أربعة أضعاف كحد أقصى3. ويكمن سر نجاح سونج وزملائه في جمْعهم بين المعالجة الكيميائية ودرجات الحرارة المرتفعة عند ضغط الخشب.

يحتوي الخشب الطبيعي على الكثير من الخلايا الأنبوبية المتوازية، التي تشكل جدرانها الجزء الرئيسي منه. وفي معظم أجزاء الجذوع الخشبية، تكون هذه الخلايا قد ماتت، وخلّفت جدرانها الغنية بالسليلوز. وتحتوي هذه الجدران أيضًا على الليجنين والهيميسيلولوز، وتشكل أليافًا خشبية جوفاء. تنهار هذه الألياف الأنبوبية الشكل من جوانبها عند ضغطها، إذ تفقد فعليًّا فراغاتها الداخلية. وهذا يزيد من كمية الخشب لكل مقطع عرضي من الجذع، وهو ما تبرهن عليه زيادة الكثافة التي أشار إليها سونج وزملاؤه. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التأثير وحده إلى زيادة صلابة الخشب وقوته، بالتناسُب مع زيادة كثافته4.

ومع ذلك، يقول الباحثون إن الصلابة ازدادت بمقدار 11 ضعفًا، في حين أن الكثافة زادت بمقدار 3 أضعاف فقط. وقد لوحظت زيادة الكثافة بمعدل ثلاثة أضعاف في الأبحاث السابقة التي استُخدم فيها الضغط الساخن وحده (انظر المرجع رقم 3، على سبيل المثال). ولذلك، يبدو من المرجح أن معالجة الباحثين الكيميائية أدّت إلى تعديل المركّب المعتمِد على السليلوز، المكوِّن لجدران الخلايا في الخشب، وقادت إلى تقويته.

تنتفخ مواد عديدة يُشكل السليلوز أساسها على نحو غير مرغوب عندما تلامس الماء، لكنّ سونج وزملاءه أفادوا بأن الخشب الذي زيدت كثافته ينتفخ بفعل الماء انتفاخًا محدودًا وبقدر مقبول. ويبقى أن نرى ما إذا كانت إزالة الليجنين جزئيًّا منه ستجعله عرضة للهجمات البكتيرية أو الفطرية، أم لا.

لا يزال الخشب الذي زيدت كثافته أخفّ وزنًا من المواد المعدنية. ولذلك، فإن صلابته وقوته تفتحان الباب أمام إمكانات جديدة للعديد من التطبيقات الهندسية. وهذا يثير التساؤل عن سبب كون جذوع الأشجار من مادة مسامية، في حين أن الغرض من وجودها في الغابة هو أن تكون أطول ما يمكن؛ لضمان تعَرُّض أوراقها للضوء. وهي مهمة قد تبدو فيها بداهةً المواد الأكثر صلابة وقوة أكثر ملاءمة. فمن خلال جعْل الخشب مساميًا، تُضَحِّي الأشجار جزئيًّا بقوته. وإحدى الإجابات المطروحة هنا على هذا التساؤل هي أن الخشب متعدد الوظائف، وبالتالي هناك حاجة إلى المسام لمهام تتجاوز المهام البنيوية وحدها، مثل نقْل الماء والمواد المغذية.

غير أن الاستجابة المثلى من جانب المواد الطبيعية للأحمال تختلف وفقًا للوظيفة المعنية، إذ إن الكثافة الأقل يمكن أن تكون أكثر أهمية من القوة الأعلى5-7. وباختصار، فإن ارتفاع عمود نحيف يدعم حِملًا ضاغطًا على طول محوره غالبًا ما يكون محكومًا بمخاطر حدوث التواء؛ ولكل عرض عمود معين، وحِمْل ضاغط، يمكن أن تُبنى أعمدة أكثر ارتفاعًا باستخدام مواد تتميز بمُعامل يونج أعلى (يُرمز إليه بالحرف E، وهو مقياس للصلابة). وعندما لا يكون ارتفاع العمود محكومًا بالحِمْل الخارجي، ولكن بوزنه فقط، يمكن بلوغ ارتفاعات أكبر باستخدام مواد أقل كثافة، فيكون الهدف في هذا السياق هو تحقيق أقصى زيادة ممكنة في نسبة مُعامل يونج E إلى الكثافة الكتلية ρ، بدلًا من زيادة معامل يونج E وحده. وعندما يكون الهدف هو بناء أعلى عمود ممكن باستخدام كتلة ثابتة من المادة، يكون من الأفضل رفع النسبة E/ ρ2 لأقصى درجة ممكنة، لأن (الحفاظ على كتلة ثابتة مهم للنباتات، إذ إن تخليق الخشب يمثل جانبًا رئيسًا من جوانب التكلفة لها؛ ولذلك، يتناسب تعظيم النسبة E/ ρ2 مع أقل الطرق تكلفةً لإنبات أعلى عمود ممكن بتكلفة ثابتة للخشب).

وبأخْذ هذه المبادئ في الاعتبار، يتبين أن الخشب الذي رفع سونج وزملاؤه من كثافته لا بد أن يكون أداؤه أفضل من الخشب الطبيعي المسامي في السيناريوهين الأولين (وفيهما يجب أن يكون لأي من E أو E/ρ أكبر قيمة ممكنة)، لكنّ يجب أن يكون أداؤه مكافئًا فقط للخشب الطبيعي في السيناريو الثالث، حيث تُرفع النسبة E/ρ2 لأقصى درجة ممكنة، على أساس التغيرات في الصلابة والكثافة، التي أشار إليها الباحثون. وهذا يدل على أن الأشجار لا تخسر الكثير بجعل الخشب مساميًا، وأن وجود المسامات لتوصيل الماء يأتي بدون أي تكلفة إضافية فيما يخص الخشب. ولعل لهذا السبب، يكون ارتفاع الأشجار محكومًا بالقيود الهيدروليكية المرتبطة بتوصيل الماء أكثر من القيود الميكانيكية8. وبالمثل، تتطلب تطبيقات هندسية متطورة عديدة مواد ذات مستويات عالية من الصلابة والقوة، ولكنْ في بعض الحالات قد تعزِّز المواد المسامية الأداء، بدلًا من خفضه.

وجدير بالذكر أن جميع المواد الحيوية نشطة، وتعمل على تكييف بنيتها الداخلي تبعًا لوظيفتها واحتياجاتها البيئية. لذلك، يمكن استخدام استراتيجيتين لتكييف هذه المواد بحيث يُستفاد منها في تطبيقات هندسية. الاستراتيجية الأولى: هي تعديل المادة؛ للامتثال لمواصفات التصميم الصناعي، كما أوضح سونج وزملاؤه من خلال عملية رفْع الكثافة التي أجروها. والخيار الآخر، الذي ربما يكون أكثر تقليدية، يتمثل في تهيئة التصاميم بحيث تتناسب مع خواص المواد الطبيعية. وهذا النهج الأخير أكثر استدامة، لكنه يتطلب معرفة أكبر بكيفية ارتباط البِنْية بالوظيفة في هذه المواد، ووضْع منهجيات جديدة للتصميم9،10

References

  1. Ramage, M. H. et al. Sustain. Energ. Rev. 68,333–359 (2017). | article
  2. Song, J. et al. Nature 554, 224–228 (2018). | article
  3. Erickson, E. Mechanical Properties of LaminatedModified Wood (US Dept Agriculture, 1965).  | article
  4. Ashby, M. F. Metall. Trans. A 14, 1755–1769 (1983).| article
  5. Ashby, M. F., Gibson, L. J.,Wegst, U. & Olive, R.Proc. R. Soc. Lond. A 450, 123–140 (1995). | article
  6. Gibson, L. J., Ashby, M. F., Karam, G. N., Wegst, U. &Shercliff, H. R. Proc. R. Soc. Lond. A 450, 141–162(1995). | article
  7. Fratzl, P. & Weinkamer, R. Prog. Mater. Sci. 52,1263–1334 (2007). | article
  8. Niklas, K. J. Tree Physiol. 27, 433–440 (2006). | article
  9. Schäffner, W. in +Ultra Knowledge & Gestaltung (edsDoll, N., Bredekamp, H. & Schäffner, W.) 23–32(Seemann, 2017).  | article
  10. Fratzl, P. in +Ultra Knowledge & Gestaltung (edsDoll, N., Bredekamp, H. & Schäffner, W.) 173–178(Seemann, 2017). | article

بيتر فراتزل يعمل في قسم المواد الحيوية في معهد ماكس بلانك للغرويات والسطوح البينية، بوتسدام 14424، ألمانيا.

البريد الإلكتروني: fratzl@mpikg.mpg.de