أنباء وآراء

كيمياء عضوية: ترويض أنواع الكربون التفاعلي لاستخدامها في التخليق العضوي

نوع شديد الفعالية من الكربون، يُعرف باسم الكارباين، يُبشر بالكثير في مجال تخليق المركّبات العضوية، بيد أن تحضيره كان مستعصيًا. والآن، نجحت التفاعلات التي تنتج مركّبات مكافئة للكارباين في إطلاق العنان لهذه القدرة التخليقية.

روهان إي. جيه. بيكويث

  • Published online:

يكمن أساس الكيمياء العضوية في دراسة المركبات المحتوية على الكربون، بقصد التلاعب بذرات الكربون؛ لإنتاج جزيئات جديدة، عن طريق إنشاء روابط بين ذرات الكربون وبعضها (C–C). وفي بحث نُشر بدورية Nature، أفاد وانج وزملاؤه1 بوجود طريقة لاستخدام نوع من الكربون شديد الفعالية، يُعرف باسم الكارباين (الشكل 1أ)، لم يُستخدم بالشكل الكافي من قبل في الكيمياء التخليقية. وتفتح هذه النتائج الباب لظهور أنواع جديدة من التفاعلات التي تنشئ روابط C–C.

الشكل 1. مكافِئات للكارباين من أجل الكيمياء التخليقية.أ. مركّباتالكارباين هي أنواع تفاعلية، تحتوي على الكربون، ولها استخدامات محتمَلة في الكيمياء العضوية التخليقية. وفي هذا الشكل، تمثل النقاط الإلكترونات، بينما تمثل الدوائر السوداء أي مجموعة كيميائية عضوية. ب. ويسجل وانج وزملاؤه1استراتيجية تسمح بتحضير مكافِئات للكارباين من مركّبات أولية تحتوي على مجموعتي "حجب". تتم إزالة واحدة من مجموعتي الحجب هاتين في عملية تتم بوساطة الضوء، وهو ما ينتج عنه مكافئ للكارباين. وتشير الأقواس المربعة إلى أن مكافئ الكارباين يتم تحضيره بشكل مؤقت. وإذا ما تم إنتاج هذا المكافئ في وجود جزيئات الركيزة (الدوائر الملونة)، فإنه يتفاعل مكوِّنًا ثلاث روابط جديدة في خطوة تخليقية واحدة، ويفقد في أثناء ذلك مجموعة الحجب الثانية. ترمز Etإلى مجموعة إيثيل. ج.  في هذا المثال المرمز بالألوان، تتفاعل المادة الأولية التي استخدمها الباحثون مع ثلاث مجموعات مختلفة في جزيء واحد من أيزوبيوتيل البنزين، حينما تضاء بالضوء الأزرق في درجة حرارة الغرفة في

الشكل 1. مكافِئات للكارباين من أجل الكيمياء التخليقية.أ. مركّباتالكارباين هي أنواع تفاعلية، تحتوي على الكربون، ولها استخدامات محتمَلة في الكيمياء العضوية التخليقية. وفي هذا الشكل، تمثل النقاط الإلكترونات، بينما تمثل الدوائر السوداء أي مجموعة كيميائية عضوية. ب. ويسجل وانج وزملاؤه1استراتيجية تسمح بتحضير مكافِئات للكارباين من مركّبات أولية تحتوي على مجموعتي "حجب". تتم إزالة واحدة من مجموعتي الحجب هاتين في عملية تتم بوساطة الضوء، وهو ما ينتج عنه مكافئ للكارباين. وتشير الأقواس المربعة إلى أن مكافئ الكارباين يتم تحضيره بشكل مؤقت. وإذا ما تم إنتاج هذا المكافئ في وجود جزيئات الركيزة (الدوائر الملونة)، فإنه يتفاعل مكوِّنًا ثلاث روابط جديدة في خطوة تخليقية واحدة، ويفقد في أثناء ذلك مجموعة الحجب الثانية. ترمز Etإلى مجموعة إيثيل. ج.  في هذا المثال المرمز بالألوان، تتفاعل المادة الأولية التي استخدمها الباحثون مع ثلاث مجموعات مختلفة في جزيء واحد من أيزوبيوتيل البنزين، حينما تضاء بالضوء الأزرق في درجة حرارة الغرفة في 

كبر الصورة

© Replace me

تتضمن عادةً الطرق التقليدية لإنشاء روابط C–C أنواع الكربون التفاعلي المدروسة جيدًا، غير أن الكارباين لم يُستكشف بشكل واسع في إنشاء تلك الروابط، إذ إن فعاليته المفرطة تجعل من الصعب تحضيره واستخدامه، فتقوم مركّبات الكارباين فور تكوينها بالتفاعل بعضها مع بعض، ومع جزيئات المذيب، ومع الركائز الأخرى بطريقة غير محكمة، وهو ما يؤدي إلى مجموعة ضخمة من النواتج. وقد حدّ ذلك من استخدامات هذه الأنواع، كما قلل حتى من المجهودات المبذولة لدراستها.

كان قد تم في السابق تحضير مركّبات الكارباين على هيئة مركّبات تتضمن فلزات، يمكن تفكيكها فيما بعد لتحرير الكارباين (انظر المرجعين 2 و3، على سبيل المثال). وبإجراء عمليات الانحلال تلك في الماء عند درجة حرارة الغرفة، تمكّن الباحثون من تحضير مركبات بسيطة تحتوي على روابط C–C ثلاثية من تفاعلات مركبات الكارباين الحر بعضها مع بعض4. وفي تلك التفاعلات، تم خفض تكوين النواتج الثانوية غير المرغوب فيها لأدنى حد، بسبب أن معدل تفاعل مركبات الكارباين الحر مع الماء كان أبطأ بعدة مرات من معدل تفاعل مركّبات الكارباين بعضها مع بعض5، لكن منتوج هذه التفاعلات كان منخفضًا. ولهذه الطريقة تطبيقات محدودة في مجال تخليق المركبات.

ومن ثم، تمكن وانج وزملاؤه من ابتكار طريقة ذكية للحصول على مكافِئات لمركّبات الكارباين، وهي مقاربة لها استخدامات واسعة في مجال التخليق. حضّر الباحثون مركّبات أولية ثابتة تحتوي على مجموعتي "حجب"، (الشكل 1ب)، يمكن تنشيطها عن طريق عامل تحفيز في عملية يُستخدم فيها الضوء كوسيط؛ ليتم إطلاق إحدى المجموعات الحاجبة، وهو ما ينتج مركّبًا معادِلًا للكارباين. ويسمح التنشيط الإضافي أن يتفاعل مكافئ الكارباين مع جزيئات الركيزة، ما ينتج عنه فقدان المجموعة الحاجبة الثانية، وتكوين ثلاث روابط جديدة في خطوة تخليقية واحدة.

وقد أظهر الباحثون قوة هذا النهج ذي الخطوة الواحدة، عن طريق تحويل أيزوبيوتيل البنزين (وهو مركّب هيدروكربوني بسيط، يحتوي على حلقة بنزين) إلى منظومة أكثر تعقيدًا، بإضافة حلقة جديدة في عملية تكوّن رابطتي C–C جديدتين، ورابطة بين ذرّة كربون، وذرّة هيدروجين (C–H) (الشكل 1ج). يحدث التفاعل بانتقائية عالية في ذرات كربون معينة في أيزوبيوتيل البنزين، وفي ظروف يصفها الكيميائيون بأنها شديدة البساطة: في درجة حرارة الوسط المحيط ومستوى ضغطه، وباستخدام مواد كاشفة تتحمل وجود نطاق واسع من المجموعات المتباينة في جزيء الركيزة. تسمح هذه الظروف بتفادي التحلل غير المرغوب فيه للمواد المستخدَمة في البداية، أو للنواتج، وهو ما يزيد كمية النواتج المحتملة لأقصى ما يمكن.

كما أوضح وانج وزملاؤه أنه من الممكن أن تجرى عملية إزالة المجموعات الحاجبة على عدة خطوات، من خلال تعديل الظروف المحيطة بالتفاعل، وهو ما يسمح بعزل المركّبات التي تكون فيها مجموعات معروفة باسم "ديازو أسيتيت" مرتبطة بحلقات من البنزين، ويتم الحفاظ على واحدة من المجموعات الحاجبة كجزء من مجموعة "ديازو أسيتيت"، (الشكل 1د). وعلى الرغم من أنه سبق أن نُشرت أساليب من قبل لتحضير مجموعات "ديازو أسيتيت" ملتصقة بحلقات بنزين، فهي تتطلب وجود مجموعة تخليقية  تخدم كـ"ذراع" – هي ذرّة أو مجموعة تفاعلية - على حلقة بنزين في المادة الأولية6، لكنْ حيث إن النهج الخاص بالباحثين يتم فيه تركيب مجموعة "ديازو أسيتيت" مباشرة في رابطة C–H على حلقة بنزين، تنتفي الحاجة إلى وجود المجموعة التخليقية التي تخدم كـ"ذراع" ومن ثم، فقد تسمح هذه الطريقة لمجموعات "ديازو أسيتيت" أن ترتبط بالمنظومات الأروماتية المعقدة (أي المركّبات التي تحتوي على حلقة بنزين، أو نظام حلقي مشابه)، التي لا يمكن إدخال الأذرع التخليقية فيها.

يُظهِر الباحثون أن التفاعل الذي يتم فيه تركيب مجموعة "ديازو أسيتيت" يتسم بالفعالية في مجموعة متنوعة من الركائز الأروماتية. وفي كل حالة، يتم وضع مجموعة "ديازو أسيتيت" في موضع معيّن، تم تحديده بدقة، حتى في حال الركائز التي تحتوي على مجموعات ضخمة، وهو ما يتسبب عادة في إضعاف الانتقائية للموقع في أنواع أخرى من التفاعل. كما أن هذه التفاعلات يمكنها أن تحتمل وجود مجموعة متنوعة من المركّبات الكيميائية في الركائز، وتعطي كمية معقولة من النواتج.

إنّ مجموعة "ديازو أسيتيت" مفيدة بشكل خاص في عمليات التخليق الكيميائي، إذ يمكن تحويلها إلى مجموعات أخرى عديدة باستخدام تفاعلات محفَّزة بالمعادن (كما يوضح وانج وزملاؤه في مجموعات "ديازو أسيتيت" التي تم تحضيرها بطريقتهم). ومن شأن وجود طريقة تسمح بإدخال مجموعات "ديازو أسيتيت" في مواضع محددة من الجزيئات ذات البنى المعقدة أن يكون مفيدًا بشكل خاص للباحثين العاملين في مجال اكتشاف الدواء، حيث سيتيح هذا تحضير أشكال متباينة من الجزيئات ذات الفعالية الحيوية من الجزيئات ذاتها بشكل سريع، بدلًا من اللجوء إلى عمليات تخليقية متعددة الخطوات، تستخدم فيها مواد أولية بسيطة. وبالفعل، قدم وانج وزملاؤه عملية فعالة وانتقائية للموقع، لإدخال مجموعة "ديازو أسيتيت" في 12 جزيئًا دوائيًّا مركّبًا.

 غير أن هذه التفاعلات الجديدة لا تخلو من أوجه قصور، فالمركبات الدوائية التي تحتوي على مجموعات أمينية قاعدية - على سبيل المثال - لا تتجاوب مع هذا النهج. كما أن كمية النواتج من إدخال مجموعات "ديازو أسيتيت" في الجزيئات الدوائية عادة ما تكون منخفضة، أو متوسطة (تتراوح نسبتها من 10 إلى 58%)، مقارنة بتلك الملاحظة والمنتجة من الركائز الأقل تعقيدًا (تبلغ نسبتها في الغالب من 50 إلى 99%). كما يبدو أن الركائز التي تحمل على الحلقة الأروماتية مجموعات ساحبة للإلكترونات بقوة تخفِّض الإنتاج والانتقائية للموقع، مقارنة بالركائز الأخرى، لكنْ تُعَد هذه مشكلات بسيطة إذا ما قورنت بفوائد هذا النهج في مجال اكتشاف الدواء وتطويره.

ولبحث وانج وزملائه هذا دلالات أكثر أهمية في مجال الكيمياء العضوية، فهو يقدم طريقة جديدة لتحضير مركّبات ديازو (وهي عائلة المركّبات التي تنتمي إليها مجموعات "ديازو أسيتيت")، وهذه الطريقة تتيح الحصول على أنواع من جزيئات ديازو، التي كان يتعذر الحصول عليها في السابق باستخدام عمليات كيميائية أخرى. ونظرًا إلى أن التفاعلات تنتج ثلاث روابط جديدة، فهي تطرح طريقة لتحويل الكواشف البسيطة إلى جزيئات معقدة هيكليًّا في خطوة واحدة. ولذا، فإن التفاعلات الخاصة بمؤلفي البحث تُعَد إضافة قيمة لصندوق أدوات الكيميائيين التخليقيين.

وأخيرًا، تمكَّن وانج وزملاؤه من تسجيل أول دليل على إمكانية استخدام مركّبات الكارباين بصورة فعالة في التخليق العضوي العملي. ومن ثم، تفتح هذه النتائج الباب لاكتشاف تفاعلات جديدة للكربون، إما من خلال تعديل مكافِئات الكارباين المحجوبة، التي يتم الإعلان عنها حاليًّا، وإما من خلال تطوير مكافئات بديلة.

References

  1. Wang, Z., Herraiz, A. G., del Hoyo, A. M. & Suero, M. G. Nature 554, 86–91 (2018).  | article
  2. Fischer, E. O., Ruhs, A. & Plabst, D. Z. Naturforsch. B 32B, 802–804 (1977).  | article
  3. Levy, O., Musa, S. & Bino, A. Dalton Trans. 42, 12248–12251 (2013).| article
  4. Bino, A., Ardon, M. & Shirman, E. Science 308, 234–235 (2005).| article
  5. Bogoslavsky, B. et al. Angew. Chem. Int. Edn 51, 90–94 (2012). | article
  6. Ye, F. et al. J. Am. Chem. Soc. 137, 4435–4444 (2015). | article

روهان إي. جيه. بيكويث يعمل في شركة معاهد نوفارتس للأبحاث الطبية الحيوية، كامبريدج، ماساتشوستس 02139، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: rohan.beckwith@novartis.com