أنباء وآراء

تكنولوجيا الدماغ: تسجيل جمعيّ لنشاط الخلايا العصبية

مسبار من السيليكون يتم غرزه في دماغ الفأر، يمكنه أن يقيس بدقّة نشاط حوالي 200 خلية عصبية مفردة في آن واحد. ومن شأن هذه الأداة أن تحسِّن قدرتنا على دراسة الدارات العصبية الوظيفية.

إدوارد إم. كالاوي، وأنوبام كيه. جارج

  • Published online:

ثمة عدد لا يُحصَى من مقاطع الفيديو التي تصوِّر الخلايا العصبية في أثناء تواصلها فيما بينها، مطْلِقة ومضات متقطعة وهي ترسل إشارات إلى الخلايا المجاورة لها. إلا أن هذه المقاطع تخيّلية، وقد وضعت لتوضيح الطريقة التي نظّن أن الدماغ ربما يعمل بها. أما مقاطع الفيديو الحقيقية المصورة لمجموعات الخلايا العصبية في أثناء عملها في الأدمغة الحية، فهي إما تفتقد الاستبانة المكانية أو الدقة الزمنية اللازمتين للاستدلال على التفاعلات الوظيفية. وفي بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، وصف يون وزملاؤه1 مسبارًا من السيليكون، يُطلق عليه اسم "نيوروبكسلز" Neuropixels، يمكنه أن يسجل نشاط أكثر من 200 خلية عصبية مفردة في آن واحد. وتبشر هذه التقنية بإحداث أثر كبير في مجال علم الأعصاب.

ولطالما بُذلت جهود مكثفة لزيادة سرعة وكثافة وعدد التسجيلات المتزامنة المأخوذة من الخلايا العصبية المفردة. وقد أدَّت التطورات في المقاربات البصرية لقياس النشاط إلى زيادة كثافة التسجيلات، وتسجيلات التعداد الخلوي2، إلا أن هذه المقاربات لا تستطيع تحديد التوقيت الدقيق للزيادات المفاجئة في نشاط الخلايا العصبية بشكل موثوق، وعادة ما تقتصر التسجيلات على البِنَى القريبة من سطح المخ. وعلى النقيض من ذلك، يمكن للتسجيلات الكهربائية أن تحدد تلك الزيادات في نشاط الخلايا العصبية المفردة بدقة زمنية تصل إلى الملِّي ثانية الواحدة2، ويمكن للأقطاب الدقيقة اختراق عمق المخ بأقل قدر من الضرر، لكنّ الحصول على تسجيلات كهربائية كثيفة أمر صعب.

وتنبع صعوبته من خصائص الدماغ نفسه. فالخلايا العصبية صغيرة جدًّا (يبلغ عرض جسم الخلية حوالي 10 ميكرومترات)، وهي شديدة التكدس (ثمة ما يقرب من 100 ألف خلية عصبية في كل مليمتر مكعب في قشرة المخ)3. ولقياس النشاط الكهربائي بدقة، يجب وضع الأقطاب الكهربائية قريبة جدًّا من أجسام الخلايا، ويجب أن تكون مصمَّمة بحيث يمكنها التمييز بين الزيادات المفاجئة في نشاط الخلايا العصبية المختلفة.

وللتغلب على هذه الصعوبات، تحتوي المسابر الحديثة المصنوعة من السيليكون على مصفوفات من نقاط اتصال للتسجيل، تفصل بينها مسافات صغيرة. تستطيع كل نقطة اتصال التقاط الزيادات المفاجئة في نشاط العديد من الخلايا العصبية، ويمكن رصد زيادة نشاط أي خلية عصبية من خلال نقاط اتصال متعددة2. ويمكن بعد ذلك تحليل نشاط الخلايا العصبية المفردة، عن طريق مقارنة الإشارات القادمة من كل نقطة اتصال. يمكن أن تؤتي هذه الطريقة بأفضل النتائج إذا كانت نقاط الاتصال شديدة التراص فيما بينها، إلا أن ووجود نقاط اتصال أكثر يتطلب مساحة أكبر، ومزيدًا من الأسلاك. وهكذا، تصبح الأجهزة أكثر سُمْكًا، وتسبِّب المزيد من الضرر عند إدخالها، وربما تتسبب في قتل الخلايا العصبية المطلوب استقصاؤها.

وعليه، يمثِّل مسبار "نيوروبكسلز" قفزة هائلة إلى الأمام، مقارنة بالمسابر السابقة. وقد أمكن إحراز هذا التقدم بفضل أربع جهات ممولة غير هادفة إلى الربح، مكّنت إسهاماتها المالية الضخمة علماء الأعصاب والمهندسين من العمل معًا.

استخدم يون وزملاؤه الجيل التالي من تقنيات تصنيع السيليكون؛ لإنتاج مسبار يحتوي على 960 نقطة تسجيل. وهذه القنوات موضوعة بحيث يفصل بينها 20 ميكرومترًا تقريبًا، على طول مسبار يبلغ مقطعه العرضي 70 x 20 ميكرومترًا، وطوله سنتيمتر واحد؛ أي أنه يمكن الوصول به إلى أعمق البِنَى داخل دماغ الفأر (الشكل 1). ورغم أن هناك مسابر من السيليكون لها كثافة مماثلة من نقاط الاتصال، فهي تقتصر على عدد قنوات أقل بكثير (قد يحتوي المسبار التقليدي على 32 قناة)، وعادة ما تتطلب عددًا كبيرًا من الأسلاك لزرعها المديد. تستطيع الإلكترونيات المسبارية وأسلاك مسبار "نيوروبكسلز" استيعاب تسجيلات متزامنة من 384 قناة من قنواتها الـ960، ويمكن تبديل القنوات المُقاسة؛ إذ يمنح التبديل فائدة كبيرة، تتمثل في إمكانية تغيير مواقع التسجيل النشطة بعد الزرع، بحيث يمكن أخذ عينات مختارة من البِنَى موضع الاهتمام.

الشكل 1 | سبر نشاط الدماغ بمسبار "نيوروبكسلز". أ، مسبار تقليدي يُستخدَم لاستقصاء النشاط العصبي في أدمغة القوارض، قد يبلغ عرضه 100 ميكرومتر، وطوله 0.8 مليمتر، ويتمكن من أخذ تسجيلات للنشاط العصبي عبر 32 قناة موضوعة بحيث تفصل بينها مسافة 50 ميكرومترًا تقريبًا، ما يمكنها من تسجيل نشاط حوالي 20 خلية عصبية في آن واحد. هذا، وقام يون وزملاؤه1بتطوير مسبار محسَّن، يُدعى "نيوروبكسلز" Neuropixels. توضع قنوات التسجيل بحيث تفصل بينها مسافة 20 ميكرومترًا تقريبًا على طول مسبار يبلغ طوله سنتيمترًا واحدًا، وعرضه 70 ميكرومترًا. وإجمالًا، هناك 960 قناة، يمكن انتقاء منها مجموعات من 384 قناة من أجل الاستعمال في الوقت نفسه (باللون الأحمر)، مما يمكن الاختيار من عدة ترتيبات ممكنة من القنوات. ب، يمكّن طول مسبار "نيوروبكسلز" وقدرته على تبديل ترتيبات القنوات اختبار عدة مناطق في الدماغ. ويمكن قياس نشاط حوالي 200 خلية عصبية مفردة في آن واحد.

الشكل 1 | سبر نشاط الدماغ بمسبار "نيوروبكسلز". أ، مسبار تقليدي يُستخدَم لاستقصاء النشاط العصبي في أدمغة القوارض، قد يبلغ عرضه 100 ميكرومتر، وطوله 0.8 مليمتر، ويتمكن من أخذ تسجيلات للنشاط العصبي عبر 32 قناة موضوعة بحيث تفصل بينها مسافة 50 ميكرومترًا تقريبًا، ما يمكنها من تسجيل نشاط حوالي 20 خلية عصبية في آن واحد. هذا، وقام يون وزملاؤه1بتطوير مسبار محسَّن، يُدعى "نيوروبكسلز" Neuropixels. توضع قنوات التسجيل بحيث تفصل بينها مسافة 20 ميكرومترًا تقريبًا على طول مسبار يبلغ طوله سنتيمترًا واحدًا، وعرضه 70 ميكرومترًا. وإجمالًا، هناك 960 قناة، يمكن انتقاء منها مجموعات من 384 قناة من أجل الاستعمال في الوقت نفسه (باللون الأحمر)، مما يمكن الاختيار من عدة ترتيبات ممكنة من القنوات. ب، يمكّن طول مسبار "نيوروبكسلز" وقدرته على تبديل ترتيبات القنوات اختبار عدة مناطق في الدماغ. ويمكن قياس نشاط حوالي 200 خلية عصبية مفردة في آن واحد.

كبر الصورة

بدأت العملية بتصميم نموذج أَوّلِي، والقيام باختبار، ثم الدخول في حلقة من عمليات إعادة التصميم، قاست بشكل نظامي أداء المواد والإلكترونيات والإعدادات؛ للوصول إلى أفضل تصميم ممكن لمسبار مختبري. في التجارب المبكرة للنماذج الأولية، اختبر يون وزملاؤه كيف أَثَّر عرض المسبار على تلف الأنسجة. يتراوح عرض المسابر التقليدية المتوفرة بين 50 ميكرومترًا حتى أكثر من 200 ميكرومتر، على حسب عدد وترتيب مواقع التسجيل. وقد شرع الباحثون في زيادة عدد مواقع التسجيل إلى أقصى حد، مع تصغير حجم المسبار إلى أدنى حد؛ لتقليل تلف الأنسجة. وقد وجدوا اختلافًا بسيطًا في عدد الخلايا العصبية المُختبَرة في كل قناة بين المسابر التي يبلغ عرضها 50 ميكرومترًا، وتلك التي يبلغ عرضها 70 ميكرومترًا، ما يشير إلى أن المسبار الأعرض يسبب اختلافات لا تُذكر في مدى تلف الأنسجة. كما وضحوا أيضًا عدم وجود أي مساوئ لاستخدام مسابر مزوَّدة ببدّالات.

في الوقت نفسه، قيَّم يون وزملاؤه مواد التسجيل. لا تتوافق المواد التي تُستخدم عادة لصناعة نقاط التسجيل (وهي ذهب مغطى بنوع من البوليمر) مع الإلكترونيات المستخدَمة في مسبار "نيوروبكسلز". وقد وجد الباحثون أن أداء المسابر المصنوعة في الأساس من نيتريد التيتانيوم كان بجودة أداء تلك المصنوعة من مواد تقليدية، وذلك عند استخدامها في الحيوانات لمدة تراوحت من ستة إلى ثمانية أسابيع، وهي مدة تكفي لإجراء معظم التجارب السلوكية.

وفي مرحلة ثانية من الاختبارات، فحص يون وزملاؤه ترتيبات مختلفة من الإلكترونيات. فربما كان من المتوقع أن يؤدي التضخيم الموضعي للإشارات المسجلة من كل نقطة اتصال إلى تحسين جودة الإشارة، لكنه في الواقع لم يعد سوى بفوائد ضئيلة جدًا. وإضافة إلى ذلك، يمكن دمج المسابر غير المضخّمة مع تجارب علم الوراثة البصرية، التي يتم فيها تنشيط أو تعطيل الخلايا العصبية المعدَّلة وراثيًّا باستخدام الضوء. وعلى النقيض من ذلك، أدى التضخيم إلى جعل المسابر شديدة الحساسية للضوء، من أجل التسجيلات الملائمة في أثناء التحفيز الوراثي البصري. وثمة تفضيل شديد لقابلية دراسة تفعيل الخلايا العصبية في الدارات التي يتم التحكم فيها من خلال علم الوراثة البصرية؛ ولذا، لم يتم اللجوء إلى التضخيم الموضعي.

أخيرًا، صَمَّم الباحثون أحدث الإلكترونيات في مسبارهم، بحيث يمكن تحويل بيانات جميع القنوات الـ384 إلى بيانات رقمية، وضَغْطها في اثنين فقط من الأسلاك الخارجة. يتيح هذا التصميم للجهاز أن يكون صغيرًا جدًّا، بما يتوافق مع اتصاله فترة طويلة بالحيوانات الصغيرة، وبما يقلل التدخل مع السلوك الطبيعي إلى أدنى حد ممكن.

وقد اختبر يون وزملاؤه مسبار "نيوروبكسلز" في مختلف البِنى الدماغية، ووجدوا أن الجهاز تَعَرّف عادة على ما متوسطه حوالي 0.6 خلية عصبية معزولة لكل نقطة تسجيل (وحتى ما يقرب من خلية واحدة في بعض البِنَى). وسجّل كل مسبار عادة ما مجموعه أكثر من 200 خلية عصبية في آن واحد خلال تجربة واحدة. كما تعطي المسابر التي تحتوي على عدد أقل من القنوات أرقامًا مماثلة من الخلايا العصبية لكل قناة5، وهكذا، يُفترض أن يرصد مسبار "نيوروبكسلز" خلايا عصبية أكثر بـ10 مرات من المسابر شائعة الاستخدام التي تحتوي على 32 قناة.

من الواضح أن التسجيل من عدد أكبر من الخلايا العصبية ينتج بيانات أكثر بكثير. كما أن له ميزة أخرى؛ فعند التسجيل المتزامن للعديد من الخلايا العصبية، يمكن تحديد أزواج الخلايا العصبية المتصلة ببعضها البعض. فإذا كان لدى إحدى الخلايا العصبية إمكانية عالية بشكل موثوق لإطلاق إشارات مباشرة بعد خلية أخرى، فعندئذ يمكن الاستدلال على وجود ارتباط مباشر بينهما، ولكن يشير عمل سابق5 إلى أن أقل من 0.2% من كافة الأزواج الممكنة من الخلايا العصبية المسجَّل نشاطها في وقت واحد تشترك مع بعضها البعض باتصال مباشر. وكَشَف التسجيل المتزامن من 20 خلية عصبية عن 190 زوجًا محتمَلًا، يُتوقّع أن يكون أقلّ من زوج واحد منها متصلًا. وقد كشف التسجيل من 200 خلية عصبية عن 19,900 زوج محتمَل، مع حوالي 40 اتصالًا متوقَّعًا. وهكذا، فإن مسبار "نيوروبكسلز" يَعِد بجعل التسجيل من أزواج متصلة أمرًا مألوفًا، مما يتيح إجراء اختبارات مباشرة للعلاقات بين التواصلية والوظيفة في كل من البِنَى الدماغية القريبة والبعيدة.

باختصار، يتمخض تطوير مسبار "نيوروبكسلز" عن حقبة جديدة من الأقطاب الكهربائية الدقيقة. فتعدُّد استعمالات هذه التكنولوجيا يفتح المجال لتجارب مثيرة تهدف إلى دراسة الدارات العصبية الوظيفية. على سبيل المثال، يمكن زرع العديد من مسابر الـ"نيوروبكسلز" في الحيوانات المدرَّبة على أداء سلوكيات معقدة، لتسجيل كيف يغيّر السلوك النشاط العصبي في عدة مناطق مختلفة في الدماغ، أو لرؤية كيف يترابط النشاط عبر هذه المناطق. والأكثر من ذلك، أن دمج علم الوراثة البصرية مع المسابر يمكن تحليل تأثيرات التحكم في أنواع محددة من الخلايا على دارات أكبر. ومن المرجّح أن توفّر بيانات كهذه رؤى هائلة عن الآليات العصبية الخاصة بالفهم والسلوك. 

References

  1. Jun, J. J. et al. Nature 551, 232–236 (2017).| article
  2. Harris, K. D., Quiroga, R. Q., Freeman, J. & Smith, S. L.Nature Neurosci. 19, 1165–1174 (2016). | article
  3. Beaulieu, C., Kisvarday, Z., Somogyi, P., Cynader, M.& Cowey, A. Cereb. Cortex 2, 295–309 (1992).| article
  4. Harris, K. D., Henze, D. A., Csicsvari, J., Hirase, H. &Buzsaki, G. J. Neurophysiol. 84, 401–414 (2000). | article
  5. Barthó, P. et al. J. Neurophysiol. 92, 600–608 (2004). | article

إدوارد إم. كالاوي، وأنوبام كيه. جارج يعملان في مختبرات النظم العصبية الحيوية بـ«معهد سولك للدراسات الحيوية»، لاهويا، كاليفورنيا 92037، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني:

callaway@salk.edu anupam@salk.edu