أخبار

تحرُّر ثاني حالة من فيروس نقص المناعة البشرية بعد علاج بالخلايا الجذعية

إنجاز مهم يشير إلى أنّ نجاح أول حالة لم يكن مجرد نجاح عابر، وقد يمهد الطريق لعلاجات مستقبلية.

ماثيو وورن

  • Published online:
فيروس نقص المناعة البشرية (الأصفر) يصيب خلية مناعية بشرية (الأزرق) بالعدوى.

فيروس نقص المناعة البشرية (الأصفر) يصيب خلية مناعية بشرية (الأزرق) بالعدوى. 

NIH/SPL.

يبدو أن شخصًا مصابًا بفيروس نقص المناعة البشرية قد أصبح الآن خاليًا من هذا الفيروس، وذلك بعد أنْ أُجريت له عملية زَرْع خلايا جذعية، حلّت عن طريقها خلايا دموية بيضاء مقاوِمة لفيروس نقص المناعة البشرية محل خلايا دمه البيضاء. يُعتبر هذا المريض هو ثاني شخص يُعلَن عن خلوّه من الفيروس، نتيجة تطبيق هذا النهج العلاجي عليه، لكنّ الباحثين يحذِّرون من التعجل بالقول إنهما قد شُفيا منه بالفعل.  

وتمكّن المريض - الذي لم يُكشَف عن هويته - من التوقف عن تناول الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية، دون ملاحظة أي علامة على عودة الفيروس مرة أخرى، بعد مرور 18 شهرًا على ذلك. ويُذكر أن تقنية الخلايا الجذعية كانت قد استُخدمت لأول مرة منذ عقد من الزمن في علاج تيموثي راي براون، المعروف باسم «مريض برلين»، الذي ما زال خاليًا من الفيروس حتى الآن.

 كيف تهزم فيروس نقص المناعة البشرية 

حتى الآن، لُوحظ أنّ آخِر مريض تلقّى هذا العلاج قد أبدى استجابة مشابِهة لاستجابة بروان، حسبما يقول أندرو فريدمان، طبيب الأمراض المعدية الإكلينيكية في جامعة «كارديف» في المملكة المتحدة، الذي لم يكن مشارِكًا في الدراسة. ويتابع بقوله: "هناك سبب وجيه للأمل الذي يحدونا في أنْ ينتهي الأمر بالنتيجة نفسها".  

لقد عانى المريض الأخير - مثل بروان - من نوع من سرطان دمٍ لم يستجب للعلاج الكيميائي. واحتاج كلاهما إلى عملية زرع نخاع عظمي، التي يجري فيها تدمير خلايا الدم، وتُوضع مكانها خلايا جذعية منقولة من متبرع سليم.

وبدلًا من اختيار أيّ مانِح مناسب، اختار الفريق المعالِج - الذي يقوده رافيندرا جوبتا، طبيب الأمراض المُعْدِية في جامعة كِمبريدج بالمملكة المتحدة - متبرعًا يحمل نسختين من طفرة في الجين CCR5؛ مما يمنح حامله مقاوَمة لعدوى فيروس نقص المناعة البشرية.  

يُرمِّز هذا الجين أحد المستقبِلات الذي يقع على سطح خلايا الدم البيضاء المشارِكة في الاستجابة المناعية للجسم. وفي الأحوال الطبيعية، يرتبط فيروس نقص المناعة البشرية بهذه المستقبِلات، ويهاجم الخلايا، لكنّ حَذْفًا بعينه في الجين CCR5 يوقِف المستقبِلات عن العمل كما ينبغي. ويُذكر أنّ حوالي 1% من الأشخاص المنحدرين من أصول أوروبية يحملون نسختين من هذه الطفرة، مما يجعلهم مقاوِمون للإصابة بعدوى فيروس نقص المناعة البشرية.

يصف فريق جوبتا النتائج في ورقة بحثية نُشرت في دورية Nature في الخامس من مارس الجاري. وأفاد الباحثون أن المستزرعات قد نجحت في وضع نوع من خلايا الدم البيضاء المقاوِمة لفيروس نقص المناعة البشرية محل خلايا الدم البيضاء الخاصة بالمريض. توقفّت الخلايا الجوّالة في دم المريض عن التعبير الجيني لمستقبِلات CCR5. وفي المختبر، لم يستطع الباحثون إعادة إصابة هذه الخلايا بالعدوى بنسخة المريض من فيروس نقص المناعة البشرية.  

وجد الفريق أن الفيروس قد اختفى تمامًا من دم المريض بعد عملية الزرع. وبعد 16 شهرًا، توقف المريض عن تناول الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية، تلك الأدوية التي تُعتبر العلاج المعياري لفيروس نقص المناعة البشرية. وفي آخِر متابعة للمريض، بعد 18 شهرًا من تَوَقُّفه عن تناول الدواء، لم تكن هناك أي علامة على وجود الفيروس في دمه.

علاج عنيف

يقول  جوبتا إنه ليس من الممكن بَعْدُ القول إنّ المريض قد شُفيَ تمامًا، مضيفًا أن  هذا يمكن إثباته فقط، إذا بقي دم المريض خاليًا من فيروس نقص المناعة البشرية لمدة أطول.

لكن الدراسة تشير بالفعل إلى أن علاج براون الناجح - قبل عشر سنوات - لم يكن مجرد علاج نجح مرة واحدة فحسب. يقول جوبتا إنّ المريض الأخير قد تلقّى علاجًا أقل حدة من علاج براون، استعدادًا لعملية الزرع، حيث أُعطي المريضُ الجديد نظامًا علاجيًّا يتكون من علاج كيميائي، إلى جانب عقار آخر يستهدف الخلايا السرطانية، في حين تلقّى براون علاجًا إشعاعيًّا على جسمه كله، بالإضافة إلى العلاج الكيميائي.  

يشير هذا إلى أن نجاح عملية زرع الخلايا الجذعية لدى مرضى فيروس نقص المناعة البشرية لا يحتاج بالضرورة إلى أنْ يترافق مع علاجات عنيفة، قد تكون - بصفة خاصة - ذات آثار جانبية شديدة، حسب قول جوبتا، الذي يضيف قائلًا: "الإشعاع يؤثر حقًّا على نخاع العظام، ويجعل المرضى يشعرون بإعياء شديد".

يشير جراهام كوك - الباحث الأكلينيكي في «إمبريال كوليدج لندن» - إلى أن هذا النوع من العلاج لن يكون مناسبًا لمعظم المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، غير المصابين بالسرطان، ولا يحتاجون بالتالي إلى زرع نخاع العظم، الذي يعد إجراءً خطيرًا قد تكون له - في بعض الأحيان - مضاعفات مميتة.

يقول كوك: "إذا كان المريض بصحة جيدة، فإن مخاطر إجراء زرْع نخاع العظم تكون أكبر بكثير من مخاطر الاستمرار في تناول الأقراص كل يوم"، إذ يستجيب معظم المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية - بشكل جيد - للعلاج اليومي بمضادات الفيروسات القهقرية.

ويستدرك كوك قائلًا إنه بالنسبة إلى أولئك الذين يحتاجون إلى عملية زرع نخاع العظم، لعلاج ابيضاض الدم (اللوكيميا)، أو علاج غيره من الأمراض، فإن محاولة العثور على متبرع يحمل طفرة CCR5 تبدو إجراء منطقيًّا، الأمر الذي لن يضفي أيّ خطر آخَر على الإجراء. 

يوافق جيرو هوتر - الذي أشرف على علاج براون، ويشغل الآن منصب المدير الطبي لشركة «Cellex» للخلايا الجذعية في درِسدِن، ألمانيا - على أن هذا النوع من العلاج لن يكون استعماله ممكنًا، إلا على مجموعة صغيرة فقط من المرضى، لكنه يأمل أن تحفز الورقة البحثية اهتمامًا متجددًا بالعلاجات الجينية، التي تستهدف جين CCR5، والتي يمكن تطبيقها على مجموعة أكبر بكثير. ويقول هوتر "هذا هو الإنجاز الحقيقي، الذي ما زلنا في انتظاره".