تحقيق إخباري

أشباح في الكهف

مجموعة غامضة من البشر القدماء الذين عُرفوا باسم الدينيسوفان تساعد على إعادة تشكيل فهْمنا للتطور البشري . فمَن كانوا هؤلاء البشر؟

إيوين كالاواي
  • Published online:

ADAPTED FROM ANSAP/ISTOCK/GETTY

لم يكن لدى سامانثا براون آمال عريضة عندما كانت تفتح حقيبة تحتوي على حوالي 700 شظية عظمية؛ إذ حذّرها البعض من المشقة التي ستتكبدها من جرّاء تحليل هذه العظام، وعدم احتمالية أن يكون أي منها لبشر.

استُخرجت هذه الحفريات من كهف دينيسوفا، وهو موقع أثري كائن في جنوب سيبيريا، حيث اكتشف العلماء في عام 2010 مجموعة من البشر القدامى، لم تكن معروفة من قبل. وقد تمكن الباحثون من التعرف عليها بناء على الحمض النووي المحفوظ في عظم أحد الأصابع، وأطلقوا عليها اسم إنسان الـ«دينيسوفان» Denisovans. وقد حوّل هذا الاكتشافُ المأوى النأي إلى واحد من أهم المواقع الأثرية في العالم.

فحصتْ براون كيس العظام، واختبرت كل عظمة منها على حدة، بحثًا عن البروتينات التي تميز أشباه البشر، فوجدت عظامًا تخص دببة، وبيسون (الثور الأميركي)، وضباع، بل وحتى ماموث، ووحيد القرن، لكن لم يكن هناك أي أثر لأشباه البشر الذين تبحث عنهم. وعليه، سافرت إلى سيبيريا؛ لتجمع المزيد من عينات العظام، التي كانت قد استُخرجت من كهف دينيسوفا، مدركة أن فرصها في النجاح ضئيلة.

ابتسم الحظ لبراون في يونيو 2015، حين تبين أن شظية طولها سنتيمتران، مأخوذة من عظمة طويلة، تحتوي على كولاجين أشباه البشر. تقول براون: "كانت لحظة اكتشاف أن إحدى العظام كانت لواحد من أشباه البشر مثيرة للغاية". إلا المفاجأة الحقيقة التي لم تكن براون تتوقعها تمثلت في الاكتشاف التالي الذي قام به زملاؤها في ألمانيا، الذين وضعوا تسلسل الجينوم الكامل للحمض النووي للعظْمة نفسها. وهكذا أعلن فريقٌ ضم براون، في العام الماضي، أن العظمة تخص امرأة عاشت قبل حوالي 100 ألف سنة، وكانت نتيجة تزاوج أُمّ تنتمي إلى فصيلة النياندرتال، وأب ينتمي إلى فصيلة الدينيسوفان2، وقد أطلقوا على هذه الفتاة الفريدة اسم «ديني».

تقول براون: "كان هذا اكتشافًا بعيد المنال، ولكنْ ما كان مذهلًا ورائعًا بالفعل، هو اكتشاف أن «ديني» تنتمي إلى الجيل الأول من السلالة. لا شك أنها تمثل خير شاهد على ما يمكننا العثور عليه مستقبلًا".

ومنذ ذلك الحين، توالت اكتشافات براون وزملاؤها لشظايا أخرى من عظام لأشباه البشر في كهف دينيسوفا، ويباشر الفريق مشروعًا لتحليل عشرات الآلاف من شظايا العظام التي عُثر عليها في الكهف ذاته، وفي مواقع أخرى من آسيايأتي هذا العمل البحثي في إطار محاولات توسيع نطاق البحث عن سلالة الدينيسوفان في جميع أنحاء القارة، حيث توجد آثار من الحمض النووي الخاص بهذه السلالة في الكثير من المجموعات البشرية الحديثةويأمل الباحثون أن يحددوا النطاق الذي انتشرت فيه هذه المجموعة الغامضة الذي ربما امتد من سيبيريا إلى أوقيانوسيا وأن يتعرفوا على طرق احتكاكها مع أنواع أخرى من أشباه البشر، ومن بينهم الإنسان العاقل Homo sapiens ، وإنسان النياندرتالهذا، ويأمل كثير من العلماء في العثور على بقايا وآثار أكثر اكتمالًا لسلالة دينيسوفان، حتى يتمكنوا من الشكل الذي كان عليه أفراد السلالة، والطريقة التي كانوا يتصرفون بها

بعد مرور قرابة العقد على اكتشاف إنسان الدينيسوفان، أخيرًا بدأت هذه السلالة تحظى باهتمام العلماء. وأخذت ثقة العلماء تزداد بأنهم سيكشفون قريبًا المزيد من بقايا هذه السلالة القديمة في مواقع أخرى بخلاف كهف دينيسوفا، ولعلهم عثروا على البعض بالفعل. وأشار الباحثون إلى إمكانية انتماء بعض الحفريات غير المألوفة في الصين سلالة الدينيسوفان.

يقول أندري كريفوشابكين - عالِم الآثار بمعهد الآثار والجغرافيا العرقية، التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، فرع سيبيريا، في نوفوسيبيرسك – الذي يُجْرِي أعمال التنقيب في كهوف بالقرب من دينيسوفا، وفي مواقع أخرى في آسيا الوسطى؛ بحثًا عن أدلة: إن "العثور على أحد أفراد سلالة الدينيسوفان يعتبر صيدًا ثمينًا".

كهف الراهب

يقع كهف دينيسوفا عند سفح جبال «ألطاي»، بالقرب من حدود روسيا مع منغوليا، والصين، وكازاخستان. تقول الأساطير إنّ الكهف، الذي يقع في وادٍ نهري أخضر، ويُذكّر بعض الزوار بسويسرا، قد سُمي على اسم أحد الرعاة المحليين أو أحد الرهبان الذين عاشوا في القرن الثامن عشر، واعتكف في غرف هذا الكهف ذات السقف العالي. يظل الكهف بعيدًا، حتى بالنسبة إلى الباحثين الذين يتوافدون خلال موسم التنقيب، الذي يستمر لستة أشهر على مدار فصلَي الربيع والصيف. تقول كاترينا دوكا، عالمة الآثار، والمشرفة على براون في معهد ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشري في ينا بألمانيا، التي زارت الكهف لأول مرة في عام 2013: "هناك، أنت معزول تمامًا عن العالم الخارجي"، مضيفة قائلة: "الموقع يشبه الجنة".

بدأ علماء الآثار السوفييت أعمال التنقيب في الكهف منذ سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين؛ حيث اكتشفوا عشرات الآلاف من الأدوات الحجرية، وشظايا عظام حيوانية، تعرّض كثير منها للقضم والهضم من قِبَل الضباع أو غيرها من آكلات اللحوم، التي سكنت الكهف. في عام 2009، تلقَّى سفانتي بابو، عالِم الوراثة في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في لايبزيج بألمانيا، عظمة صغيرة، مكسورة إلى نصفين، لإصبع أحد أشباه البشر، كان أحد العلماء الروس قد استخرجها من الكهف من قبل في العام السابق. تساءل بابو في البداية عما إذا كانت هذه العظمة تخص سلالة النياندرتال، لأنّ فريقه عثر على الحمض النووي للمجموعة في بقايا متشظية في كهف قريب، لكن بابو لم يتوقع الكثير، لأن قطعة العظم هذه كانت صغيرة جدًّا، وعليه، من غير المحتمل أن تحتوي على ما يكفي من الحمض النووي. وفي الواقع، وحسب قوله: "كانت هذه القطعة ملقاة هناك لمدة نصف عام"، قبل أن يحللها فريقه.

أثارت دينيسوفا 3 - وهو الاسم الذي تُعرف به هذه العظمة الآن - أسئلة، لا يزال العلماء يبحثون عن إجابة لها عنها. فإلى جانب الكشف عن وجود المجموعة الجديدة الغامضة من أشباه البشر1، أشار الحمض النووي الموجود فيها إلى أن كلًّا من الدينيسوفان، والنياندرتال ينحدران من سلالة لأسلاف البشر، أثبت المزيد من البحث أنها سلالة تباينت عن سلالة الإنسان الحديث، خلال الـ 800 ألف سنة المنصرمة، وغالبًا استوطنت جميع أنحاء آسيا3. ولا يزال البشر في جميع أنحاء القارة يحملون - بنسب متفاوتة - آثارًا من سلالة الدينيسوفان.

 

لا يزال كهف دينيسوفا هو المكان الوحيد الذي عُثر فيه على إنسان الدينيسوفان. وتشير اكتشافات، مثل العثور على «ديني»، إلى أن هذا الموقع كان في وقت من الأوقات نقطة التقاء مجموعات متنوعة من البشر. يضيف بابو قائلًا إنه عندما يتعلق الأمر بفهم مثل هذه التفاعلات بين المجموعات، فإن هذا الكهف يمثل "أحد أهم المواقع في العالم، إنْ لم يكن أهمها على الإطلاق".

في السنوات التي تلت اكتشاف إنسان الدينيسوفان، استعان العلماء بتسلسل الحمض النووي في إثبات أن مجموعة قليلة من الأضراس استُخرجت من الكهف تخص المجموعة نفسها4. كما عثروا على بقايا أخرى تحتوي على الحمض النووي الخاص بسلالة النياندرتال. يكشف تحليل «ديني» عن بعض التفاصيل المهمة عن المجموعتين. يقول بابو: "كنا نعلم أن الدينيسوفان، والنياندرتال قد عاشا هناك، لكننا لم نتصور أنهما تفاعلا معًا بمثل هذا القدر من الحميمية. ولذا، كان مدهشاً أن نعثر على دليل مباشر يسجّل، تقريبًا، لحظة اختلاطهما".

بالإضافة إلى ذلك، أسهَم أيضًا اكتشاف «ديني» في إقناع بابو وعلماء آخرين أنه سيمكن العثور على بقايا أفراد مشابهين، ينتمون إلى سلالة حديثة من مجموعتين لأشباه البشر، ربما أيضًا في كهف دينيسوفا. عثر الباحثون الذين حللوا جينوم «ديني» على علامات تشير إلى أن مجموعة الكروموسومات التي أسهَم بها الوالد، رغم انتمائها بوضوح إلى سلالة الدينيسوفان، فإنها تحتوي كذلك على أثار لسلالة النياندرتال، وهو الأمر الذي يشير إلى أن علاقات سابقة جمعت بين المجموعتين2. تقول دوكا: "علينا العثور على هؤلاء الأفراد".

يقول توم هايام، عالِم الآثار بجامعة أكسفورد البريطانية، الذي يعمل مع دوكا وبراون: "يظل الأمر محيرًا، فإما أنه ضربة حظ رائعة،  أو أن مثل هذا التزاوج حدث كثيرًا، حتى إننا قد نتوقع العثور على مثل هذه الأنواع في السجل الأثري".

نقاط التقاء مزدحمة

في الوقت الذي يأمل فيه بعض الباحثين في العثور على «ديني» أخرى، يسعى آخرون لتحديد الفترات التي تزامن فيها وجود مجموعات مختلفة من البشر في الكهف، وربما تزاوجوا. وقاد عالما التأريخ الجيولوجي زنوبيا جاكوبس، وريتشارد روبرتس، من جامعة ولونجونج الأسترالية، فريقًا قام بتأريخ رواسب من كهف دينيسوفا، من خلال تحليل مئات الآلاف من حبيبات الكوارتز، والفلدسبار5

قدر الباحثون من خلال أقدم الأدوات الحجرية التي عُثر عليها هناك أن أول سكان الكهف انتقلوا إليه قبل حوالي 300 ألف سنة، وكانوا - على ما يبدو - ينتمون إلى سلالة الدينيسوفان، أو النياندرتال. وأشار جاكوبس، وروبرتس في يناير الماضي5 إلى أن سلالة الدينيسوفان قد سكنت الكهف قبل 200 ألف سنة على الأقل إلى حوالي 55 ألف سنة، حين تكّونت طبقات الرواسب التي عثر فيها على دينيسوفا 3. قدر الفريق أيضًا أن بقايا النياندرتال ورواسبهم تعود إلى ما قبل 100 ألف إلى 190 ألف سنة.

 

قد يوحي ذلك بأن المجموعتين قد عاشتا معًا لفترات طويلة، إلا أن جاكوبس تنوه إلى أن الفريق لا يمكنه تحديد هذه الفترات، وأحد أسباب ذلك هو ندرة بقايا أشباه البشر. يبحث فريق بابو عن الحمض النووي لأشباه الإنسان في مئات عينات الرواسب القادمة من دراسة جاكوبس، وروبرت، وهو ما قد يساعد في تحديد الفترة التي سكنت فيها مجموعتا الدينيسوفان والنياندرتال الكهف، وما إذا كانتا قد عاشتا معًا في فترة زمنية معينة، أم لا.

ثمة أدلة أيضا على أن الإنسان الحديث قد سكن الكهف، وربما احتكُّ بهاتين المجموعتين الأخريتين. فقد عثر علماء الآثار في الرواسب الأحدث للكهف على أدوات ومجوهرات منحوتة من عظام وأسنان الغزلان وحيوانات أخرى، تشبه المصنوعات اليدوية المرتبطة بأول إنسان عاقل وصل إلى أوروبا، خلال حقبة عُرفت باسم العصر الحجري القديم الأعلى، التي بدأت تقريبًا منذ 50 ألف سنة.

وفي بحث أخر نُشر في يناير6، قدر فريق بقيادة دوكا، وهايام أن هذه المنحوتات يتراوح عمرها ما بين 43 ألف سنة، و49 ألف سنة، لكن شظية عظمية تراوح عمرها بين 46 ألف سنة، و50 ألف سنة، وتنتمي إلى أحد أشباه البشر كانت تفتقر إلى الحمض النووي المطلوب؛ لربطها بمجموعة بعينها.

اقترح علماء الآثار الروس الذين قادوا أعمال التنقيب في الكهف أن الأدوات والمجوهرات صنعتها مجموعة الدينيسوفان، وأن المجموعة كانت تملك القدرة على التفكير الرمزي، لكن علماء الآثار في الغرب يرجحون فكرة أن الأدوات من صنع الإنسان الحديث الأول، الذي عُثر على آثاره في موقع سيبيري آخر، وهي بلدة أوست-إيشيم7، ويعود إلى العصر الحجري القديم الأعلى.

يفحص العلماء الآن الرواسب الأحدث لكهف دينيسوفا بحثًا عن آثار وحمض نووي لأشباه البشر، يمكنها أن تساعد في الكشف عن صانع هذه المنحوتات. ويقول هايام إنّ أعمالًا بحثية مماثلة تجري في المواقع الأثرية الأخرى في سيبيريا، بما في ذلك العديد من المناطق المجاورة لكهف دينيسوفا، قد تسفر عن إجابات. ويستطرد قائلًا: "ثمة أشياء كثيرة مثيرة للغاية بدأت تحدث، والأمور تمضي بسرعة كبيرة".

البحث عن عظام

أعاق عدم وجود دليل أحفوري على وجود إنسان الدينيسوفان عمل الباحثين. وقد درس بينس فيولا مجموعة العظام، بما في ذلك دينيسوفا 3، التي جرى طحنها؛ لإجراء تحليل الحمض النووي، وكذلك العديد من الأضراس الكبيرة بشكل غير مألوف، التي لا تشبه أضراس النياندرتال، أو أضراس الإنسان الحديث8. يقول فيولا، أخصائي علم الإنسان القديم في جامعة تورنتو بكندا، "يمكن أن تملأ جميع بقايا إنسان الدينيسوفان صندوق صغير جدًّا بحق. لقد قضيتُ الكثير من الوقت محدقًا في هذه الشظايا والأسنان الصغيرة جدًّا. إنني - على الأرجح - الشخص الوحيد الذي رآها كلها".

ولكن بدأ يظهر المزيد من الآثار شيئًا فشيء؛ إذ عثر علماء الآثار الذين نقبوا كهف دينيسوفا في عام 2016 على قطعة مكسورة حديثًا من العظم الجداري - وهو جزء من الجمجمة – تحتوي على الحمض النووي الميتوكوندري لإنسان الدينيسوفان. تشبه هذه العظمة بعض الشيء عظام الإنسان المنتصب "Homo erectus"، أحد أنواع أشباه البشر، الذي يعتبره معظم الباحثين سلفًا قريبًا للبشر، والنايندرتال، وربما الدينيسوفان، (انظر: "شجرة متشابكة"). يقول فيولا: "من المؤسف أن المعلومات ليست مفيدة بالقدر الكافي. كنت أتوقع المزيد من الاستفادة منها". ومن المتوقع أن يشرح فيولا تحليله في شهر مارس في الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لعلماء الأنثروبولوجيا الفيزيائية. وهو يأمل أن يُعثر قريبًا على الأجزاء الأخرى من العظم الجداري، أو حتى على جمجمة كاملة. ويضيف: "سيكون رائعًا أن نعثر على المزيد".

كبر الصورة

SOURCES: REF. 3; C. B. STRINGER & I. BARNES PROC. NATL ACAD. SCI. USA 112, 15542–15543 (2015).

ولا يبدو أن العثور على البقايا المتشظية أمر يندر حدوثه؛ ففي وقت سابق من هذا الشهر، نشر هايام صورة على موقع «تويتر» لشظية عظمية طويلة في كيس بلاستيكي صغير. وكتب قائلًا: "حظ سعيد عظمة الدينيسوفان الصغيرة"، رغم أنه لا يعرف بعد لأيّ مجموعة من أشباه البشر تنتمي. كانت هذه هي قطعة العظم الخامسة التي تُستخرج من الكهف، بما في ذلك بقايا «ديني»، التي حدد الفريق أنها تنتمي إلى أشباه البشر. كان هايام قد استعان بتقنية تُسمَّى «قياس الطيف الكتلي لآثار الحيوانات» ((ZooMS، طُورت لتتعرف بسرعة على عظام الحيوانات المتناثرة في الغالب في أنحاء المواقع الأثرية. تُجزئ هذه التقنية الكولاجين، وهو البروتين الأكثر وفرة في العظام، إلى ببتيدات أصغر، ثم تستخدم مطياف كتلة؛ لتمييز الاختلافات بين الأنواع الحيوانية. يمتلك أشباه البشر تسلسلات ببتيد كولاجين متطابقة، وعليه، يلزم استخدام الحمض النووي؛ لتحديد هوية المجموعة التي تنتمي إليها البقايا.

في أعقاب النجاحات الأولى، فازت دوكا وزملاؤها في عام 2017 بتمويل من المجلس الأوروبي للبحوث، قدره مليوني يورو (2.3 مليون دولار أمريكي)؛ لتوسيع نطاق البحث عن إنسان الدينيسوفان إلى حوالي 20 موقعًا في أنحاء أوروبا وآسيا، من خلال دراسة ما يترواوح بين 30 ألف و40 ألف عظمة أخرى. تقول دوكا: "هناك أيام، يراودني فيها أمل كبير، وأيام أخرى أفحص فيها مئات العظام، وأجدها جميعًا عظام ضباع. إنني أشعر أنّ الصين هو المكان المناسب للبحث".

يشارك علماء آخرون دوكا الشعور نفسه، ويرجع ذلك، إلى حد كبير، إلى انتشار الحمض النووي لسلالة الدينيسوفان في الإنسان الحديث، فهو موجود بكثرة في الكثير من سكان الصين. بل ويتساءل بعض العلماء عما إذا كان هناك بالفعل هيكل عظمي لإنسان الدينيسوفان في مكان ما وسط إحدى مجموعات المتاحف في الصين، أم لا. ففي عام 2017، على سبيل المثال، قام أخصائيو علم الإنسان القديم بتوصيف الجماجمَ الكبيرة بشكل استثنائي لأشباه البشر الذين عاشوا قبل 105 آلاف سنة إلى 125 ألف سنة، التي عُثر عليها في موقع قريب من مدينة تزوتشانج في وسط الصين9. وبناءً على عمرها، وموقعها، وتشريحها المميز، يتساءل بعض الباحثين، ومنهم كريس سترنجر - أخصائي علم الإنسان القديم بمتحف التاريخ الطبيعي في لندن - عما إذا كانوا ينتمون إلى سلالة الدينيسوفان، أم لا. وفي هذا الصدد، يقول سترنجر: "مَن هم أفراد سلالة الدينيسوفان الذين عاشوا خارج كهف دينيسوفا؟"، مضيفًا: "لا بد أنهم موجودين في الصين".

يقول فيولا إن الجماجم التي عثر عليها في تزوتشانج لا تشبه شظية العظم الجداري التي عثر عليها، وإنه أكثر انشغالًا بالبقايا التي تعود إلى ما يقرب من 300 ألف سنة، والتي استُخرجت من موقع في شمال الصين، يسمَّى تشوجيايو، وتحتوي على أضراس تشبه الأضراس التي عُثر عليها في كهف دينيسوفا. يضيف فيولا: "سأندهش أيما اندهاش إذا تبين أن بعض المواد التي عثر عليها في الصين، وخاصة في تشوجيايو، لا ينتمي إلى سلالة الدينيسوفان".

حلل فريق بقيادة عالِم الوراثة كياوامي فو - الذي أنشأ مختبرًا للحمض النووي القديم في معهد علم حفريات الفقاريات وعلم الإنسان القديم، التابع لأكاديمية العلوم الصينية في بكين - الجماجم التي عُثر عليها في تزوتشانج وغيرها من الجماجم التي يُحتمل أن تنتمي إلى سلالة الدينيسوفان، لكنه يقول إنه لا يوجد، حتى الآن، أي أثر للحمض النووي الخاص بأشباه البشر في هذه البقايا.

قد تتيح البروتينات للباحثين فرصة أفضل للعثور على أحد أفراد سلالة الدينيسوفان في الصين، أو في أي مكان آخر في آسيا، لأنها عادة ما تدوم لفترات أطول من الحمض النووي. وقد استعانت دوكا لتوها بطالب دكتوراة في الصين؛ ليبحث في العينات هناك، وهي تأمل كذلك في تحليل بعض الآثار المستخرَجة من جنوب شرق آسيا، وبابوا غينيا الجديدة.

ونظرًا إلى أن شكل الكولاجين الذي تجزئه تقنية «قياس الطيف الكتلي لآثار الحيوانات» لا يختلف بين سلالة الدينيسوفان وغيرها من سلالات أشباه البشر، سوف يتعين على الباحثين وضع تسلسل بروتينات عظمية تُظْهِر تنوعًا أكبر للعثور على سلالة الدينيسوفان. كان فريدو ويلكر، عالِم الأنثروبولوجيا الجزيئية بمتحف التاريخ الطبيعي في الدنمارك في كوبنهاجن، قد بدأ للتو مشروعًا يستهدف التعرف على ما إذا كانت بقايا أشباه البشر - بما في ذلك البقايا المحتملة لإنسان الدينيسوفان - من عصر البليستوسين الأول والمتوسط – وهي الفترة التي امتدت قبل 2.6 مليون إلى 126 ألف سنة – تحتوي على بروتينات تشير إلى وجود علاقات تطورية. يقول ويلكر: "هذه حقبة زمنية لا تنجو منها الأحماض النووية القديمة بالضرورة، لكن البروتينات تنجح في البقاء".

يفترض الكثير من العلماء الآن أن كهف دينيسوفا كان بؤرة استيطانية في منطقة الشمال، اتخذ منه أفراد سلالة الدينيسوفان وسلالات أخرى من أشباه البشر موطنًا لهم، متى ساعد المناخ على ذلك. وحتى بعد فترة طويلة من اختفاء تلك المجموعات القديمة من الموقع، ظل الكهف نقطة جذب لمجموعات متباينة عديدة. ففي يوليو من عام 2018، اجتمع علماء أنثروبولوجيا، وعلماء آثار، وعلماء وراثة  ممن أصبحوا مولعين بهذا الكهف، هناك في الكهف، لتبادل أحدث اكتشافاتهم. أُطلق على المؤتمر اسم «أصول العصر الحجري القديم الأعلى في أوراسيا، وتطور جنس هومو»، وإنْ كان يمكن أن يُدعى: «دينيسوفاستوك».

كانت هذه هي المرة الأولى التي تزور فيها براون الكهف، وكانت تدرك أنها ستنبهر بالموقع الذي نضح بالكثير من الاكتشافات. وهي تقول إن المَناظر الطبيعية، والطبيعة الخصبة والخضراء المحيطة بالكهف، أعطتها فكرة عما جذب «ديني» وأقاربها للذهاب إلى هناك، حيث "يَسْهُل تخيّل رغبة البشر في أن يكونوا هناك".

References

  1. Krause, J. et al. Nature 464, 894–897 (2010) | article
  2. Slon, V. et al. Nature 561, 113–116 (2018). | article
  3. Meyer, M. et al. Nature 531, 504–507 (2016). | article
  4. Slon, V. et al. Sci. Adv. 3, e1700186 (2017). | article
  5. Jacobs, Z. et al. Nature 565, 594–599 (2019). | article
  6. Douka, K. et al. Nature 565, 640–644 (2019). | article
  7. Fu, Q. et al. Nature 514, 445–449 (2014). | article
  8. Sawyer, S. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 112, 15696–15700 (2015). | article
  9. Li, Z. Y. et al. Science 355, 969–972 (2017). | article

إيوين كالاواي يكتب لدورية Nature من لندن.