رؤية كونية

الطريق إلى الأبحاث الرديئة مفروش بالنوايا الحسنة 

ألان فينكل، كبير علماء أستراليا، يدعو إلى اتخاذ إجراءات رسمية تهدف إلى إرساء ممارسات بحثية أفضل.

ألان فينكل

  • Published online:
كبير علماء أستراليا

كبير علماء أستراليا

OFFICE OF THE CHIEF SCIENTIST

في عام 1969، تغيبتُ عن المدرسة؛ لأشاهد أول هبوط للإنسان على سطح القمر من منزلي. وبعد خمسين عامًا، أصبحتُ أجد صعوبة في تخيل أي حدث مِن شأنه أن يُبرر التغيب عن المدرسة في أيامنا هذه. السبب في ذلك ليس نقص الإنجازات في مجال الأبحاث، بل بالأحرى زيادة وتيرتها؛ فإذا ما أهمل الأطفال دراستهم في كل مرة يذيع فيها التليفزيون نبأ اكتشاف علمي مهم، كان جيلي يجرؤ بالكاد على التفكير فيه، فسينتهي بهم الحال إلى ألّا يحصلوا على أي تعليم على الإطلاق.

ومع ذلك، ثمة أصوات تعبِّر عن قلق متزايد بشأن مدى رصانة الأبحاث المنشورة، وإمكانية تكرار نتائجها. والمشكلات المتعلقة بالتحليلات والسير الذاتية المُبالَغ فيها معروفة جيدًا. أما الحوافز المالية والمهنية، فتدفع الباحثين إلى الاستمرار في إجراء الأبحاث، وإنتاج الأوراق البحثية بغزارة، كالآلة.

من بين الـ 1.6 مليون ورقة بحثية تقريبًا، التي تُضاف حاليًّا كل عام إلى قاعدة البيانات «ويب أوف ساينس» Web of Science، لا يمكننا معرفة كَمْ ورقة بحثية تشوبها العيوب، نتيجة لذلك الأمر؛ إلا أننا قد نتفق على ضرورة تحويل تركيزنا من الكَمّ إلى الكيف، إذا أردنا أن نحمي أنفسنا من الأبحاث الرديئة.

إذًا، كيف السبيل إلى ذلك؟

بصفتي كبير العلماء في أستراليا، تتضمن مسؤولياتي إسداء المشورة للمسؤولين الحكوميين، ومساندة جهود تطوير العلوم محليًّا وعالميًّا. في أواخر العام الماضي، نظّمتُ اجتماعًا رفيع المستوى في كانبيرا، لمناقشة المنهجيات التي تم تجريبها، وكيفية الارتقاء بأَفْضلها، بحيث تصبح التزامات. كان الحاضرون يتألفون مما يزيد قليلًا على اثنى عشر شخصًا، ما بين نواب مستشارين لمؤسسات أكاديمية، ورؤساء هيئات مانحة، ووكلاء لنواب مستشارين لمؤسسات أكاديمية، وكبار علماء وباحثين، وأخصائيي نشر، كان من بينهم فيليب كامْبِل، رئيس التحرير السابق لدورية Nature. لقد تحدثنا بصدق عن موضوعات صعبة.

لقد خرجتُ بالعديد من الأفكار بشأن كيفية الانتقال من مجرد النوايا الحسنة إلى العمل على إجراء أبحاث أفضل.

إنّ أهم ما يجب أن نفعله هو التخلي عن افتراض أنّ منظومة المتدرِّب المساعد السلبي منظومة فاعلة. لقد كنتُ محظوظًا عندما تدربتُ تحت إشراف عالِم عظيم، هو عالِم الأعصاب ستيف ريدمان في الجامعة الأسترالية الوطنية في كانبيرا. كان يلقي بنا في المياه العميقة؛ ليعلِّمنا السباحة، ولكنه لم يكن ليدعنا نغرق. كنا منغمسين في بيئةٍ، يأخذ فيها إنتاج الأوراق البحثية وقته؛ بيئة تشجع على طرح الأسئلة، والتأمل الذاتي. لقد منحني ريدمان المساحة اللازمة لأصنع قرارتي بنفسي، وأتاح لي الفرص؛ لكي أكتسِب الخبرة التي كنتُ أحتاجها. كان يشجعني على دراسة مقررات جامعية، وقضاء أسابيع في مختبر أحد الزملاء، وتعلُّم الأساسيات من الموظفين التقنيين. وفي هذا العمق، كوّنْتُ فهمًا عميقًا لما يعنيه أن تَكُون عالمًا، دون أن أحصل على أي دورة تدريبية متخصصة من المنظومة العلمية.

 

في أيامنا هذه، لم تعد الأمور كما كانت. لم يعد بإمكاننا الاعتماد على نموذج يَفترِض وجود ما يكفي من الوقت والموارد لدى مشرفينا الأكاديميين، وقد باتوا لا يملكون أيًّا منهما. يجب على المؤسسات تقديم توجيهات صريحة فيما يتعلق بنزاهة الأبحاث، وإدارة البيانات، والأمور التي يجب توقعها خلال المسار الوظيفي. يُعَد التدريب بالفعل أمرًا إلزاميًّا في بعض المناطق، وبعض المجالات. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، غالبًا ما تشترط الزمالات التدريبية اجتياز دورات عن قواعد السلوك المسؤولة عمّا يتعلق بإجراء الأبحاث العلمية. وفي أستراليا، يجب على الأشخاص الذين يعملون عن قرب مع الحيوانات إكمال دورة تدريبية عن كيفية التعامل مع الحيوانات، إلا أن أنواع تلك التدريبات تتفاوت تفاوتًا واسعًا من حيث مستوى الجودة، ويُنظر إليها - في كثير من الأحيان - على أنها تدريبات شكلية. ولضمان تحقيق أقصى استفادة من التدريب، ينبغي أن تكون البرامج معتمَدة، وذات طبيعة عملية، وأنْ يتم احترامها.

كذلك يجب أن يُشترط على المؤسسات تدريب مشرفي مرحلة الدكتوراة في مجال التوجيه والإشراف، وتدريبهم على دور القادة في خلق ثقافة بحثية سليمة. وبالإضافة إلى ذلك، يجب ألا يُقيم المشرفين والموجهين الأكاديميين من منطلق عدد الأشخاص الذين أشرفوا عليهم، وإنما من واقع بيانات الأثر البحثي المتعلقة بالمشروعات، ومن واقع تطور المسار المهني لاثنين - على الأقل - من طلاب الدكتوراة؛ وفي الحالة المثالية، طالبة واحدة، وطالب واحد على الأقل. وليس لديَّ عِلْم عن أيّ مؤسسة تشترط حاليًّا تطبيق مثل هذه الممارسة.

وبعد ذلك، يجب على المؤسسات أن تستجيب للدعوات المتزايدة للتخلي عن حساب عدد الأوراق البحثية، والمقاييس المماثلة المستخدَمة في تقييم الباحثين. لقد أظهر أحد الأساليب البديلة – أسلوب «قاعدة الخمسة» – التزامًا واضحًا بالجودة، وهو أسلوب يقدِّم فيه المرشحون أفضل خمس أوراق بحثية أنتجوها على مدار السنوات الخمس الماضية، على أن تكون مصحوبة بوصف للبحث، وأثره، ووصف لإسهامات الباحثين الفردية. الأرقام الدقيقة لا أهمية لها؛ فما يهمّ هو التركيز على الجودة. عدد قليل فقط من المؤسسات يشترط على المراجعين أخذ الإسهامات الفردية في الاعتبار، بدلًا من قوائم المنشورات. وهذا التحول لم يكن أمرًا سهلاً. وينبغي تنبيه المراجعين، على سبيل المثال، إلى ضرورة استخدام محرك «جوجل» للبحث عن «مؤشرات هيرش» h-indices، وقوائم الاستشهادات الخاصة بفرادى الباحثين. إن المثابرة والتأمل الذاتي أمران أساسيان.

يجب على الجهات التمويلية أن تكون في صدارة الجهود التي تدفع لإحداث هذه التغييرات؛ فلا يجب اعتبار أي شخص مؤهَّلًا للحصول على المِنَح، إلا المتقدمين الذين أكملوا برنامجًا تدريبيًّا معتمَدًا في مجال نزاهة الأبحاث. لقد تبنَّتْ بالفعل هيئات، مثل المجلس الوطني لأبحاث الصحة والأبحاث الطبية في أستراليا، "قاعدة الخمسة" في بعض البرامج. بل ويجب على هذه الهيئات أن تفعل أكثر من ذلك، وتضمن إعطاء التقييمات ثقلًا لإسهامات المتقدم في الممارسات المهنية، مثل التوجيه الأكاديمي، وأعمال مراجعات الأقران.

ويجب على الدوريات العلمية أن تتحول من كونها مجرد جهات ناشرة للمعرفة إلى كونها جهات راعية للمعرفة. إنّ رعاة المعرفة لن يقوموا بنشر الأبحاث، ومِن ثَم ينسون أمرها، بل سيضمنون أنْ تَظَلّ البيانات متاحة، وسيعطون الأولوية للاهتمامات المتعلقة بجودة الأبحاث. يشمل ذلك إجراء تحقيقات فورية عند الاشتباه في وجود أبحاث منشورة تشوبها عيوب. ولا ينبغي لورقة بحثية تم سَحْبها بعد النشر أن تختفي من الوجود، بل يجب وَسْمها على المواقع الإلكترونية الخاصة بالدوريات بعلامةٍ واضحة تقول إنها "ورقة تم سَحْبها". ويتعين بذْل بعض الجهد؛ لإخطار القراء والباحثين الذين استشهدوا بهذه الورقة بهذا الأمر. لقد قامت لجنة أخلاقيات النشر، ومركز العلوم المفتوحة بتدوين هذه المعايير، التي تأخر اعتمادها من جانب العديد من دور النشر، ونتيجة لذلك، لا تزال المزاعم التي تم التراجع عنها وسَحْبها بعد النشر منتشرة بلا توقف. وقد خلصت تحليلات إلى أن أوراقًا بحثية عديدة تتلقى عددًا أكبر من الاستشهادات بعد سَحْبها، عن ذي قبل.

إن الناس يستجيبون للحوافز، ولن يأتي التغيير، إلا عندما تكون المِنَح والترقيات مرهونة بأفضل الممارسات. وإذا لم يحدث هذا، فسنظل نتحدث عن هذه المشكلة أثناء متابعتنا لمهامّ الهبوط القادمة على سطح القمر.