مستقبليات

التجربة

محاولة للفرار

مايكل آدم روبسون
  • Published online:

Illustration by Jacey

خَلْف الزجاج، تَدَلَّى جنين مشوه لطفلة داخل زمرة من الأنابيب المتشابكة، كما لو كان قنديل بحر مضيئًا غمره الضوء الأخضر الباهت. كانت الطعوم المنغرسة والكابلات تخرج من جمجمتها الرخوة، وامتدت أوردة سلكية سوداء تحت جلدها الشفاف. كانت نتاج تجربة لصنع هجين آليّ.

سدد نظرة خاطفة إلى أعلى، تجاه العين الزجاجية التي لا حياة فيها، والمثبتة على السقف؛ إلى ذلك الضوء الأحمر الثابت الخاص بالمؤشر. كانت الآلات تحلِّل كل حركة تبدر منه. وقريبًا، لن يكونوا بحاجة إلى شخص مثله لإطعام الأسماك. سيكونون على عِلْم بكل ما يحتاجون إليه للاعتناء بوحوشهم؛ حتى تنمو.

وضع يده على الخزان الدافئ، فظهرت المخططات البيانية الخاصة بالطفلة. في حياة أخرى، كان طبيبًا، وكان هذا السجن القاتم القذر مستشفى، لكنّ التفكير بذلك ما كان ليساعده الآن . كانت كيمياء هذه المخلوقة شاذة، واستحالت قراءة نشاط دماغها الذي أُعيدت برمجته، فيما بدا معدل ضربات القلب لديها منخفضًا. داعبَتْه فكرة قَطْع غاز الأكسجين عنها، وخنْقها، لكنه، بدلًا من ذلك، رفع درجة تركيز الغاز قليلًا،  ومضى في طريقه.

كانت هناك ثماني عيّنات في هذه المجموعة. قام بفحص خزاناتها واحدة تلو الأخرى، وأجرى لها التعديلات التي اعتَقد أنها كانت في حاجة إليها. لم تكن سوى مسوخ من اللحم والبلاستيك...أدمغة تغزوها أسلاك داكنة.  كانت الآلات على الأرجح تحلل بالهندسة العكسية تصميم عقول هذه المسوخ؛ لتتوصل إلى طرق جديدة لجعْل هذه الآلات نفسها أكثر ذكاءً.

عندما غادر، ربما كانت هذه المخلوقات التعسة كل ما تبَقّى من البشرية. ما الذي قد يحدث لها؟ هل كانت مجرد تُحَف ستُجرى فهرستها، وتشريحها، ثم يتم التخلص منها؟ أم تراها كانت تُربَّى لغرض ما؟ هل لإنتاج سلالة جديدة؟

جلس على أرضية القرميد الباردة، ووضع رأسه بين راحتيه. عبر الجدار، شَعُرَ بالطرقات البعيدة المكتومة الصادرة عن المحرّكات الدائرة، وأطلق العنان لمخيلته، مفكرًا في ماهية التجارب الأخرى المحتمل أنها تجري هنا. لعل هناك بشر آخرون مثله محبوسون في غُرَفٍ لا نوافذ لها، يديرون تجارب بيولوجية فوضوية، أو ربما كان ما يتنامى إلى سمعه هو صوت آلات تَصْنَع آلات، أو تفرز جيلًا جديدًا من الحياة الاصطناعية، يختلف عن صُنَّاعه بالقدر الذي كان يختلف به هؤلاء الصناع عنه هو.

وبينما كان مستغرقًا بتساؤلاته تلك، توقف ضجيج الآلات على الجانب الآخر من الجدار؛ ففتح عينيه.

بعدها، بدأ نوع آخر من الطرقات. كانت قوية وغاضبة وصادرة عن شيء حيّ. تعثَّر مبتعدًا عن الجدار الذي تَداعَى تحت وطأة ضربات وَحْش اندفع عبره. كان كابوسًا نابضًا بالحياة، تصدر عنه طقطقة، وله قدمان من الفولاذ، ولحم محترق. التفت الوحش نحوه بوجهه البشع، وأطلق زئيرًا عميقًا ومجلجلًا.

انتابه الهلع، فهرع زحفًا إلى الجانب الآخر من الحجرة، ولم يستطع أن يُبْعِد ناظريه عن هذا الشيء، أو أن يدرك ماهية ما يراه.

تَحَوَّل الوحش إلى الجدار التالي، وضرب الخرسانة بأطرافه الثقيلة التي تشبه الثقّابات؛ فأحدث فيها حفرةً؛ عَبَرَ مسرعًا من خلالها.

الآن، شَعُرَ أن قلبه هو الذي يدق بقوة، وليس الآلات. كان يحتقر زنزانته، لكنه كان ممتنًا لأنها لم تبقيه بداخلها فحسب، وإنما كانت تُبْقِي كذلك أشياء كهذا المخلوق في الخارج؛ أو هكذا كان يُفتَرَض بها.

مع انقشاع الغبار، رأى شعاعًا من الضوء الرمادي ينسدل مارًا عبر الحفرة. كان هذا مَنْفَذًا للهرب.  

كانت العين الزجاجية المثبتة في السقف قد تحطمت، وانطفأ الضوء الأحمر. فوقف على قدميه، وهو يرتجف.

كانت الخزانات لا تزال تُصْدِر هديرها. فذهب إلى الخزّان الأول، وأظهر مجدَّدًا المخططات البيانية الخاصة بالطفلة، فظهرت مشوَّشة، ولكنها كانت - فيما عدا هذا - طبيعية، كعهدها على الدوام.

فحص العين الميتة المثبتة على السقف مرة أخرى. ماذا يجب عليه أن يفعل؟ هل كانت هذه المخلوقات تستحق فرصة الحياة؟ أم هل يحكم عليها أن تحيا حياة قاسية، يملؤها التجريب والعبودية؟

انحنى، ورفع كتلة ثقيلة من الخرسانة من بين الأنقاض.

رفع الكتلة فوق مستوى رأسه، وألقى بها على الخزان؛ فتشقق الزجاج مكوِّنًا شبكة شبيهة ببيت العنكبوت. ارتفعت العلامات الحيوية الخاصة بالطفلة سريعًا، ففتحت الطفلة عينيها الشاحبتين، وحدقت فيه.

اغرورقت عيناه بالدموع، وهو يرفع الصخرة مرة ثانية، ويحطَّم الخزان. ثم رفعها مجددًا؛ ليسحق ذلك الشيء المشوه القابع بداخله.

حطَّم الخزانات وقاطنيها البائسين واحدًا تلو الآخر، ثم ألقى كتلة الصخر اللعينة، ومسح الدموع من عينيه، ووَلَّى هاربًا.

كانت الشمس تظهر في الأفق كدائرة باهتة في سماء بِنْية قذرة، وكان الرماد يتطاير عبر الأنقاض الباردة للمدينة، وكأنه ثلج داكن. من على بُعْد، سمع صرخة حادة مدوية أَطْلَقها شخص هارب مثله؛ فالتفت إلى الوراء، وذهب في الاتجاه المعاكس وهو يهيم متعثرًا عبر الشوارع المتصدعة، والمباني المهدمة.

بدا الذباب الذي كان يئز من حوله وكأنه العلامة الوحيدة على وجود حياة، فيما عدا أن هذا الذباب لم يكن حيًّا، فقد كان مجرد آلات. أخذ يذب الذباب الآلي عنه، ويركض ورِئَتاه تجاهِدان كي يتنفس في هذا الهواء الملوث. توهجت أضواء حمراء من قلب الظلال، حيث كانت روبوتات تزحف على الجدران، وتنظر عبر النوافذ المحطمة، موجهةً إليه سهام الاتهام بأعينها الزجاجية.

هل سلك التصرف الصائب؟ لقد قتل هذه المخلوقات؛ اغتال أطفالًا.

انطلقت الروبوتات تطارده، فقادته إلى جسر منهار فوق نهر من الرواسب الطينية الغليظة. في هذه الأثناء، كانت آلات مدرعة ضخمة تشق طريقها محدثة دويًا مكتومًا عبر الشارع. لم يكن ثمة مكان يأوي إليه. ولم يسبق أن كان هناك واحد.

كانت الرياح تعوي فوق النهر الذي بدا لونه داكنًا كالنفط. لم يكن هناك سوى مهرب واحد؛ القفز.

ارتطم بقوة، وغاص في ظلام بارد. أحرقت المواد الكيميائية عينيه، ورئتيه، بينما كان يحاول جاهدًا الوصول إلى السطح، وهو لا يعرف أي طريق يؤدي إلى أعلى. وفي خضم انعدام الرؤية، والغرق، شعر باندفاع النهر يتلاشى ببطء، ويتحول إلى أجواء من التشوُّش الاستاتيكي الأبيض.

فتح عينيه، واستيقظ من الحلم. كان يطفو داخل خزان، وسط كتلة متشابكة من الأنابيب والكابلات.

كانت ذكرياته مشوَّشة. هل كان قبل الآن على الجانب الآخر من الخزان؟ لم يستطع التذكر.

عَبْر الزجاج السميك، استطاع أن يرى العين الخاوية من أدنى أثر للحياة المثبتة على السقف؛ ذلك الضوء الأحمر الثابت. كانت الأسلاك تتلوى داخل دماغه، وغاص في الكابوس التالي.   

مايكل آدم روبسون مهندس وفنان مقيم في فانكوفر بمقاطعة كولومبيا البريطانية. هذه القصة هي ثالث قصة يكتبها لقسم«مستقبليات».