أنباء وآراء

علم الأرض: فن إلغاء الاندساس

تحمل الصفائح التكتونية المنغمسة في طبقة الوشاح العميق الأرضية سجلًا بالعمليات التكتونية القديمة التي طرأت على سطح الأرض. وقد طوَّر باحثون طريقة لاستعادة تلك السجلات، وهي طريقة يمكنها توضيح العلاقات التي تربط بين التكتونية، وتكوُّن الجبال.

ديتمار مولر

  • Published online:

تُعد جبال الأنديز سلسلة الجبال القارّية الأطول على سطح الأرض. وأعلى هذه السلاسل ارتفاعًا خارج آسيا. تكونت تلك الجبال عندما تحركت صفيحة تكتونية محيطية – صفيحة «نازكا» Nazca، الواقعة أسفل شرق المحيط الهادئ – في اتجاه قارة أمريكا الجنوبية، وإلى أسفل منها (شكل 1)، وهي عملية يُطلق عليها اسم «الاندساس» Subduction. وتدريجيًّا، أَحْدَثَ الضغط المستمر الناتج عن هذا الاندساس انضغاطًا للقشرة القارّية، وزاد من ثخانتها؛ وهو ما تسبب في صعود جبال الأنديز. وقد أدّى صعود هذه الجبال إلى تغيُّر المناخ، وتطور البيئة الطبيعية والتنوع البيولوجي1. مع ذلك، ففهْمنا للأسباب التي أدّت إلى صعود تلك الجبال لا يزال غير مكتمل. وفي عدد نُشر مؤخرًا من دورية Nature، يقترح تشين وزملاؤه2 إجابة جديدة لتساؤلاتنا في هذا الصدد.

شكل 1 | الاندساس على طول الساحل الغربي لقارة أمريكا الجنوبية. تشكلت جبال الأنديز نتيجة لأن صفيحتي «فارالون»، و«نازكا» التكتونيتين، الواقعتين أسفل المحيط الهادئ تحركتا في اتجاه قارة أمريكا الجنوبية وتحتها، وهي عملية تُسمَّى "الاندساس". تُظهِر هذه الخريطة طبوغرافية قاع البحر وجبال الأنديز المجاورة. وتَظهر منطقة الاندساس بوضوح على شكل هذا الشق الأزرق العميق الممتد على طول الساحل. وقد أجرى تشين وزملاؤه2عملية إعادة تصوُر؛ لتوضيح الطريقة التي انتقلت بها ألواح من الصفائح - منغمسة حاليًّا في عمق الوشاح الأرضي - إلى هذا المكان عبر عملية الاندساس. ويُظهِر الشكلُ المرتفعات والأعماق الطبوغرافية بقِيَم تفوق قيمها الفعلية بعشرين مرة، لزيادة درجة الوضوح.

شكل 1 | الاندساس على طول الساحل الغربي لقارة أمريكا الجنوبية. تشكلت جبال الأنديز نتيجة لأن صفيحتي «فارالون»، و«نازكا» التكتونيتين، الواقعتين أسفل المحيط الهادئ تحركتا في اتجاه قارة أمريكا الجنوبية وتحتها، وهي عملية تُسمَّى "الاندساس". تُظهِر هذه الخريطة طبوغرافية قاع البحر وجبال الأنديز المجاورة. وتَظهر منطقة الاندساس بوضوح على شكل هذا الشق الأزرق العميق الممتد على طول الساحل. وقد أجرى تشين وزملاؤه2عملية إعادة تصوُر؛ لتوضيح الطريقة التي انتقلت بها ألواح من الصفائح - منغمسة حاليًّا في عمق الوشاح الأرضي - إلى هذا المكان عبر عملية الاندساس. ويُظهِر الشكلُ المرتفعات والأعماق الطبوغرافية بقِيَم تفوق قيمها الفعلية بعشرين مرة، لزيادة درجة الوضوح.

DIETMAR MÜLLER

ما هي تحديدًا العلاقة بين تَكوُّن جبال الأنديز، وظاهرة الاندساس؟ وجهة النظر الراسخة3 في الأذهان هي أن عملية الاندساس باتجاه غرب قارة أمريكا الجنوبية تواصلت منذ نقطة ما خلال العصر الجوراسي (الذي امتد من فترة بين 201 مليون و145 مليون سنة مضت تقريبًا)، لكن بداية صعود جبال الأنديز حدثت في وقت أقرب من ذلك بكثير، وتراوحت تقديرات زمن حدوثها بأنه في نقطة ما بين العصر الطباشيري المبكر4 (قبل حوالي 130 مليون سنة)، وبواكير حقبة الحياة الحديثة5(قبل حوالي 50 مليون سنة مضت). وعلى الرغم من اختلاف تلك التقديرات، يتفق علماء ديناميكية الأرض على أن تفاعُل ألواح الصفائح التكتونية المندسة أسفل المحيط مع الجزء السفلي العميق من طبقة الوشاح الأرضية هو المسؤول عن صعود جبال الأنديز4،5، كما أنه ينظم عملية توازن القوى التكتونية عند سطح الكوكب.

يتحدى تشين وزملاؤه بصورة أساسية وجهة النظر القائلة إنّ صعود جبال الأنديز حدث في سياق منظومة اندساس ظلت نشطة لفترة طويلة. ويشير هؤلاء الباحثون إلى أنه سادت فترة خلت من عمليات الاندساس على طول الساحل الغربي لقارة أمريكا الجنوبية قبل ظهور جبال الأنديز، وأن بدء عملية الاندساس يمثل مفتاح فهْم طبيعة ميلاد تلك السلسلة الجبلية. وقد توصّل الباحثون إلى هذا الاستنتاج باستخدام طريقة جديدة للربط منطقيًا بين عمليات تغيُّر شكل الصفائح التكتونية، بناءً على صور (تم الحصول عليها من دراسات للموجات الزلزالية) لصفائح تكتونية مغموسة داخل طبقة الوشاح العميق.

لاحظ الباحثون أن لوح صحيفة «نازكا» - الواقع أسفل قارة أمريكا الجنوبية - يصل إلى أعماق تتراوح تقريبًا بين 1100، و1300 كيلومتر فقط، وأن هناك، تحت تلك الأعماق، فجوة لوحية6 هي بمثابة منطقة من طبقة الوشاح تفصل لوح صحيفة «نازكا» عن قطاع أعمق من لوح مندس. ولاحظ الباحثون أيضًا أن نموذجًا7 لتكتونية الصفائح العالمية نشرته مجموعتي البحثية (يتضمن عملية إعادة تصوُر للأحداث تبيِّن أن القشرة المندسة حاليًّا كانت تُشكِّل يومًا ما جزءًا من قاع المحيط) يدل ضمنًا على أن عملية الاندساس على طول غرب قارة أمريكا الجنوبية كانت غير متواصلة، وجرت على حلقات في فترة ما بين 80 مليون، و55 مليون سنة مضت، عندما ابتعدت الصفيحة المحيطية المسبِّبة للاندساس عن قارة أمريكا الجنوبية. كنتُ على دراية بهذه اللمحة التي يُظْهِرها نموذجنا، ولكنني توخّيت الحذر في تفسيرها، نظرًا إلى أن عمليات إعادة تصوُر تاريخ الاندساس على طول غرب قارة أمريكا الجنوبية تتضمن عوامل يصعُب قياسها كميًّا.

أحد الشكوك الرئيسة في هذه الفرضية له علاقة بتأثير الحركة النسبية لشرق أنتاركتيكا وغربها على طول منظومة صَدْع غرب أنتاركتيكا، وهي المنطقة التي تفككت فيها الكتل التكتونية أسفل شرق وغرب أنتاركتيكا في الماضي. يختبئ جزء كبير من تلك المنظومة أسفل طبقة سميكة من جليد اليابسة، وهو ما يعني وجود عدد محدود من الأدلة المباشرة على الحركة النسبية لهاتين الكتلتين التكتونيتين (باستثناء الحركة التي حدثت بعد 43 مليون سنة مضت8). ولهذا، تعتمد عمليات إعادة تصوُّر شكل الصفائح التكتونية في أنتاركتيكا قبل 43 مليون سنة على أدلة جيولوجية ظرفية9. ولهذا أهميته في محاولات إعادة تصوُّر التاريخ التكتوني لجبال الأنديز، فمن أجل وضع نموذج للحركة النسبية التي كانت موجودة في الماضي ما بين أمريكا الجنوبية، والصفائح الواقعة في حوض المحيط الهادئ، نحتاج إلى فهم الحركات النسبية للصفائح المجاورة الخاصة بأمريكا الجنوبية، وأفريقيا، وشرق أنتاركتيكا وغربها، وكذلك صفيحة فارالون-نازكا، والتي يؤثر سلوكها الجماعي في تكتونية جبال الأنديز (تندس صفيحة «فارالون» Farallon أسفل الأمريكتين، وقد تجزأت إلى العديد من الصفائح الأصغر حجمًا، من بينها صفيحة «نازكا»).

والآن، يبرهن تشين وزملاؤه ببراعة على أن فترات التباعد المقترحة7 بين أمريكا الجنوبية، وصفيحة فارالون-نازكا المندسة تتسق مع نطاق انتشار الألواح المندسة في الوشاح السفلي تحت أمريكا الجنوبية، وفقًا لما تم قياسه باستخدام تقنيات التصوير السيزمي، وبإقران ذلك مع التاريخ الجيولوجي لجبال الأنديز. وقد استخدم الباحثون لإثبات وجهة نظرهم مقاربة حوسبية لمحاكاة الكيفية التي يمكن لقاع المحيط المندس أن ينجذب بها إلى خارج الوشاح. ومقاربة "إلغاء الاندساس" الحوسبية تلك تقوم بعكس المسار الذي سلكته هذه المواد المدفونة على أعماق كبيرة، وتُعيد الألواح إلى السطح في نهاية المطاف.

تكشف النتائج أن ظاهرة الاندساس بدأت قبل حوالي 80 مليون سنة، وانتشرت ببطء من الشمال إلى الجنوب. والاندساس على طول غرب أمريكا الجنوبية بكامله - كما يُلاحَظ في وقتنا الحاضر - لم يحدث إلا منذ 55 مليون سنة مضت. أما الألواح المندسة، فقد تفاعلت للمرة الأولى مع طبقة الوشاح السفلي بعد فترة تتراوح بين 10، و30 مليون سنة من بدء عملية الاندساس. يتسق هذا النموذج الجديد مع الفكرة القائلة إنّ جبال الأنديز بدأت تتشكل خلال حقبة الحياة الحديثة. ولعله يفسر وجود الفجوة بين الألواح؛ فما يقترحه واضعو الدراسة هو أن الفجوة نشأت نتيجة لتغير نسق الاندساس في وقت ما قبل 80 مليون سنة. وكذلك تشير عملية إعادة تصوُر الأحداث التي صاغها تشين وزملاؤه إلى أن بدء الاندساس على طول المناطق الوسطى والجنوبية من قارة أمريكا الجنوبية يفسر ظاهرة السكون التي شهدها تكوُّن صهارة جبال الأنديز والزيادة اللاحقة في تكونها، التي حدثت قبل حوالي 80 مليون سنة.

يبقى هناك سؤال معلق يتصل بتاريخ الاندساس الخاص بجبال الأنديز قبل 90 مليون سنة. وهذا السؤال سيكون بالغ الأهمية إذا أردنا فهْم السبب وراء حدوث الفجوة بين الألواح. قد تساعد المعلومات حول الصفائح المندسة، المدفونة في أعماق الوشاح (على عمق يربو بكثير على 1500 كيلومتر) في تلك المنطقة، على تحسين مواطن قصور النماذج التكتونية والجيوديناميكية المحلية والعالمية. وقد تسلِّط تلك المعلومات الضوء كذلك على أصول التغير المحير لنسق الصفائح التكتونية الذي حدث قبل فترة تتراوح بين 100 مليون سنة، و105 ملايين سنة تقريبًا، والذي أدى إلى إنهاء ظاهرة الاندساس على طول الحواف الشرقية لأستراليا، وأنتاركتيكا7.

إنّ مقاربة تشين وزملائه الذين شاركوه في وضع الدراسة قد يتم تطبيقها على العديد من منظومات الاندساس. ويرجع ذلك بالأخص إلى أن الصور الملتقطة عبر تقنية التصوير السيزمي للوشاح أصبحت أكثر دقة ووضوحًا، ويجري استخدامها بشكل متزايد لفك شفرة تطوُّر المناطق ذات النشاط التكتوني المعقد10،11. وسوف يساعد التقدم الذي طرأ مؤخرًا12 فيما يتعلق بالطرق السيزمية، وتطوير النماذج الأرضية في تحسين تقنيات تصوير الوشاح العميق، خاصةً في المناطق التي لا يعمل فيها التصوير السيزمي بشكل جيد، والتي ينتشر فيها استخدام الأدوات التي تعمل على سطح الأرض واللازمة لتسجيل الصور السيزمية. ومِن المنتظَر أن تؤدي تلك التطورات - بالجمع بينها وبين عمليات تحسين النماذج الجيوديناميكية التي تدمج بين الصور السيزمية للوشاح13،14- إلى إحداث تغيير في فهمنا لتاريخ تطور الأرض اليابسة.

References

  1. Hoorn, C. et al. Science 330, 927–931 (2010). | article
  2. Chen, Y.-W., Wu, J. & Suppe, J. Nature 565, 441–447 (2019). | article
  3. Oncken, O. et al. in The Andes Ch. 1, 3–27 (Springer, 2006). | article
  4. Schellart, W. P. Nature Commun. 8, 2010 (2017). 
  5. Faccenna, C., Oncken, O., Holt, A. F. & Becker, T. W. Earth Planet. Sci. Lett. 463, 189–201 (2017). | article
  6. Li, C., van der Hilst, R. D., Engdahl, E. R. & Burdick, S. Geochem. Geophys. Geosyst. 9, Q05018 (2008). | article
  7. Müller, R. D. et al. Annu. Rev. Earth Planet. Sci. 44, 107–138 (2016). | article
  8. Davey, F. J. et al. Geophys. Res. Lett. 43, 6162–6169 (2016). | article
  9. Matthews, K. J. et al. Earth Sci. Rev. 140, 72–107 (2015). | article
  10. Sigloch, K. & Mihalynuk, M. G. Nature 496, 50–56 (2013). | article
  11. Yang, T., Moresi, L., Zhao, D., Sandiford, D. & Whittaker, J. Earth Planet. Sci. Lett. 492, 1–11 (2018). | article
  12. Fichtner, A. et al. Geophys. Res. Lett. 45, 4007–4016 (2018). | article
  13. Ghelichkhan, S. & Bunge, H.-P. Proc. R. Soc. A 474, 20180329 (2018). | article
  14. Price, M. G. & Davies, J. H. Geophys. J. Int. 212, 1450–1462 (2018). | article

يعمل ديتمار مولر في كلية علوم الأرض بجامعة سيدني، سيدني، نيو ساوث ويلز 2006، أستراليا.

البريد الإلكتروني: dietmar.muller@sydney.edu.au