تحقيق إخباري

قدرة توصيل فائقة بزاوية سحرية

يسعى الباحثون جاهدين لفهم السلوك الغريب لمجموعات جرافين متراصة بشكل غير منضبط.

إليزابيث جيبني

  • Published online:
تراكُب لَوْحَيْن من الجرافين يُظهِر نمطًا مميزًا

تراكُب لَوْحَيْن من الجرافين يُظهِر نمطًا مميزًا

JULIETTE HALSEY FOR NATURE 

كان عالِم الفيزياء بابلو جاريلو- هيريرو أشبه ما يكون بالنجم البارز. فعندما اعتلى المنصة لإلقاء كلمته في لوس أنجيليس بولاية كاليفورنيا - في شهر مارس 2018 - رأى العلماءَ محتشدين في كل ركن من أركان قاعة الاجتماعات. وقد اضطُر منظمو مؤتمر الجمعية الفيزيائية الأمريكية إلى بث الندوة في مساحة كبيرة مجاورة، داخل غرفة، كان قد تجمَّع فيها حشد من الحضور الواقفين. في ذلك، يقول بابلو جاريلو- هيريرو: "كنتُ أعلم أننا بصدد حدث شديد الأهمية، لكنها كانت تجربة مذهلة".

حضرت حشود علماء الفيزياء هذه، لسماع قصة نجاح فريق جاريلو- هيريرو من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج في كشف السلوك الغامض لطبقات كربونية بسُمْك ذَرّة واحدة، تُعرف باسم الجرافين. وأدرك العلماء بالفعل أن هذه المادة العجيبة يمكن أن توصِّل الكهرباء بسرعة فائقة، لكن فريق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حقق تقدمًا هائلًا بتحويله الجرافين إلى موصل فائق؛ وهو مادة تسمح بسريان الكهرباء من دون مقاومة. وقد أحرز الفريق هذا الإنجاز الرائع عن طريق وضع لوح من الجرافين فوق آخر، مع تدوير اللوح الأخير في اتجاه خاص، أو بـ"زاوية سحرية"، ثم تبريد المجموعة لما فوق الصفر المطلق بجزء من الدرجة؛ فأَحدَث هذا الدوران تغييرًا جذريًّا في خواص هذه الطبقة الثنائية؛ محولةً إياها في البداية إلى عازل، ثم إلى موصل فائق، من خلال استخدام مجال كهربي أقوى.

سبق تحفيز الجرافين ليُظهِر هذا السلوك، عن طريق دمجه مع مواد معروف عنها سلفًا أنها موصلات فائقة، أو عن طريق ربطه كيميائيًّا بعناصر أخرى. وجذبت هذه القدرة المُكتشَفة حديثًا لتحفيز الخواص نفسها بسهولة وبسرعة الكثير من الاهتمام. وتقول تشانينج جيني لاو، عالمة الفيزياء من جامعة ولاية أوهايو في كولومبوس: "الآن يمكنك وضع طبقتين ذريتين من مادة غير فائقة التوصيل معًا بطريقة معينة، لتدب بالمادة قدرة التوصيل الفائق في لمح البصر؟ أعتقد أن ذلك أذهل الجميع".

أبدى علماء الفيزياء في المؤتمر حماسة أكبر للطريقة التي تصبح بها طبقة الجرافين الثنائية موصلًا فائقًا. وكانت هناك دلالات بأن خواصها المدهشة قد نشأت من جرّاء تفاعلات، أو "ارتباطات" قوية بين الإلكترونات؛ وهو سلوك يُعتقد أنه يكمن وراء الحالات الشاذة للمادة في أوساط المواد الأكثر تعقيدًا. بعض هذه المواد - أي تلك التي تتسم بتوصيل فائق في درجات حرارة مرتفعة نسبيًّا (رغم أنها لا تزال أقل بكثير من صفر درجة مئوية) – أثار حيرة علماء الفيزياء لأكثر من 30 عامًا، فإذا تسببت الآلية نفسها في إكساب الجرافين البسيط القدرة على التوصيل الفائق، فستمثل المادة حينها المفتاح السحري لفهم هذه الظاهرة. وهذا بدوره يمكن أن يساعد الباحثين على تصميم مواد ذات توصيل فائق في درجة حرارة مقارِبة لدرجة حرارة الغرفة، وهو ما من شأنه أن يُحْدِث ثورة في الكثير من مجالات التكنولوجيا الحديثة؛ ومنها: النقل، والحوسبة.

تقول لاو: "لاحظت على الفور أن كل من أعرفه تقريبا تحمس للفكرة". وبينما كانت تصغي في اندهاش إلى الكلمة التي يتم إلقاؤها، لم يستطع الآخرون الانتظار، إذ غادر أندريه يونج - عالِم فيزياء المواد المكثفة، من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا - الاجتماع على عجلٍ إلى مختبره، حيث كان فريقه أحد القلائل في العالَم، الذي يعكف فعليًّا على استكشاف خصائص الجرافين الملتوي، بحثًا عن دلالات للسلوك المدهش الذي ظهر في الآونة الأخيرة. وقد محّص يونج أبحاث مجموعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، التي نُشرت في دورية Nature1،2 قبل الكلمة بيومين، وتوصل إلى ما كان يحتاج لمعرفته من أجل تكرار التجربة. وقد تبين أن هذا أصعب من المتوقع، بيْد أنه بحلول شهر أغسطس، نجح3 أندريه وفريقه في المهمة، بالتعاوُن مع مجموعة أخرى بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، تحت قيادة صديقه الفيزيائي كوري دين. ويقول جاريلو- هيريرو: "لقد كررنا التجربة بأنفسنا مرات عديدة، وكان الحصول على تأكيد من مجموعة أخرى مطمئنًا للغاية".

وتقول لاو إنه بالرغم من أن التعاون بين يونج ودين كان الأول من نوعه الذي يعلن عن نتائج تكرار التجربة، كانت الأحداث خلف الكواليس تجري بوتيرة محمومة. وتضيف لاو: "لم أشهد مثل هذا القدر الكبير من الحماس  في مجال الجرافين منذ اكتشافه لأول مرةأولي." وقد أبلغت ثلاثة فرق أخرى دورية Nature بأنها قد كررت بعض نتائج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أو جميعها، بالرغم من أن البعض يحتفظون بسرية نتائجهم عندما يُجْرُون تجاربهم باستخدام مواد أخرى ثنائية الأبعاد، ويُحدِثون دورانات بطرق جديدة في طبقات الجرافين؛ ساعين لإظهار تفاعلات أُخرى قوية بين الإلكترونات". ويقول يونج: "يأخذ كل شخص المادة التي يفضلها، ويعمل على ليّها مع مادة أخرى مميزة من وجهة نظره". وفي هذه الأثناء، نشر واضعو النظريات الساعين إلى تفسير هذا السلوك أكثر من 100 ورقة بحثية عن الموضوع على خادم مسودات الأبحاث «أركايف» arXiv. إنّ تحديد ما إذا كانت الآلية التي تكمن وراء التوصيل الفائق في الموصلات الفائقة في درجات الحرارة العالية هي ذاتها التي تلعب دورًا في سلوك الجرافين الملتوي، أم لا، سوف يحتاج إلى معلومات أكثر من ذلك بكثير، وفقًا لرواية لاو. وتضيف لاو قائلة: "بخلاف الإجماع على مدى روعة هذا النظام، لا أعتقد أن واضعي النظريات قد توصلوا أي نقطة اتفاق حتى الآن".

اكتشاف الزاوية السحرية

لم يكن الجمهور الذي حضر كلمة جاريلو- هيريرو في لوس أنجلوس متحمسًا فحسب، بل كان متشككًا في الوقت ذاته. فقد سخرت منه وفود المؤتمر، قائلين إنّ آخِر مَن قدَّم شيئًا رائعًا لهذه الدرجة كان يان هندريك شون، وقد تبين أن نتائجه المبهرة عن التوصيل الفائق وظواهر أخرى، زائفة. حول ذلك يقول جاريلو- هيريرو: "كانوا يمزحون، لكنهم قالوا إنهم يحتاجون إلى أن يشاهدوا التجربة تتكرر أمام أعينهم، قبل أن يصدقوها".

وبالرغم من أن قدرة الجرافين الملتوي على التوصيل الفائق شكّلت مفاجأة، إلا أن فكرة حدوث ظاهرة مثيرة للاهتمام كانت متوقعة. فعند تراكب لوحين من الجرافين بزوايا تزيد على بضع درجات، عادة ما يَسلُك كل لوح منهما سلوكًا مستقلًا عن الآخر، لكن عند تراكبهما بزوايا أصغر، يمكن أن تؤدي المحاذاة غير الصحيحة للوحين المتشابكين إلى تكوين "شبكة فائقة" يمكن أن تتحرك فيها الإلكترونات بين الطبقتين. وتنبأ،5 واضعو نظريات بأنه عند دورانات صغيرة محددة – أي زوايا سحرية – يمكن أن تؤدي البِنْية التي تستند إليها هذه الشبكة الفائقة إلى تغيير جذري في سلوك الإلكترونات، ما يعمل على إبطائها، وتمكينها من التفاعل بطرق من شأنها أن تغير الخواص الإلكترونية للمادة (انظر: "الزاوية السحرية"). ونظريًّا، يمكن أن تُشكِّل جميع أنواع المواد ثنائية الأبعاد المتراصة في طبقات شبكات فائقة كهذه عند لَيِّها بزاوية ملائمة، ولكن لم يستطيع أحد التكهن بالطريقة التي ستتغير بها خواص المادة، أو بالزاوية التي قد يحدث عندها هذا التغيير.

بالعودة إلى عام 2010، نجد أن إيفا أندريه - عالمة الفيزياء بجامعة روتجرز في نيو برنزويك بولاية نيوجيرسي – لاحظت  مع زملائها دلالات على السلوك الغريب للجرافين6، في حدود الزاوية السحرية نفسها تقريبًا التي لاحظها جاريلو- هيريرو وفريقه في وقت لاحق، ولكنْ شَكَّك الكثيرون في صحة النظرية من الأساس. يقول فيليب كيم، عالِم الفيزياء التجريبية من جامعة هارفارد في كامبريدج بولاية ماساتشوستس: "لم أكن أصدق تلك النظرية، ولكني أقر بأنني كنت مخطئًا تمامًا".

وعندما عاد يونج إلى مختبره في شهر مارس، اعتقد أن تكرار نتائج مجموعة معهد ماساتشوستس يبدو مهمة بسيطة، على حد قوله. واستطاع فريقه أن يصل إلى درجات الحرارة شديدة الانخفاض المطلوبة، وكان الباحثون خبراء بالفعل في إعداد عينات نقية للغاية، ولكنْ تبين أن توليف ألواح الجرافين بحيث تصطف في زاوية ملائمة تمامًا – تدوير بحوالي 1.1 درجة – يحتاج إلى بذل جهد مضنٍ.

 فالوصول إلى الزاوية المناسبة صعب، خاصة بسبب اختلافها من عينة إلى أخرى بدرجة طفيفة، حسب كيفية تصنيع كل عينة. وتقول أندريه: "عليك أن تُجرِي بعض عمليات البحث". وإضافة إلى ذلك، فبسبب التشابه الكبير بين تركيب الجرافين الملتوي وتركيب الجرافيت، الذي تصطف فيه الطبقات المتتالية في الاتجاه نفسه، يمكن أن تتسبب أقل حرارة أو إجهاد في انتقال الطبقات إلى وضع المحاذاة. في ذلك يقول يونج: "لا تستقر الطبقات في المكان نفسه الذي تضعها به".

توصَّل مختبر دين، الذي كان يعمل أيضًا على حل المشكلة، إلى حل، فعندما تجاوز الفريق البحثي زاوية الدوران في عدد من الأجهزة، استقرت - على الأقل – عينات عند الزاوية السحرية أثناء دورانها عائدة إلى وضع المحاذاة، ولكنّ اكتساب هذه العينات قدرة التوصيل الفائق تطَلَّب معدات قادرة على الوصول إلى كسر من الدرجة فوق الصفر المطلق، بينما يفتقر مختبر دين إلى تلك المعدات. وبالتعاون مع فريق يونج، سرعان ما تمكّن الباحثون من أخذ قياسات أجهزة عديدة، ارتفعت فيها المقاومة فجأة – وهي خاصية من خواص المواد العازلة – ثم انعدمت تمامًا، كما في الموصلات الفائقة، وذلك عندما التقطت الأجهزة المزيد من الإلكترونات عن طريق استخدام مجال كهربي.

وتقول أندريه: "إنه الفريق الآخر الوحيد - بخلاف فريق جاريلو- هيريرو - الذي نشر نتائج تجربته إلى الآن، لكن لن يبقي الحال هكذا طويلًا"، وتضيف قائلة: "جميع مَن أعرفهم يعملون على هذه التجربة".

استثناء للقاعدة

أحد أسباب هذا الاهتمام الشديد بالجرافين الملتوي، هو تلك التشابهات الواضحة بين سلوكه، وسلوك الموصلات الفائقة غير التقليدية. ففي الكثير من تلك الموصلات، يسري التيار الكهربي دون مقاومة في درجات حرارة تزيد - بقدر كافٍ - على الحد المسموح به عامةً في ضوء النظرية التقليدية للتوصيل الفائق، ولكن ظلت كيفية حدوث ذلك لغزًا. وإذا حُلّ هذا اللغز، فبإمكانه أن يتيح لعلماء الفيزياء تصميم مواد توصل الكهرباء بمقاومة منعدمة في درجات حرارة مقاربة لحرارة الغرفة. وتحقيق هذا من شأنه رفع كفاءة نقل الكهرباء بدرجة كبيرة، وسيتيح من خلال خفض تكاليف الطاقة الفرص أمام الموصلات الفائقة، لتُستخدَم في مجموعة من التقنيات الجديدة.

ويعتمد جميع أشكال التوصيل الفائق على ازدواج الإلكترونات بطريقة تسمح لها بالانتقال دون مقاومة. وفي الموصلات الفائقة التقليدية – التي تُدار بها المغناطيسات في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي – يحدث الازدواج بين الإلكترونات بطريقة غير مباشرة فقط، وكناتج ثانوي للتفاعل بين الجسيمات والاهتزازات داخل شبكتها الذرية، إذ تتجاهل الإلكترونات مثيلاتها، ولكنْ ينتهي بها الحال متحدة معًا بطريقة تساعدها على التحرك دون مقاومة في درجات حرارة تزيد قليلًا على الصفر المطلق، بينما في الموصلات الفائقة غير التقليدية – التي ينقل الكثير منها التيار بمقاومة منعدمة في درجة حرارة تقارب 140 كلفنًا – يبدو أن الإلكترونات تزدوج من خلال تفاعل مباشر، وأقوى بكثير.

وقد أظهرت تجارب معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا دلائل على هذا التوصيل الفائق غير التقليدي. وبالرغم من أن الجرافين الملتوي ثنائي الطبقات لم يصبح موصلًا فائقًا إلا في درجات حرارة شديدة الانخفاض، إلا أنه اكتسب هذه القدرة بوجود عدد قليل جدًّا من الإلكترونات حرة الحركة. وهذا يوحي بأنه - على عكس ما يحدث في الموصلات الفائقة التقليدية - لا بد أن تكون القوة التي جذبت الإلكترونات معًا شديدة نسبيًّا. كذلك يعكس تقارب حالة التوصيل الفائق من حالة العزل ما نلاحظه في مجموعة الموصلات الفائقة التي تعمل في درجات حرارة مرتفعة، والمصنوعة من الخزف، ويُطلق عليها مركبات النحاس (cuprates). وفي تلك الأنظمة، عادة ما تتاخم حالة انعدام المقاومة عازلًا من عازلات «مُوت» Mott، التي لا يتدفق فيها التيار، بالرغم من وجود إلكترونات حرة، وذلك بسبب التنافر المتبادل بين الجزيئات، الذي يؤدي إلى تقييد حركتها.

وإذا كانت تلك الآليات نفسها تلعب دورًا في الجرافين الملتوي ثنائي الطبقات، فهذا قد يُعد مفيدًا لواضعي النظريات. إحدى مشكلات مركبات النحاس - مثل إتريوم الباريوم أكسيد النحاس - تتمثل في كونها خليطًا من العناصر التي تَصعُب نمذجتها. وتقول أندريه: "نأمل في إيجاد الظاهرة نفسها، ولكنْ في نظام أبسط كثيرًا، يمكن لواضعي النظريات الانخراط في دراسته، وتحقيق شيء من التقدم".

كما يُعَد الجرافين أيضًا بمثابة حلم للعلماء الشغوفين بالتجارب. فدراسة الانتقال إلى حالة التوصيل الفائق معناها قياس ما يحدث مع إضافة المزيد من الإلكترونات إلى المادة. ففي مركبات النحاس يحدث هذا عن طريق إدخال ذرات عنصر مختلف في المادة – وهي عملية يُطلق عليها «الإشابة» – بمعنى صنع عينة جديدة بالكامل لكل نقطة في مخطط شبكي. ورغم ذلك – على حد قول أندريه - ففي حالة الجرافين الملتوي، يستطيع الباحثون تفعيل هذا الانتقال ببساطة، من خلال تشغيل مصدر جهد كهربائي". وتضيف قائلة: "هذه ميزة كبيرة".

ولا أحد يعلم بعد ما إذا كان الجرافين الملتوي يسلك بالفعل سلوكًا مماثلًا لموصل فائق غير تقليدي، أم لا، أو حتى ما إذا كان سلوكه هذا ينشأ تحديدًا بسبب الظروف التي وصفتها نظرية الزاوية السحرية. كما تناولت أبحاث النظريات المكدسة التي نُشرت منذ مارس جميع الاحتمالات الممكنة. ونظرًا إلى أن التعقيد البالغ للأنظمة المترابطة، كتلك التي نراها في الجرافين الملتوي، يَحُول دون إحصائها كلها، يستخدم واضعو النظريات المقاربات التي تختلف من نموذج إلى آخر. وهذا من شأنه أن يجعل النظريات مرنة بالقدر الكافي لعلماء الفيزياء، بحيث يمكِّنهم أحيانًا تطويعها لتتناسب مع البيانات الجديدة، على حد قول يونج. ولا يشرح النتائج بشكل مفصل إلا عدد محدود من النظريات، والكثير من هذه النظريات لا يتضمن التنبؤات التي من شأنها أن تسمح للعلماء الشغوفين بالتجارب باختبار السيناريوهات المختلفة، على حد قول جاريلو- هيريرو، الذي يضيف قائلًا: "بالنسبة إلى عالِم شغوف بالتجارب مثلي، فجميعها يبدو منطقيًّا على نحو متشابه. أشعر أني حائر بعض الشيء في خضم كل هذه النظريات".

وإلى الآن، توجد أدلة على التوصيل الفائق التقليدي وغير التقليدي في الجرافين. ويقول جاريلو – هيريرو إن بيانات معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا التي لم تُنشر بعد تُشير إلى أن الظواهر الأخرى التي تُلاحظ في الموصلات الفائقة غير التقليدية موجودة أيضًا في هذه المادة. فمما يدل على ذلك، أن فريقه لاحظ أن قوة المجال المغناطيسي الضرورية للخروج بالتوصيل الفائق في عينة، من خلال عملية تُعرف باسم تأثير «ميسنر» Meissner ، تختلف بتباين الاتجاه (يفترض أنها قوة مجال مغناطيسي متماثلة في الموصلات الفائقة التقليدية).

الفيزيائي بابلو جاريلو- هيريرو مع ثلاثة من طلاب الدراسات العليا في مختبره بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

الفيزيائي بابلو جاريلو- هيريرو مع ثلاثة من طلاب الدراسات العليا في مختبره بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

JULIETTE HALSEY FOR NATURE

نهج حذر

تشير النتائج التي توصلت إليها مجموعتا يونج، ودِين إلى ضرورة توخي المزيد من الحذر. فعيِّناتهما أكثر تماثلًا من عينات مجموعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وتظهران بعض النتائج المتناقضة على حد قول يونج. فعلى وجه الخصوص، يَظهر التوصيل الفائق عندما ينخفض عدد الإلكترونات، وليس عندما يرتفع، ويُزعم أن حالة عدم التماثل هذه أكثر اتساقًا مع خصائص الموصل الفائق التقليدي. وعلى النقيض من المركبات النحاسية التي يمكن أن تصبح عازلة في درجات حرارة أعلى، مقارنة بدرجات الحرارة التي تصبح فيها ذات توصيل فائق، نجد - على ما يبدو - أن كلتا الحالتين تظهران في الجرافين الملتوي في نطاق متقارب من درجات الحرارة، على حد قول يونج. ويضيف يونج أيضًا قائلًا إن المزيد من الاختبارات – كتلك التي تُجرى من أجل معرفة ما إذا كانت حالة التوصيل الفائق لا تزال تظهر عندما يحُدّ مجريو التجارب من الاهتزازات في العينة، مع السماح في الوقت ذاته بحدوث تفاعلات بين الإلكترونات – قد يساعد على تقديم صورة أوضح . كما تعمل مجموعة أندريه أيضًا على تصوير المادة على المستوى الذري؛ من أجل كشف التأثيرات التي يمكن أن تُمحى عند دراسة العينة ككل. وتقول أندريه إن البيانات الأولية لفريقها كشفت عن ظواهر جديدة، قد تساعد على سبر غور خصائص فيزيائية كامنة، إلا أنها غير راغبة في الإفصاح عن المزيد إلى الآن.

ويمكن أن يمثِّل فهْم نتائج التجارب – جنبًا إلى جنب مع ابتكار إعدادات متوافقة مع المواد ثنائية الأبعاد – مهمة مليئة بالتحديات. يقول يونج إنه في هذا النظام الحساس، حتى المادة التي تُشكل الأقطاب الكهربية يمكن أن تؤثر في النتائج. ويوضح قائلًا: "ينبغي أن تتوخى الحيطة عند تفسير ما تراه، لأنك لا تعلم إذا كانت الخاصية تنبع من جوهر النظام، أم من تأثير إعدادات توليفه". ويشير يونج إلى أن الآلية الكامنة وراء التوصيل الفائق قد يتضح أنها تقليدية، وهذا مثير للاهتمام، حتى إنْ لم تساعد في تفسير التوصيل الفائق في درجات الحرارة المرتفعة. ويصف يونج ذلك قائلًا: "هذه بالفعل واحدة من أروع النتائج التي ظهرت في هذا المجال خلال السنوات العشرة الماضية".

وبغض النظر عما إذا كان هذا النمط يماثل الأنماط الغريبة من التوصيل الفائق، أم لا، فالباحثون يعتقدون أنه نظام مذهل، لأنه مثال نادر للتغير الجذري الناتج عن تغيير فيزيائي بسيط، حيث يقول دِين: "هذه الحقيقة - في حد ذاتها - مذهلة ومثيرة، فما السمة التي تكسب هذا النظام توصيله الفائق الذي يختفي من دون زاوية الدوران الدقيقة هذه؟"

وأيًا كان ما يحدث في حالة التوصيل الفائق، فعلماء الفيزياء يتفقون على أنه يستحيل تفسير حالة العزل المصاحِبة، إلا بوجود نوع معين من التفاعل بين الإلكترونات. فالجرافين – على غرار المعادن -  موصل بطبيعة الحال، نظرًا إلى وجود إلكترونات حرة تتفاعل فقط مع الشبكة الذرية، وليس مع بعضها بعضًا، ولكن بطريقة ما، وبالرغم من وجود تلك الإلكترونات الحرة التي تفتقر إليها العوازل التقليدية، بإمكان الجرافين ثنائي الطبقات أن يحجب سريان الكهرباء، مما يوحي بحدوث تفاعلات.

هذا مثير للاهتمام، لأن هذه التفاعلات بين الإلكترونات هي السبب الكامن خلف الكثير من الحالات الغريبة والرائعة للمادة، والتي كُشف النقاب عنها خلال العقود القليلة الماضية. وتشمل هذه الحالات السوائل الكمية المغزلية – وهي حالات فوضى غريبة، لا تصطف فيها المجالات المغناطيسية للإلكترونات أبدًا – وحالات «هُول» الكمية الكسرية، وهي أطوار من المادة، تحددها الطوبولوجيا، وتُعَد نوعًا من الخواص التكاملية التي كانت مجهولة في السابق، ويمكن استغلالها في تصميم حواسيب كمية قوية للغاية. ويقول يونج: "إن فهم الأنظمة المترابطة بقوة هو المفتاح للإجابة على التساؤلات الكبيرة، وربما أيضًا للفرص الكبيرة في مجال فيزياء المواد المكثفة في وقتنا الحالي". وتقول ريبيكا ريبيرو- بالاو، عالمة الفيزياء بمركز علوم وتكنولوجيا النانو في باليزو بفرنسا، والباحثة السابقة في مرحلة ما بعد الدكتوراة بمختبر دين: "ينشأ الكثير من هذه الحالات في ظل ظروف تبدو مشابِهة – على الأقل فيما يتعلق بالإلكترونات – لتلك التي تنشأ في الجرافين عند الزاوية السحرية". وهذا يزيد من احتمال ظهور حالات أخرى مثيرة للاهتمام في الطبقات الثنائية الملتوية. وتضيف قائلة: "من وجهة نظري، أرى أن وجود حالة من التوصيل الفائق دليل على شيء أكثر إثارة للاهتمام".

ومن الأهمية بمكان، أن الجرافين وغيره من الأنظمة ثنائية الأبعاد يتيحان قدرًا كبيرًا من التحكم أثناء التجربة، مقارنة بغير ذلك من المواد الأخرى قوية الترابط، على حد قول ريبيكا. ولا تقتصر خيارات الباحثين على ضبط المجال الكهربي بسلاسة؛ من أجل تغيير السلوك فحسب، بل بإمكانهم كذلك ضبط زاوية الدوران أيضًا؛ فحينما كانت ريبيرو- بالو في كولومبيا، استخدمت مع زملائها رأس مجهر القوة الذرية لتدوير طبقة بسلاسة بالنسبة إلى الطبقة الأخرى7. وبفضل تعاون يونج ودين، اتضح للباحثين أيضًا أنه يمكنهم ضبط المسافة بين الطبقات بدقة، عن طريق استخدام الضغط. فمن خلال ضغط الطبقات معًا بحيث تقترب أكثر من بعضها البعض، تزداد قوة التفاعل بين الإلكترونات في الألواح، وهذا بمثابة عامل معزز يُترجَم إلى إمكانية ظهور حالة الزاوية السحرية عند دورانات أكبر حجمًا، وأكثر استقرارًا بدرجة كبيرة.

صُنع الدوران

كرَّر كل من كيم وزملائه بالفعل تجربة الجرافين ليحصلوا على النتيجة ذاتها، على حد قوله. والآن، هم يسعون إلى معرفة ما إذا كان بمقدورهم أيضًا توليد قدرة التوصيل الفائق، أو ربما القدرة المغناطيسية في الطبقات الملتوية من أشباه الموصلات ثنائية الأبعاد الأكثر تعقيدًا، التي يُطلق عليها معادن الكالكوجينيدات الثنائية الانتقالية، أم لا. وقبل النتيجة التي توصل إليها فريق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كان فريق كيم واحدًا من بين فِرَق قليلة كانت تسبر بالفعل أغوار تأثيرات تدوير طبقة واحدة ثنائية الأبعاد على سطح طبقة أخرى. ويُعَد هذا مجالًا بحثيًّا ناشئًا، يُطلق عليه أحيانًا اسم "لَيّ الإلكترونات" twistronics. ومع اتضاح الاحتمالات في حالة الجرافين، كان ذلك بمثابة نقطة انطلاق لهذا المجال. ويقول كيم: "ثمة احتمال أن تكتشف شيئًا غير متوقع تمامًا".

في الوقت ذاته، يقول فينج وانج - من جامعة كاليفورنيا ببيركلي - إنه رصد هو وزملاؤه دلائل على توصيل فائق في ثلاث طبقات متكدسة من الجرافين، حتى من دون تدوير، فوَضْع ثلاثة ألواح فوق بعضها بعضًا في اتجاه معين8 يحقق خصائص هندسية للشبكة الفائقة، تشبه تلك الموجودة في طبقتين ملتويتين بزاوية سحرية، وتؤدي – بالمثل - إلى ترابط فيزيائي قوي، حسب قوله.

ويأمل علماء الفيزياء في أنْ يؤدي التعاون بين مجالين كانا منفصلَين في السابق – وهما المواد ثنائية الأبعاد، والأنظمة قوية الترابط – إلى نتائج مشوقة. ويقول دِين: "هذا يمنحنا فرصة التحدث إلى مجتمع كامل من الناس، لم نحظَ بفرصة التحدث إليهم في الماضي". ويفكر علماء الفيزياء التطبيقية بشأن كيفية التحكم في الخواص غير المعتادة للمجموعات الملتوية ثنائية الأبعاد، من أجل تخزين ومعالجة المعلومات بكفاءة فائقة. فتدوير أو ضغط المواد يمكن أن يصبح طريقة جديدة أيضًا لإحداث تحوُّل في سلوك الأجهزة الإلكترونية.

وفي الوقت الراهن، ينصبّ تركيز الكثير من الباحثين على تحديد الأمور الجوهرية في هذا الصدد. فقد اجتمع خلال شهر يناير 2019 العلماء الشغوفون بالتجارب، وواضعو النظريات في معهد كافلي للفيزياء النظرية في سانتا باربرا؛ بهدف عقد حلقة عمل؛ للبت في مسائل أساسية في هذا المجال البحثي الآخذ في الازدهار. وكان جاريلو- هيريرو يحدوه الأمل في أنْ يساعد الاجتماع على وصول واضعي النظريات إلى اتفاق، من هنا صرح قائلًا: "في اللحظة الراهنة، لا يستطيعون حتى الاتفاق على الأساسيات". وأضاف قائلًا عقب هذا الاجتماع، إنه ربما يصبح لدى المزيد من العلماء الشغوفين بالتجارب الرغبة في الإفصاح عن خططهم وأفكارهم، والإعلان عما توصلوا إليه من بيانات.

وبالرغم من أن علماء الفيزياء لا يعون لأي مدى سيكون هذا الاكتشاف مهمًا في نهاية المطاف ، يعتقد يونج أن ثمة رسالة جوهرية مستقاة من عشرات الأبحاث النظرية التي ظهرت منذ نشْر نتائج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث يقول: "الباب مفتوح أمام جميع الاحتمالات فيما يتعلق بالنتائج، وحتمًا سوف نصل إلى نتيجة ما".

References

  1. Cao, Y. et al. Nature 556, 43–50 (2018) | article
  2. Cao, Y. et al. Nature 556, 80–84 (2018).  | article

  3. Yankowitz, M. et al. Preprint at https://arxiv.org/abs/1808.07865 (2018)| article
  4. Bistritzer, R. & MacDonald, A. H. Proc. Natl Acad. Sci. USA 108, 12233–12237 (2011). | article
  5. Suárez Morell, E., Correa, J. D., Vargas, P., Pacheco, M. & Barticevic, Z. Phys. Rev. B 82, 121407 (2010).  | article
  6. Li, G. et al. Nature Phys. 6, 109–113 (2010). | article
  7.  Ribeiro-Palau, R. et al. Science 361, 690–693 (2018). | article
  8. Chittari, B. L., Chen, G., Zhang, Y., Wang, F. & Jung, J. Preprint at https://arxiv.org/ abs/1806.00462 (2018). | article