موجزات مهنية

تدريب: مخاطر وظيفة الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة

مهاراتك التي تعلمتها كباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة قد لا تعطيك دَفعة إلى الأمام في مسارك المهني خارج المختبر.

كريس وولستون
  • Published online:
كشفت دراستان أن العديد من باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة يجدون صعوبة في التنافس على الوظائف غير الأكاديمية

كشفت دراستان أن العديد من باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة يجدون صعوبة في التنافس على الوظائف غير الأكاديمية

GETTY

وفقًا لدراستين تستكشفان حقائق حياة ما بعد مرحلة الدكتوراة في مؤسسات بحثية كبيرة في الولايات المتحدة وأوروبا، قد لا توفر الخبرات المكتسَبة من وظيفة الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة مسارًا سلسًا يقود إلى المسيرة المهنية العلمية التي ينشدها العديد من الباحثين الصغار، بل إن هذه الوظيفة قد تجعل الباحثين غير مؤهلين لمستقبلهم المهني.

استكشفت إحدى الدراستين "عدم التوافق" بين المهارات التي يطلبها أرباب الأعمال، والمهارات التي يتعلمها باحثو مرحلة ما بعد الدكتوراة في خمس مؤسسات، منها أربع جامعات رائدة في الولايات المتحدة (C. S. Hayter and M. A. Parker Res. Pol. http://doi.org/cw62; 2018). وتحققت الدراسة الأخرى من إجراءات عملية التعيين والتوظيف في وظائف مرحلة ما بعد الدكتوراة في أربع جامعات أوروبية، وهي عملية يقول واضعو الدراسة إنها تقوّض فرص  العلماء الصغار في التوظيف والتمتع بالاستقرار الوظيفي طويل الأمد (C. Herschberg et al. Scand. J. Mgmt 34, 303–310; 2018).

غالبًا ما يطمح باحثو مرحلة ما بعد الدكتوراة إلى الحصول على وظائف، يضمن شاغلوها الحصول على عقود دائمة مستقبلًا في الجامعات. ولم يكن الـ97 باحثًا الذين أُجريت مقابلات معهم في عام 2016 وأوائل عام 2017 في المؤسسات الخمس استثناءً من هذه القاعدة؛ إذ كان 84 منهم قد خططوا في الأساس لأنْ يسلكوا مسارًا مهنيًّا أكاديميًّا. وحاز سبعة منهم فقط درجة ما بعد الدكتوراة واضعين نصب أعينهم العمل يومًا ما خارج الإطار الأكاديمي. يقول المؤلف الرئيس كريستوفر هايتر - وهو باحث في مجال التعليم العالي بجامعة ولاية أريزونا في مدينة تيمبي - إنه في وقت نشر الدراسة كان هناك 5 باحثين من الـ97 باحثًا في مرحلة ما بعد الدكتوراة قد حصلوا على وظائف ذات مسار ينتهي بعقد دائم، بينما تعين على العديد من الباقين البحث عن خيارات أخرى. يتابع هايتر قائلًا: "هذا كان متوقعًا".

ولتكوين صورة أكثر اكتمالًا عن الآفاق الوظيفية لباحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة، تضمنت الدراسة مقابلات مع 9 باحثين رئيسين، و16 ممثلاً لقطاعات صناعية. وبوجه عام، فإن الباحثين الرئيسين الذين أُجريت المقابلات معهم لأغراض الدراسة قد أظهروا اهتمامًا ضعيفًا بمساعدة باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة –العاملين تحت إشرافهم - في تهيئة أنفسهم لمسيرة مهنية مستقبلية، خاصةً إذا كان هذا الاستعداد سيستغرق وقتًا على حساب الوقت المخصص للمشروع البحثي الذي يعمل عليه باحث مرحلة ما بعد الدكتوراة. 

ويُنوِّه هايتر، ومارلا باركر – المؤلفة المشارِكة مع هايتر، والباحثة في العلوم الإدارية بجامعة ولاية كاليفورنيا في لوس أنجيليس – إلى أن هؤلاء الباحثون الرئيسون لم يسعوا بصورة واعية إلى تعطيل المسيرات المهنية لباحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة، أو الإضرار بها. ويوضح المؤلفان أن مجال استشارات التوظيف ليس من اختصاص الباحثين الرئيسين، وأن هذه الفكرة ليست مألوفة للعديد من هؤلاء الباحثين الرئيسين، الذين قال أحدهم أثناء الدراسة: "لم يقدم لي أي شخص المساعدة في أثناء دراستي في مرحلة الدكتوراة، أو مرحلة ما بعد الدكتوراة، وأضاف: "بل كان عليَّ أن أستكشف طريقي بنفسي، لذا أتوقع المثل من باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة، العاملين تحت إشرافي".

أظهر غالبية الباحثين الرئيسين بعضًا من الاستعداد لكتابة خطابات توصية، أو إجراء مكالمات هاتفية؛ لمساعدة باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة ممن هم تحت إشرافهم في الحصول على وظائف ذات مسار ينتهي بعقد دائم في الجامعات. وهذا الاستعداد الذين أبدوه يرجع في جزء منه إلى أن نجاح متدربيهم في المناصب الأكاديمية سيجعل سمعتهم كباحثين رئيسين أفضل. غير أن العديد من الباحثين الرئيسين الذين شملتهم الدراسة كانت لديهم رغبة ضعيفة في مساعدة المتدربين على إيجاد وظائف في القطاعات الصناعية. 

وقد عَلَّق باحثو مرحلة ما بعد الدكتوراة الذين شملهم الاستبيان على ما عدّوه دعمًا ضعيفًا من جانب المشرفين، وقال أحدهم في هذا الصدد: "أدركت أن مستقبلي المهني سيكون محكومًا عليه بالفشل، إذا اعتقدتُ أن الباحث الرئيس المشرف علي سيقدم لي توجيهات بشأن مساري المهني". وقال آخَر بشكلٍ أكثر صراحةً: "يُحِب الكثير من الباحثين الرئيسين تحطيم أي اهتمامات قد تكون موجودة لديك، فيما عدا رؤيتك منكفئًا على طاولة العمل". وقد وجد البعض طرقًا للتحايل على هذه المقاومة. يقول أحد باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة: "إذا احتجتُ إلى حضور ورشة عمل [عن المسارات المهنية غير الأكاديمية]، فكل ما أفعله هو الكذب بشأن هذا".

وأبرزت المقابلات التي أجراها هايتر وباركر مع ممثلي القطاعات الصناعية وجود مشكلة أخرى، وهي تتمثل في أن باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة قد يواجهون صعوبة في التنافس على الوظائف غير الأكاديمية. وقال أحد أرباب العمل المحتمَلين إن باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة "يمتلكون جميع المهارات العلمية الأكاديمية التي لا نحتاجها، ولا يتمتعون بأي من مهارات التنظيم التي نحتاجها". وقد أفاد ممثلو القطاعات الصناعية - في الكثير من الأحيان - أن طلاب مرحلتي الدكتوراة والماجستير عادةً ما يَسهُل عليهم التأقلم مع الوظائف غير الأكاديمية، مقارنةً بباحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة. 

ولمعالجة هذا النوع من عدم التوافق بشكلٍ جزئي، يقترح هايتر أن يقدم عدد أكبر من الجامعات برامج، يتعلم فيها باحثو مرحلة ما بعد الدكتوراة مهارات ريادة الأعمال. يقول هايتر: "قد لا يحسم هؤلاء الباحثون قرارهم بأنهم يرغبون في أن يصبحوا من رواد الأعمال، ولكنّ هذا من شأنه على الأقل أن يفتح عقولهم أمام الاحتمالات الأخرى". إحدى الجامعات التي شملتها دراسة هايتر أطلقت بالفعل برنامج داعمًا في مجال ريادة الأعمال، وهو برنامج بات مورد تطوير وظيفي مهم لباحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة. وقد أشار هايتر وباركر إلى أن البرنامج شهد معارضة من جانب أعضاء هيئات التدريس، لأنهم كانوا يرون أنه يصرف انتباه باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة عن مهامهم الأساسية.

تقول تشانا هيرشبرج - الواضعة الرئيسة للدراسة التي نُشرت في دورية «سكيندنافيان جورنال أوف مانيجمِنت» Scandinavian Journal of Management، وطالبة مرحلة الدكتوراة في علم الإدارة بجامعة رادباود بمدينة نايميجين بهولندا - إن نظام توظيف وتعيين وتدريب باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة بكامله ليس موجهًا بالضرورة نحو إعداد المتدربين لتحقيق النجاح. وتشير المقابلات التي أجراها واضعو الدراسة مع 21 باحثًا رئيسًا في سويسرا، وهولندا، وإيطاليا، وبلجيكا إلى أن الباحثين الرئيسين يرغبون  بشكلٍ أساسي في توظيف باحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراة، يمكنهم تقديم الدعم للمختبر على المدى القصير، حتى لو لم يكن هؤلاء الباحثون أمثل اختيار لهذه الوظيفة. يقول أحد المشرفين السويسريين الذين أُجريت مقابلة معهم إنه يقوم عامةً بتعيين باحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراة "ممن يمكنهم بدء العمل على الفور، وتحقيق فائدة للمشروع البحثي، وقد لا يكونون أشخاصًا فائقي الذكاء، ولا الأفضل بين أقرانهم". 

كما صرّح من شملهم الاستطلاع بأن عملية التوظيف عادةً ما تكون قائمة على العلاقات غير الرسمية، وسابق المعرفة بالمتقدم للوظيفة. وعلى حد تعبير أحد السويسريين الذين خضعوا للاستطلاع، عندما يتعلق الأمر بتوظيف باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة، يمكن لمكالمة هاتفية واحدة من أحد الزملاء أن تكون ذات قيمة أكبر بكثير، إن قورنت كفتها بالأبحاث المنشورة، أو مدى تأثير هذه الأبحاث. ويميل الباحثون الرئيسون بشكل خاص إلى توظيف باحث بمرحلة ما بعد الدكتوراة، يكون قد سبق له العمل بالفعل في مختبراتهم، أو - على الأقل - سبق له التعاون معهم في مشروع مشترك. تقول هيرشبرج: "إن وقت الباحثين الرئيسون محدود، من ثم يفضلون الأشخاص الذين يعرفونهم بالفعل". وفي كل حالة من الحالات، كانت لدى الباحثين الرئيسين المشمولين في الدراسة سيطرة كاملة على عملية اختيار الأشخاص الذين قاموا بتعيينهم.

وتصف الدراسة كيف أن الباحثين الرئيسين يقومون عامةً بتوظيف باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة؛ لاستكمال مشروعات معينة، سبق لهؤلاء الباحثين الرئيسين وضْع تصوراتها، وتصميماتها. وحسب قول هيرشبرج، غالبًا ما لا يتكوّن لدى باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة – نتيجة لذلك – شعور بامتلاكهم لزمام الأمور، أو شعور بالإنجاز الشخصي في العمل. وعندما يحين وقت الانتقال إلى وظيفة أخرى، قد لا يُنسب إلى هؤلاء الباحثين فضل التوصُّل إلى الأفكار الأصلية. تقول هيرشبرج: "لا تتوافر لدى الكثير من باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة أي فرصة لتطوير مسار بحثي خاص بهم". 

وتشير هيرشبرج إلى أن الصفات التي ينشدها الباحثون الرئيسون في باحث مرحلة ما بعد الدكتوراة – ومن بينها الاستعداد، والإلمام بجوانب العمل، وقبول العمل على مشروع قصير الأمد – لا تعتبر بالضرورة صفات من شأنها إنتاج أفضل الأبحاث العلمية، أو تحقيق أفضل إعداد للمستقبل المهني للباحث. وتضيف هيرشبرج قائلة إنه قد يكون من المفيد أن تقوم جهات التمويل بمنح الباحثين مزيدًا من الوقت؛ لإكمال مشروعاتهم البحثية، وهو ما قد يؤدي إلى مدّ أجل عقود باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة. وهذا بدوره قد يمنح هؤلاء الباحثين مزيدًا من الاستقرار الوظيفي، ومزيدًا من الفرص اللازمة لتطوير مهاراتهم وأفكارهم.

وتقول هيرشبرج إن عمليات التوظيف التي يغلب عليها الطابع الرسمي بدرجة أكبر، والتي تتوصل إلى أفضل المرشحين لوظيفة معينة، قد تكون خطوة في الاتجاه الصحيح. في ذلك تقول هيرشبرج: "إذا استطاع الباحثون الرئيسون الإعلان عن الوظائف الشاغرة بصورة أكثر انفتاحًا، فسيقدمون فرصًا لأشخاص جدد، وبالتالي قد تتحسن جودة الأبحاث العلمية". وتضيف هيرشبرج: "نريد توظيف أفضل الباحثين في جامعاتنا؛ غير أن هذا لا يحدث دائمًا عندما يتعلق الأمر بباحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة". 

تقول سيبي أندرسون-تومبكِنز - مدير مكتب شؤون مرحلة ما بعد الدكتوراة بجامعة نورث كارولاينا في تشابل هيل - إن الدراستين تسلّطان الضوء على عملية التوظيف المليئة بالمجازفات، سواء في الحاضر، أم المستقبل، لباحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة في الولايات المتحدة وأوروبا. وتقول أندرسون-تومبكِنز: "لقد ركّزت الدراستان بالفعل على بعض التحديات والمشكلات. نحن ننظر إلى باحثي مرحلة ما بعد الدكتوراة على أنهم متدربون، لكنهم لا يحصلون على فرصة حقيقية للتدريب، استعدادًا للمسارات المهنية المختلفة". وتشير أندرسون-تومبكِنز إلى أن الباحثين الرئيسون يقعون تحت ضغط استكمال مشروعاتهم في مواعيدها المحددة، ومن ثم الفوز بمِنَح تالية. ولهذا، لا يستطيعون دائمًا تحميل أنفسهم مسؤولية مستقبل المتدربين العاملين تحت إشرافهم. وتتابِع أندرسون-تومبكِنز قائلة: "يجب أن تكون هناك إعادة صياغة كاملة للأدوات التي نقوم من خلالها بتصميم برامج التدريب لمرحلة ما بعد الدكتوراة، وتعيين وتوظيف الباحثين في هذه الوظائف". 

كريس وولستون كاتب حُرّ، مقيم في مدينة بيلينجز بولاية مونتانا.