صندوق الأدوات

متاهات ذكية

تُخَلِّص المتاهات الذكية الآلية باحثي العلوم السلوكية من رتابة مراقبة الحيوانات، وتعزز جودة البيانات، وموثوقيتها

تشارلز كيو. تشوي
  • Published online:

Illustration by the Project Twins

عندما كان مارك براندون، أخصائي عِلْم الأعصاب السلوكي طالبًا في مرحلة الدراسات العليا، أمضى ساعات طويلة في جعل القوارض تجري عبر متاهة على شكل حرف (T) باللغة الإنجليزية، وذلك في اختبار للقدرة على التعلم، تسلك به الحيوانات مسارًا معينًا، ثم تنعطف يمينًا، أو يسارًا. كانت هذه مهمة مفيدة، لكن باعثة على الملل. من ثم عندما حصل على وظيفة في هيئة التدريس في جامعة ماكجيل في ولاية مونتريال بكندا، أراد أن يتجنب هذه الرتابة.

 فحصل على متاهة آلية على شكل حرف (T) من شركة «ميز إنجنيرز» MazeEngineers، وهي شركة ناشئة في كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية. وقد اتسمت المتاهة - التي تتفوق بدرجة كبيرة على المتاهات البسيطة - بأبواب تبرز من الأرض بعد أن يمر الحيوان القارض بها؛ لكي تَحُول دون عودته أدراجه. كما أنها مزودة بكاميرا فيديو مدمجة للمراقبة؛ من أجل توثيق سلوك الحيوان. وبمجرد أن ينجز الحيوان القارض مهمته، توجهه المتاهة مرة أخرى إلى البداية. وبتحليل الدوائر العصبية النشطة خلال هذه التجارب، يأمل براندن وزملاؤه في تسليط الضوء على الكيفية التي يربط بها المخ بين الذكريات، والزمن. حول ذلك يقول براندن: "لقد كانت المتاهة الآلية المصمَّمة على شكل حرف T مفيدة إلى حد مذهل".

تزداد حاليًّا هذه النظم الآلية انتشارًا وتعقيدًا. ويعلّق على ذلك أليكساي كرافيتز، عالِم الأعصاب في المعهد الوطني الأمريكي لأمراض السكري والجهاز الهضمي والكلى في بيثيسدا بولاية ميريلاند، قائلًا: "بعض التقنيات التي أسفرت عن خطوات كبيرة إلى الأمام في مجالات أخرى، مثل شاشات العرض التي تعمل باللمس وأجهزة التحكم الدقيقة، بدأنا نشهدها وهي تشق طريقها إلى مختبرات البحث السلوكي"، لكنْ حتى مع وجود التقنيات المؤتمتة، تظل اللمسة البشرية مطلوبة في أغلب الأحيان؛ لضمان عمل هذه الأجهزة على نحو صحيح.

يستخدم الباحثون المتاهات لاختبار السمات العقلية للحيوانات، مثل الذاكرة والانتباه. وعلى مدار جزء كبير من القرن العشرين، دفعت المتاهات القوارض إلى سَلْك مسارات معقدة؛ لاستكشاف حدود القدرات العقلية لها. أما متاهات اليوم الآلية، فهي أقل تعقيدًا إلى حد كبير، على حد قول شوهان هي، مؤسس شركة «ميز إنجنيرز»؛ وهو ما يسهل الأخذ بالنتائج في التحليلات الإحصائية. ويضيف شوهان: "برأيي، المتاهات تتعلق بالقرارات والنتائج؛ فهي تتيح إجراء اختبارات مهمة للقدرات الإدراكية"، لكنْ نظرًا إلى أن الباحثين يرغبون - على نحو متزايد - في فحص أعداد كبيرة من الحيوانات في كل تجربة، وجمع أكبر كمية ممكنة من البيانات السلوكية، فقد أصبحت الأتمتة ضرورة.

استخدم العلماء في البداية نُظم التتبُّع بكاميرات الفيديو؛ لرصد سلوك القوارض تلقائيًّا في تسعينات القرن الماضي، بدءًا بالحواسيب التي تحدد مركز الكتلة في الحيوان لتمييز السلوكيات البسيطة، مثل ما إذا كان الحيوان قد سعى للوصول إلى محفز ما أم تجنبه. وقد أصبحت البرامج الحاسوبية اليوم - من خلال تتبع رأس الحيوان وأجزاء أخرى من جسده - قادرة على تمييز سلوكيات أقل وضوحًا، مثل تشمم الروائح، والتزيُّن، والتبول. وتوجد أنظمة تتبُّع أيضًا لمخلوقات أخرى، مثل ذباب الفاكهة، وسمك الدانيو المخطط.

جاستن رودز، أخصائي علم الأعصاب السلوكي بجامعة إلينوي في إربانا-شامبين، الذي يدرس تأثيرات التمارين الرياضية في الدماغ، علّق على ذلك قائلًا: "تستطيع الآن تشغيل برنامج ليراقب سلوك الحيوان تلقائيًّا في متاهة، وتحصل على البيانات لتحللها على الفور بعد انتهاء التجربة".

تبشر الأتمتة بقدر أكبر من الدقة والموضوعية، من خلال تقليص الدور البشري في التجارب، وذلك – على سبيل المثال - عند تحديد ما إذا كان الحيوان قد توقف كليًّا، أم مؤقتًا. وتوفر الأتمتة كذلك معدات ومهام معيارية تمكِّن الباحثين من المقارنة بين النتائج التي يتوصلون إليها بصورة مباشرة.

تبدأ أسعار متاهات الفئران الآلية على شكل حرف T من شركة «ميز إنجنيرز» من 4,900 دولار أمريكي. وتتوفر كذلك متاهات قائمة على أنظمة كاميرات فيديو وبرامج كمبيوتر، تقدّمها شركات معينة، مثل «كليفر سيس» Clever Sys في ريستون بولاية فيرجينيا، و«نولداس» Noldus في فاخينينجن بهولندا. ويُفضِّل رودز متاهة «هوم كيدج سكان» HomeCageScan من شركة «كليفر سيس»، (البالغ سعرها حوالي 55 ألف دولار المُعدة لأربعة أقفاص)، لأنها قادرة على مراقبة عدة حيوانات في الوقت نفسه. وهذا - على حدّ قوله - ليس بالأمر الهين، "في ضوء قدرة هذه الحيوانات على التسلق فوق وتحت بعضها بعضًا". أما إيفلين كوتيلا، أخصائية علم الأعصاب السلوكي في جامعة سينسيناتي بولاية أوهايو، فتفضل برنامج «إيثوفيجين» EthoVision من شركة «نولداس»، و(سعره 5,850 دولارًا لكل ترخيص)، بسبب واجهته سهلة الاستخدام.

وهذا لا يعني أن أنظمة المتاهات الذكية تعمل بصورة مثالية فور تشغيلها؛ فيضطر العلماء غالبًا - حسب قول رودز - إلى التلاعب في الإعدادات، بما في ذلك الإضاءة، والتباين البصري؛ لتشغيل برامج التتبُّع بالفيديو. كما يتعين عليهم قياس مدى دقة هذه الأنظمة في التعرف على سلوكيات الحيوانات. وتقول كوتيلا: "لن تكون هذه المتاهات الذكية مثالية، بيد أن هذا حال البشر أيضًا، لكن ما سيميّز البرامج عن البشر هو ثبات أدائها".

كان على فريق كوتيلا اختبار مدى كفاءة النظام الذي يستخدمه لتصنيف السلوكيات، مقارنةً بكفاءة الباحثين في ذلك. وكان على الفريق كذلك تحسين معايير معينة، مثل عدد وحدات البكسل التي ينبغي أن تظل بلا تغيير في كل إطار فيديو، حتى يتم اعتبار الفأر في حالة "وقوف تام". وتقول كوتيلا إن فريقها استغرق ستة أشهر ليطمئن إلى نتائج النظام. وقد أضافت قائلة في عام 2018: "إننا نستخدم النظام منذ عام، وسنبدأ في نشر الدراسات المعتمدة عليه في إبريل من عام 2018. وقد ساعدنا بالتأكيد على أن نحرز تقدمًا سريعًا".

تقوم متاهة ذكية أخرى، تُسمَّى «إنتلي كيدج» IntelliCage - من تصنيع شركة «تي إس إي سيستمز» TSE Systems في مدينة باد هومبورغ بألمانيا - بتتبُّع حركة الحيوانات، من خلال رقاقات التمييز التي تستخدم التردد اللاسلكي (RFID)، والمزروعة تحت جلد الحيوانات. وتشرح دانييلا أويتلر – أخصائية الشؤون العلمية المُشاركة من شركة «تي إس إي سيستمز» - ذلك بقولها: "لن يضطر الباحث إلى القلق بشأن الإضاءة، كما هو الحال مع التتبُّع بكاميرات الفيديو؛ فهذه المتاهة تعمل حتى في الظلام الدامس".

حجم متاهة «إنتلي كيدج» مناسب لدخول أي قفص تقليدي بالمختبرات البحثية. وكل ركن من أركانها الأربعة يحتوي على أجهزة، بإمكانها إخضاع القوارض لبعض الاختبارات التي قد تتعرض لها في المتاهة. على سبيل المثال، قد تتعرض القوارض لنفخة هواء كريهة في موضع معين، دون المواضع الأخرى. كما يمكن ضبط كل ركن للاستجابة لحيوانات معينة فقط؛ كي تخضع القوارض المختلفة لاختبارات متباينة.

تستوعب متاهة «إنتلي كيدج» - التي يبلغ سعرها 60 ألف دولار - 16 فأرًا. ويشير ديفيد وولفر - أخصائي علم الأعصاب السلوكي في جامعة زيورخ بسويسرا - إلى أن إمكانية وضع فئران عديدة في قفص واحد تُعَد ميزة، لأنها حيوانات اجتماعية. ويشرح ذلك بقوله: "وضع هذه الحيوانات معًا يساعد في تخفيف التوتر، الذي يمثل مصدرًا للتباين في البيانات"، لكن نظرًا إلى أن متاهة «إنتلي كيدج» تعتمد على رقاقات التمييز باستخدام التردد اللاسلكي، فإنها تتعرف - حسب قول وولفر - على عدد أقل من السلوكيات، مقارنةً بكاميرات الفيديو. على سبيل المثال، لا تستطيع هذه المتاهة رصد متى يقف الحيوان على قدميه الخلفيتين، لكن أويتلر تعارِض ذلك بقولها إن التحليل باستخدام كاميرات الفيديو أكثر عرضةً للتأثر بانحيازات الباحث المراقب فيما يتعلق بتفسير النتائج.

رصد السلوك الغذائي

قام علماء السلوك أيضًا بأتمتة رصد السلوك الغذائي، فيدرس كرافيتز - على سبيل المثال - البدانة من خلال تتبُّع مقدار ما تتناوله الفئران من طعام، ومستويات نشاطها. ونظرًا إلى أن الفئران تأكل كميات قليلة للغاية، فالأخطاء في القياس - مهما كانت ضئيلة – قد تؤدي إلى تضليل النتائج، وذلك حسب قول كرافتيز. وهنا يأتي دور الأتمتة.

الأجهزة الآلية، التي تصنعها شركات معينة - مثل «ريسيرش دايتس» Research Diets في نيو برونزويك بنيوجيرسي، و«سيبل سيستمز إنترناشيونال» في نورث لاس فيجاس بنيفادا – تستخدم موازين إلكترونية دقيقة الحجم؛ لقياس استهلاك كل حيوان من الطعام، لكنّ هذه الأجهزة قد تكون باهظة التكلفة، وهو ما يجعل من غير العملي من الناحية الاقتصادية دراسة العديد من الحيوانات في التوقيت نفسه. ولهذا، طوّر كرافيتز وزملاؤه بديلًا مفتوح المصدر، وهو جهاز «فيدينج إكسبريمنتيشن ديفيس» FED.

ويستخدم جهاز «فيدينج إكسبريمنتشن ديفيس» - الذي صُمِّم حجمه بحيث يمكن إدخاله في الأقفاص المعيارية - رقاقات التمييز باستخدام التردد اللاسلكي المزروعة في الحيوانات؛ لتوثيق سلوكها، من خلال تسجيل كل مرة يقضم فيها أحد الفئران قرص طعام. ويتكلف تصميم كل جهاز حوالي 350 دولارًا، وهو ما يُعَد أقل من عُشر سعر الأجهزة التجارية المتاحة.

وتتوفر إرشادات استخدام هذا الجهاز على موقع «أوبن بيهيفيور» OpenBehavior، وهو موقع شارك كرافيتز في تأسيسه، وتم تخصيصه لمشروعات علم السلوك مفتوحة المصدر، لكنّ كرافيتز يحذّر من أن الباحثين الذين يصنعون أجهزتهم بأنفسهم يتحملون وحدهم مسؤولية أجهزتهم، إذا حدث أي عطل فني فيها. ويعلّق على ذلك بقوله: "يتم تصميم هذه الأجهزة، وهي رخيصة التكلفة في تصميمها، لكن مدى رخصها يعتمد على قيمة وقتك". 

أجهزة "آيْباد" للقوارض

في جامعة ويسترن بمدينة لندن في كندا، طوّر تيم بوسي، وليزا ساكسيدا -  أخصائيا علم الأعصاب المعرفي - غرفًا تحتوي على شاشات تعمل باللمس، يمكن للباحثين استخدامها لاختبار القوارض في 20 مهمة معرفية، أو نحو ذلك، في اختبارات تشمل الذاكرة، والقدرة على التعلّم، والانتباه، بل والمجازفة أيضًا.

يقول بوسي: "هذا أشبه باستخدام الفأر لجهاز آيباد. ووجه الاختلاف الرئيس هو أن الإنسان يلمس الشاشة بإصبعه، أما الفأر، فيلمسها بأنفه". وعندما ينجز الفأر المهمة بنجاح، يُوزِع وعاء طعام مدمج في القفص قطرات من مخفوق حليب الفراولة للفأر.

تأتي شاشات اللمس مبرمجة سلفًا بمهام صممتها شركة «كامبدِن إنسترومنتس» Campden Instruments في لافبورو بالمملكة المتحدة، وشركة «لافايت إنسترومنت» Lafayette Instruments في إنديانا. وكبديل، يمكن للباحثين، حسبما يقول بوسي، استخدام برنامج يسمَّى «نظام اختبار بيئة سلوك الحيوان»؛ لبرمجة المهام المعرفية الخاصة بتجاربهم.

ويقول براندن، الذي يستخدم هذه الأجهزة في أبحاثه، إنه نظرًا إلى أن المهام المعرفية معيارية، يمكن مقارنة البيانات المستقاة منها عبر مختلف المختبرات، أو حتى أنواع الكائنات. والهدف من ذلك هو وضع المعلومات المستمدة من عدة مختبرات في قاعدة بيانات واحدة؛ كي يستطيع الباحثون تحديد دور الخلايا العصبية في شتى البنى الدماغية في أثناء مهام محددة. ويضيف براندن قائلًا: "إن مقدار البيانات التي بإمكاننا جمْعها مذهل حقًّا".

وهذه الكميات من البيانات في تزايد مستمر. فيعمل براندن حاليًّا على تزويد الغرف التي تحتوي على شاشات تعمل باللمس بميكروسكوبات صغيرة مفتوحة المصدر، تَستخدِم التصوير بالاستشعاع الفلوري؛ لتسجيل النشاط العصبي في الفئران حرة الحركة، وذلك بتكلفة 500 دولار لكل ميكروسكوب. ويضيف براندن قائلًا إنه من الممكن أيضًا تزويد الغرف بحقول تجارب علم الوراثيات البصرية، وهي تجارب تستخدم الضوء في تعديل النشاط العصبي.

دفعت بعض الشركات الأتمتة إلى حدود أبعد، من خلال صناعة مأوى مؤتمت بالكامل للحيوانات، يسمح بمراقبة دائمة على مدار الساعة، من أجل التوسع في معرفة تأثير دواء معين، على سبيل المثال. فنظام «فينو وورلد» PhenoWorld من شركة «تي إس إي سيستمز» - على سبيل المثال - يستوعب عدة فئران أو جرذان موسومة برقاقات التمييز باستخدام التردد اللاسلكي في ساحات ومتاهات وأرضيات متعددة؛ لتنفيذ التجارب. ويسجل هذا النظام بالتزامن السمات الأيضية، وغيرها من الصفات الأخرى في الحيوانات. وتقول أويتلر إن تكلفة نظام يستوعب مستعمرة كاملة يمكن أن تبلغ 800 ألف دولار.

وبالمثل، يصمم الباحثون في شركة «ميز إنجنيرز» متاهة «ليبرنث» Labyrinth، وهي شبكة تضم عددًا من الوحدات، يصل إلى 25 وحدة، يمكن تهيئتها لتشكّل أكثر من 20 متاهة آلية. ويمكن ربط وحدات إيواء القوارض بحواف المتاهة، وهو ما يسمح للحيوانات بالدخول والخروج تلقائيًّا. ويقول شوهان هي: "حلمي أن نصل إلى تطوير متاهة تدير نفسها بنفسها".

وإذا تَحَوّل هذا الحلم إلى حقيقة؛ فربما تنتقل المتاهات من العمل كأدوات علمية إلى القيام بدور العلماء أنفسهم.

تشارلز كيو. تشوي كاتب مستقل في مجال العلوم، يقيم في مدينة نيويورك سيتي.