تحقيق إخباري

درب التبانة بين الماضي والمستقبل

البيانات الواردة من مركبة «جايا» الفضائية تُحْدِث تغيرًا جذريًّا في منظورنا عن تطور المجرة.

آدم مان

  • Published online:

ESA/GAIA/DPAC, CC BY-SA 3.0 IGO

في شهر إبريل من عام 2018، بينما كانت أمينة حلمي تقود سيارتها إلى مقر عملها في شمال هولندا، شعرت بقشعريرة انتابت جسدها. ولم يكن للطقس دَخْل في ذلك، وإنما كان ترقٌّبًا محضًا .  فقبل أيام فقط، ورد فيض من البيانات الصادرة عن «جايا» Gaia، البعثة التابعة لوكالة  الفضاء الأوروبية (ESA)، التي قضت خمس سنوات في وضع خرائط لمجرّة درب التبانة، إذ كانت عالمة الفلك أمينة حلمي - من جامعة خرونينجن - هي وفريقها يسابقون الزمن؛ لتمشيط هذه البيانات؛ أملًا في الوصول إلى رؤى متعمقة بشأن مجرّتنا، قبل أن يسبقهم غيرهم إليها. 

عكفت حلمي وفريقها على العمل بخطى حثيثة، إلى حد أن النوم جافى الفريق من فرط الحماس، إذ راود أفراده شعور بأنهم على وشك التوصل إلى اكتشاف ما. ونجح الفريق في رصد مجموعة من النجوم المرتدة، يبلغ عددها 30 ألف نجم. فعلى النقيض من الأجرام الأخرى التي تدور في شكل قرص مسطح نسبيًّا، الواقعة في الجزء المركزي من مجرة درب التبانة، كانت هذه النجوم المنشقة تتحرك متراجعةً إلى الخلف، في مدارات تحملها إلى خارج مستوى المجرة.

وفي غضون أسابيع، استنتج الفريق أن هذا الحشد الهائل من النجوم الساطعة يُشير إلى فصل مفعم بالاضطرابات من تاريخ المجرة، ظل مجهولًا لفترات طويلة: إلى تصادم عنيف بين المجرة اليافعة، ورفيق عملاق1. طاف ذلك الوحش الضخم فيما مضى مجرة درب التبانة، مثل كوكب يدور حول نجم، ولكن قبل فترة تتراوح ما بين 8، و11 مليار سنة، اصطدم الاثنان معًا، وهو ما أسفر عن تغيُّرات هائلة في قرص المجرة، وأدى إلى بعثرة النجوم بعيدًا، وعلى مساحات شاسعة. ويُعتبر هذا الحدث آخر الاصطدامات الكبرى المعروفة التي شهدتها مجرتنا، قبل أن تتخذ شكلها الحلزوني المألوف، الذي نراه اليوم.

وبالرغم من أن دلائل هذا التصادم القديم ظلت كامنة لمليارات السنين في مكان ظاهر للعيان، لم يتمكن علماء الفلك من رصدها بنهاية المطاف، إلا بفضل مجموعة البيانات الواردة من بعثة «جايا». وتقول حلمي في هذا الصدد: "يُتعذر تصديق أنْنا تمكننا من اكتشاف مثل هذه المرحلة الفارقة في تاريخ مجرة درب التبانة".

وقد بدأت اكتشافات مهمة كهذه تغدو شبه معتادة بفضل بعثة «جايا»، إذ تهدف المهمة الفضائية إلى تصنيف ما يزيد على مليار نجم من النجوم المحلية، ووضع خرائط بيانية لدرجات سطوعها، ودرجات حرارتها، وأعمارها، ومواقعها، وسرعاتها. وتحقق الخاصّيتان الأخيرتان فائدة خاصة لعلماء الفلك، فقبل انطلاق بعثة «جايا»، لم تتوفر لدى العلماء قياسات عالية الدقة للمسافات التي تفصلنا عن كثير من النجوم، فضلًا عن افتقارهم إلى معلومات عما يسمَّى بالحركة الخاصة، أو حركة النجوم عبر الفضاء. فبالاستعانة بهذه المعلومات بالغة الأهمية، يستطيع الباحثون - مثلما استطاعت حلمي، وفريقها - أن يبحثوا عن مجموعات الأجرام المتنقلة معًا في مسارات منسقة، تشير إلى تاريخ مشترك يجمعها. وإضافة إلى ذلك،  فإن معرفة  سرعات النجوم يمكن أن تساعد علماء الفلك على تتبُّع تأثير المادة المظلمة (المادة الخفية والغامضة حتى الآن،  التي تشكل أغلب كتلة المجرة، وتُحْدِث انحناءات في مسارات النجوم تحت تأثير جاذبيتها).

ومنذ إصدار بعثة «جايا» لبياناتها في شهر إبريل من عام 2018، نُشِرَت المئات من الأبحاث. وترسم هذه الأبحاث صورة لمجرّة درب التبانة، بطريقة تبدو فيها مجرّتنا أكثر ديناميكية، وتعقيدًا مما تخيلناه من قبل، إذ تعج المجرة بالمفاجآت، ومن بينها بعض الدلائل المُشيرة إلى تكتلات من المادة المظلمة، قد تتيح للعلماء في نهاية المطاف فهمًا أفضل عن خصائص هذه المادة الغامضة. ويقول فاسيلي بيلوكوروف - عالم الفلك في جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة - إن النتائج الأولية الواضحة التي توصل إليها العلماء أحدثت بالفعل تغيرات جذرية. ورغم ذلك، فهي لا تقدم إلا لمحة عما هو آت. ويضيف قائلًا: "إن نظرتنا إلى مجرّة درب التبانة قد تغيرت تغيراً واضحًا".

 ماضٍ مضطرب

يقع النظام الشمسي على حدود مجرة درب التبانة على مسافة تبعد حوالي 8000 فرسخ فلكي (أي ما يعادل 26000 سنة ضوئية) من مركز المجرة، فوق ذراع حلزوني ثانوي، يُدعى الجبار (Orion). وينبغي على علماء الفلك، من هذا الموقع، المُطل على الحزام النجمي الهائل الممتد عبر سماء الليل، أن يضعوا خريطة تفصيلية لبِنْية المجرّة. بحلول منتصف القرن العشرين، رسم علماء الفلك لوحة عامة، حسمت أن نجوم مجرّتنا موزعة في انتفاخ بمركز المجرة، تطوقه أذرع أفعوانية نجمية، وتحيطه هالة كروية رقيقة. وفي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، استنتج الباحثون كيفية تكوُّن هذه البِنْية على مدار مليارات السنين، بدءًا من سحابة شاسعة من المادة المظلمة، والغازات، والغبار، ثم انكمشت المكونات المرئية لتأخذ شكل هيكل شبيه بالقرص، تضخَّم فيما بعد عن طريق ابتلاع مجرات تابعة أصغر حجمًا. وتمكّن علماء الفلك، لاحقًا، من استكمال باقي التفاصيل، مستخدمين تليسكوبات أرضية؛ لالتقاط صور فوتوغرافية متكررة لسماء الليل بالكامل.

وقد أتاحت عمليات المسح المماثلة  للعلماء أن يراقبوا عن كثب أكبر الأجرام المجرِّية الضخمة؛ كالهالة النجمية، حيث عثروا على بقايا مجرّات صغيرة قد توسعت مكونةً سلاسل من حطام مرصع بنجوم لامعة.

 بيد أن عمليات المسح الأرضية هذه لا تمد علماء الفلك إلا بقَدْر محدود من المعلومات حول بِنْية مجرة درب التبانة، وهو ما يرجع  في الأساس إلى أن الضبابية الناتجة عن الغلاف الجوي المضطرب للأرض تحدّ من دقة قياس المسافات التي تفصلنا عن النجوم. وبالرغم من إمكانية حساب السرعات التي تتحرك بها النجوم مقتربة من الأرض، أو مبتعدة عنها،  من خلال التغيرات في لون النجوم، فمن الصعب تصنيف حركاتها الخاصة، ومن ثم سرعاتها الكاملة ثلاثية الأبعاد، وذلك نتيجةً لتحرك أغلب الأجسام ببطء شديد عبر السماء بمقاييس الزمن البشرية. وقد أدت تلك المشكلة إلى إضفاء الغموض على العلاقات بين كثير من النجوم، وهي علاقات قد تُكتشف من خلال رصد التشابهات بين تحركات هذه النجوم.

صُممت بعثة «جايا» الفضائية، البالغة تكلفتها قرابة 740 مليون يورو (أي ما يعادل 844 مليون دولار أمريكي)، والتي اعتُمِدت في عام 2000، ثم انطلقت في عام 2013، بهدف سد هذا النقص في المعلومات. تدور مركبة البعثة حول الشمس في مدار يبعد قليلًا عن مدار الأرض حول الشمس، وتلتقط صورًا للنجوم ذاتها، من مواقع مختلفة في مدارها، وهو ما يسمح لعلماء الفلك بقياس المسافات من خلال مقياس كمي يُطلق عليه «المنظور النجمي»، وهو بمثابة تحولات متناهية الصغر في الموقع الظاهري لجرم ما في السماء تتلازم مع تغيُّر في منظور الجرم. وسبق أن جمع القمر الصناعي «هيباركوس» Hipparcos - التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والذي دخل حيز العمل في الفترة بين عامي 1989، و1993 - بيانات مشابهة عن «المنظور النجمي»، لكنْ في نهاية المطاف، سوف تكون بيانات بعثة «جايا» أدق من بيانات «هيباركوس» بمقدار مائة مرة. وبفضل دقتها هذه، يمكنها سبر أغوار المجرة بشكل أعمق؛ فحوالي 99% من النجوم التي ترصدها، والتي يفوق عددها مليار نجم، لم يسبق أن حدد العلماء مسافاتها بدقة.

وفي إطار مهمة تطلبت جهدًا حسابيًّا مكثفًا، أنشأ باحثو بعثة «جايا» مخططًا لموقع كل نجم بالنسبة إلى كل نجم آخر من النجوم التي يرصدها التليسكوب. وسمح ذلك للفريق بقياس السرعة التي تتحرك بها النجوم كما تبدو عبر السماء، أي  حركات النجوم الخاصة. ويمكن لعلماء الفلك - من خلال حساب التحولات الصغيرة في ألوان النجوم - أن يحصلوا على مؤشر يدل على مدى سرعة الأجرام في أثناء تحركها مقتربة من القمر الصناعي، أو مبتعدة عنه، على امتداد مجال رؤيته. وبالجمع بين كلا القياسين - بالإضافة إلى المسافات المحسوبة عبر بعثة «جايا» - يتم التوصل إلى الحركة الكاملة ثلاثية الأبعاد للنجوم. وبإمكان مركبة «جايا» أن تقيس حركة أسطع النجوم التي ترصدها في مجال رؤيتها، في حين سوف تساعدها التليسكوبات الأرضية في قياس حركة باقي النجوم. وبمعرفة موقع كل نجم ووجهته، يستطيع الباحثون أن يزيحوا الستار سريعًا عن تاريخ مجرّتنا الخفي.

كان الحال كذلك فيما يتصل بالاصطدام القديم الذي درسته حلمي وزملاؤها (انظر: "إعادة تشكيل المجرة"). توصّل الفريق - من واقع أبحاثه - إلى أدلة على أن زمرة النجوم التي رصدها تنبثق من أصل مشترك، وهي أدلة دعّمتها البيانات المستمدة من مسح تليسكوب «سلووان» Sloan الرقمي للسماء (SDSS)، في ولاية نيو ميكسيكو، إذ أظهر هذا المسح أن جميع أعضاء هذه المجموعة النجمية يتشابهون في تركيبهم الكيميائي. ووقع اختيار الفريق على اسم «جايا- إنسيلادوس» Gaia-Enceladus، كاسم للمجرّة القزمة التي يُعتقد أنها كانت موطن هذه النجوم. وطبقًا للأساطير الإغريقية، فإن «إنسيلادوس» هو عملاق انحدر من نسل الإله «جايا».  

ومن قبيل المصادفة، أن بيلوكوروف وزملاءه اكتشفوا كذلك شواهد دالة على ذلك الاصطدام، مستخدمين معلومات مستقاة من بيانات بعثة «جايا» الأولية، نُشرِت في عام 2016. لم تتضمن تلك البيانات قياسات الحركة الخاصة، لكنْ بمقارنة مواقع النجوم في مجموعة البيانات تلك، بأرصاد تليسكوب SDSS، المسجلة منذ حوالي عشر سنوات، نجح الفريق في معرفة كيف تحركت النجوم في أثناء الفترة الزمنية الفاصلة. لاحظ الفريق البحثي مجموعة من الأجرام تتحرك معًا في مدارات غريبة ، من شأنها أن تؤدي بشكل حتمي إلى انتقالها من مركز المجرّة إلى أطرافها. بدا أن هذه المجموعة من الأجرام قد نتجت من اصطدام واحد هائل، وقد اتضح تاريخها المشترك من التشابهات القائمة في محتواها من المعادن. ونظرًا لأن مخطط الرسوم البيانية لسرعات تلك النجوم كَوَّن شكل «نقانق»، فقد أطلق الفريق على هذه المجرّة القديمة القزمة، التي احتضنت هذه النجوم يومًا ما اسم «نقانق جايا» Gaia Sausage2.

أدّت الازدواجية في اسم المجرة إلى بعض الالتباس في الأوساط العلمية، لكن أيًّا كان اسمها، فإن هذا الاندماج القديم قد يُعتبر مفتاحًا يقودنا إلى حل لغز مجرّتنا الذي دام طويلًا. ويتكون قرص المجرة من عنصرين: قرص داخلي رقيق يحوي غازات، وغبارًا، ونجومًا يافعة، يبدو كحشو بسكويت «الأوريو»، ويستقر هذا القرص داخل قرص خارجي سميك، يتكون بالكامل تقريبًا من نجوم أقدم. وقد دار جدل بين علماء الفلك عما إذا كان القرص السميك قد تشَكَّل أولًا، ثم تبعه تكثُّف للغازات والغبار، مشكِّلًا لُبًّا أقل سُمْكًا، أم أن بِنْية القرص قد بدأت بقرص رقيق انتفخ فيما بعد بشكل جزئي. وبالنظر إلى أن «نقانق- جايا- إنسيلادوس» كانت تمثل جزءًا كبيرًا من حجم مجرّة درب التبانة أثناء الاصطدام، فلا بد أنها أسهمت بقدر هائل من الطاقة في قرص المجرة، مسببةً ارتفاع درجة حرارته وتمدده. ويرى فريق حلمي البحثي أن هذه إشارة، من شأنها أن تؤيد سيناريو الانتفاخ، وأنها دليل على تعرُّض مجرّتنا لتغير جذري.

انفجار معرفي

إن سرعة تكوين مثل هذه الرؤى المتعمقة المستقاة من بيانات «جايا»، والتي كان يصعب من قبل التوصل إليها، قد أذهلت الباحثين؛ فعالمة الفلك كاثرين جونستن - بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك - تتذكر الضجة التي صاحبت نشر بحث علمي في اليوم الذي تلا نشر بيانات «جايا» في شهر إبريل. وقد أوضح هذا البحث كيف أن ما يقرب من 6 ملايين نجم، بالقرب من الشمس، تصطف كلها في نمط حلزوني مميز، أشبه بقوقعة الحلزون3.

إعادة تشكيل المجرّة بالاستعانة ببيانات مستمَدّة من قمر «جايا» الصناعي، اكتشف فريقان بحثيان نجومًا، يبدو أنها نشأت في مجرّة أصغر حجمًا كانت تدور في السابق حول مجرة درب التبانة. وقبل ما يقرب من عشرة مليارات سنة، اصطدمت المجرّتان، وهو ما أسفر عن إعادة تشكيل بِنْية مجرّة درب التبانة، على غرار ما يظهر في هذه المحاكاة لاندماج المجرتين. ولم تزل بقايا المجرّة الأصغر، التي أَطلَق عليها فريق بحثي اسم «جايا-إنسيلادوس»، تتحرك في اتجاهات ومدارات متماثلة.

إعادة تشكيل المجرّة بالاستعانة ببيانات مستمَدّة من قمر «جايا» الصناعي، اكتشف فريقان بحثيان نجومًا، يبدو أنها نشأت في مجرّة أصغر حجمًا كانت تدور في السابق حول مجرة درب التبانة. وقبل ما يقرب من عشرة مليارات سنة، اصطدمت المجرّتان، وهو ما أسفر عن إعادة تشكيل بِنْية مجرّة درب التبانة، على غرار ما يظهر في هذه المحاكاة لاندماج المجرتين. ولم تزل بقايا المجرّة الأصغر، التي أَطلَق عليها فريق بحثي اسم «جايا-إنسيلادوس»، تتحرك في اتجاهات ومدارات متماثلة. 

كبر الصورة

IMAGES FROM ESA

تشبِّه جونستن هذا النمط بأنه بصمة، خلّفتها مجرة تابعة صغيرة تُعرف باسم كوكبة القوس (Sagittarius). ففي كل مرة تهبط بها كوكبة القوس مقتربةً بسرعة خاطفة، تتسبب في اختلال جاذبية نجوم المجرة، وهذا من شأنه توليد ذبذبات وتموجات في قرص المجرة. وسبق أن طرح الباحثون تخمينات بشأن هذه البصمات، غير أن هذا النسق المميز في بيانات «جايا» بدا كأول إشارة واضحة، ولافتة، تدل على تأثير كوكبة القوس. وعلَّقت جونستن على ذلك قائلة: "أرى أن تلك كانت لحظة مذهلة" وتضيف: "كان الشكل الحلزوني واضحًا للغاية. وبدا كأنه تنبؤ نظري وارد من محاكاة مثالية، لا مخطط فعلي لبيانات".

بفضل ما قدَّمه مسبار «جايا» من أرصاد، لم تعد تلك الاختلالات واضحة للعيان فحسب، بل أضحت تقص رواية مختلفة عن ماضي درب التبانة، فسابقًا، سادت بين غالبية  العلماء فرضية بأن الهالة الخارجية لمجرّتنا قد شهدت تاريخًا مليئًا بالفوضى والتصادمات مع المجرّات التابعة الأصغر حجمًا، في حين شهد الجزء المركزي سكونًا نسبيًا. وبصورة عامة، اعتبرت سمات - مثل الأذرع الحلزونية، وشريط النجوم الذي يُعتقد أنه يمر عبر الانتفاخ المركزي للمجرة - على أنها نواتج للديناميكيات الداخلية لمجرّة درب التبانة، لكن هذه الذبذبات التي يبدو أن كوكبة القوس تحفزها، تشير إلى وجود قوى خارجية ذات تأثير أكبر على شكل المجرّة مما كان يُعتقد سابقًا.

يشير أدريان برايس-ويلان - عالِم الفيزياء الفلكية من جامعة برينستون بولاية نيو جيرسي - إلى أن بيانات «جايا» تجبر الباحثين على إعادة النظر في بعض الافتراضات المسَلَّم بها، والمستخدَمة في تبسيط النماذج، ويضيف قائلًا: "كنا نعلم أن تلك الافتراضات خاطئة، وقد أوضحت بيانات «جايا» لنا الآن إلى أيّ مدى كانت خاطئة".

تصوير الجانب المظلم

إنّ مسعى العلماء لوضع خرائط للأجرام المضيئة في مجرّتنا قد يلقي الضوء على المادة المظلمة، التي يحتمل أنها تشكل ما يقرب من 90% من كتلة مجرّتنا. ويَعتقِد واضعو النظريات أن مجرّتنا تقع داخل هالة ضخمة، شبه كروية، من المادة المظلمة التي تكتلت معًا - على نحو مماثل إلى حد كبير للمواد العادية  - بفعل الجاذبية، مشكِّلة بِنى أصغر حجمًا. وتدل عمليات المحاكاة الكونية على أن آلافًا من التكتلات الكبيرة من المادة المظلمة تدور حول المجرّة، وتبتلعها بين الحين والآخر كتلة من المادة المظلمة في مركز المجرّة، في عملية مشابهة لابتلاع مجرّة درب التبانة لمجرّاتها التابعة الظاهرة الأصغر حجمًا.

مِن المعتقَد أن الغالبية الساحقة من البِنى الثانوية المؤلفة من المادة المظلمة تحوي نجومًا قليلة، أو لا تحوي نجومًا على الإطلاق،  وهو ما يجعل رصدها صعبًا، لكن قد تكون بعثة «جايا» قد نجحت في العثور على إشارة إلى وجود مثل هذه التراكيب عبر GD-1، وهي سلسلة طويلة من النجوم، اكتُشفت عام 2006، وتمتد عبر منتصف السماء الشمالية. وسبق أن أجريت دراسات على هذه السلسلة النجمية، لكن بعثة «جايا» سمحت لبرايس-ويلان، وعالمة الفلك آنا بوناكا - من مركز هارفارد-سميثونيان للفيزياء الفلكية بكامبريدج في ماساتشوستس - برصد نجوم حقيقية من هذه المجموعة4 بمزيد من الثقة. وفي شهر نوفمبر من عام 2018، توصّل العالمان سالفا الذكر - بالتعاون مع زميلين لهما - إلى اكتشاف سمات بنيوية، من بينها فجوة مميزة، ربما تكون من أثر تصادم مع جرم ضخم، قبل حوالي 500 مليون سنة5. وربما أدّى مصدر الاضطراب المفترض – في أثناء مروره السريع بالسلسلة النجمية - إلى تفكك قاطرة النجوم هذه، عن طريق جذب بعض النجوم إليه بقوة الجاذبية، وهو ما سمح لهذه النجوم بالتقدم على نظائرها.

وتقول بوناكا إنّه يبدو أن السبب الأرجح لحدوث ذلك هو تكتُّل كثيف من المادة المظلمة، يُحتمل أن تفوق كتلته كتلة الشمس بما يتراوح بين مليون، ومائة مليون مرة. ويمكن لهذا التقدير أن تكون له دلالات في النماذج الفيزيائية للمادة المظلمة؛ فكتلة جسيم من المادة المظلمة تساعد على تحديد مدى سرعته، ومن ثم حجم التكتلات القادر على تكوينها. وترى بوناكا أن حجم الجسم المسبِّب لاضطراب سلسلة GD-1 النجمية يقع في نطاق مثير للاهتمام، يمكن معه أن نستبعد من احتمالاتنا تكتلات المادة المظلمة ذات الكتلة الأقل نسبيًّا.

وتهتم بوناكا وفريقها في الوقت الحالي باستخدام بيانات «جايا»، لتحديد سرعات النجوم التي اضطربت حركتها في تلك السلسلة، وهو ما قد يشير إلى المدار الذي يسلكه تكتل المادة المظلمة المفترض. وإذا نجحوا في التحقق من موقعه الراهن، فربما يستطيعون رصد تأثير جاذبيته على مواد أخرى، أو قد يتسنى لهم توجيه تليسكوبات تستخدم أشعة جاما صوب تلك المنطقة، من أجل البحث عن شواهد دالة على وجود جسيمات من المادة المظلمة، تدمر بعضها البعض، أو تتحلل، وهي عمليات من شأنها أن تبعث فوتونات محملة بالطاقة. وقد يتيح أيٌّ من الأسلوبين فحصًا أكثر مباشرة للخواص الفيزيائية لهذه المادة غير المرئية.

وبرغم ذلك، يؤكد برايس-ويلان على صعوبة التوصل إلى الكثير من الاستنتاجات، استنادًا إلى مثال واحد، لكنه يأمل أن تؤدي الدراسات المنهجية المعتمدة على دليل «جايا»، والمراصد المستقبلية - مثل التليسكوب الأرضي الكبير للمسح الشامل في تشيلي، المتوقَّع أن يبدأ في جمع البيانات في أوائل عشرينيات هذا القرن – إلى الكشف عن نجوم أقل سطوعًا، وسلاسل نجمية أخرى. وإذا ما أظهر بعضٌ من تلك السلاسل النجمية تأثيرات ناجمة عن التعرض لتكتلات من المادة المظلمة، فمن الممكن أن يمدّ هذا علماء الفلك بفكرة أوضح عن مدى انتشار هذه التكتلات، وحجمها، وهو ما قد يساعد في البت في خصائص المادة المظلمة.

ويأمل علماء الفلك أن تساعدهم بيانات بعثة «جايا» عن تحركات النجوم على وضع مخطط يضم تفاصيل الشكل العام للجانب المظلم من مجرّتنا. وقد تختلف درجة كروية، وتناسق شكل هالة المادة المظلمة لمجرّة درب التبانة، حسب نوع الجسيمات المكوِّنة لها. ويتوقع بيلوكوروف أن تكون المعلومات الواردة من «جايا» عن مدارات النجوم المحلية كافية للتوصل إلى الشكل العام لهالة المادة المظلمة وإجمالي كتلتها، على مدار العامين إلى الأربعة أعوام المقبلة.

ولن تقتصر فائدة مثل هذه النتائج على مجرّة درب التبانة فحسب، بل سوف يستعين الباحثون بالنتائج التي يتوصلون إليها حول تاريخ المجرة، وتوزيع المادة المظلمة، لتغذية نماذج كونية مستخدمة بغرض اكتشاف كيفية نمو البِنَى الضخمة في الكون، وتغيُّرها. وقد منحت بالفعل وكالةُ الفضاء الأوروبية بعثةَ «جايا» أول تمديد لمهمتها حتى نهاية عام 2020. ويَعتقِد أنطوني براون - عالم الفلك بجامعة ليدن في هولندا، ورئيس ائتلاف البعثة لمعالجة البيانات وتحليلها - أن القمر الصناعي بإمكانه الاستمرار في جمع البيانات حتى عام 2024، في مهمة يبلغ إجمالي مُدّتها عشر سنوات. ويردف براون قائلًا إنّ هذا التمديد من شأنه أن يحسِّن من دقة قياسات «جايا» للحركة الخاصة للنجوم التي ترصدها، بواقع ثلاثة أمثال دِقّتها السابقة، فضلًا عن أنه قد يسمح بتقديم معلومات عن نجوم أبعد بكثير من تلك التي ندرسها حاليًّا.

لم ينته تدوين إرث «جايا» النهائي بعد، لكنْ تدل جميع المؤشرات على أنه سيكون إرثًا ضخمًا. فالبيانات الواردة من عمليات المسح الكلي للسماء - مثل تلك التي تجرى باستخدام تليسكوب SDSS - لم تزل تتيح مكتشفات بناءة حول الكون، حتى بعد مضيّ عقد أو أكثر من الزمن على إتمام هذه العمليات. وتتطلع حلمي إلى استكشاف المزيد من صفحات تاريخ مجرّة درب التبانة مع تزايد بيانات دليل «جايا»، وتفاصيله. وتختتم حلمي حديثها قائلة: "مما أجده مشوقًا للغاية، أننا بدأنا لتَوِّنا التنقيب في أسرار الماضي بشكل فعلي".

References

  1. Helmi, A. et al. Nature 563, 85–88 (2018). | article
  2. Belokurov, V., Erkal, D., Evans, N. W., Koposov, S. E. & Deason, A. J. Month. Not. R.Astron. Soc. 478, 611–619 (2018).| article

  3. Antoja, T. et al. Nature 561, 360–362 (2018). | article

  4. Price-Whelan, A. M. & Bonaca, A. Astrophys. J. 863, L20 (2018). | article

  5. Bonaca, A., Hogg, D. W., Price-Whelan, A. M. & Conroy, C. Preprint at https://arxiv.org/abs/1811.03631 (2018). | article

آدم مان صحفي حُرّ، مقيم في مدينة أوكلاند بولاية كاليفورنيا.