رؤية كونية

كيفية إنجاح «الصفقة الخضراء الجديدة» القادمة 

يشدد إدوارد بي. باربيير على أن صانعي السياسات يتعين عليهم أن يتعلموا من أخطاء الماضي، وأن يتوقفوا عن تقديم الإعانات المالية للأنشطة المسببة للتلوث؛ حتى تؤتي الاستثمارات الصديقة للبيئة ثمارها.

إدوارد بي. باربيير
  • Published online:

© COLORADO STATE UNIVERSITY

مع بدء انعقاد جلسة الكونجرس الأمريكي رقم 116، يتنامي تحالفٌ مؤيِّد للتوصل إلى «صفقة الخضراء جديدة» Green New Deal طموحة. وإذا نجحت الصفقة، ستبدأ لجنة جديدة تابعة لمجلس النواب في صياغة خطة، مدتها عشر سنوات، تهدف إلى التحول بعيدًا عن الصناعات الملوِّثة، واعتماد بِنْية تحتية صديقة للبيئة، وإنتاج الطاقة بالكامل من مصادر متجددة، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تحسين آفاق مستقبل العمال الأمريكيين.

هل يبدو هذا مألوفًا؟ إنه كذلك بالفعل؛ ففي عام 2008، وفي خضم الركود الكبير، طَلَبَ مِنِّي برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) كتابة تقرير، شَكَّل أساسًا لـ«الصفقة الخضراء العالمية الجديدة» الخاصة بالبرنامج، وذلك لتحفيز الانتعاش الاقتصادي، وخلق فرص عمل. كانت الصفقة ترمي إلى الارتقاء بمستوى معيشة فقراء العالم، وتقليل الاعتماد على الكربون، وعكس اتجاه التدهور البيئي.

على مدار العِقد الذي تلا هذا، كنت شاهدًا على الجهود التي كُللت بالنجاح وتلك التي لم تحرزه، ووقفت على أسباب النجاح والفشل . ولكي تنجح أحدث نسخة من «الصفقة الخضراء الجديدة»، يتعين على الحكومة الأمريكية أولًا وقف الإعانات المالية المقدمة إلى الأنشطة القائمة على الوقود الأحفوري، وتصحيح التشوهات السوقية الأخرى الداعمة لـ "الاقتصادات البُنّية"، أي تلك الاقتصادات التي تعتمد على الوقود الأحفوري وتتجاهل التأثيرات البيئية الناجمة عنه. ثانيًا، يتعين علي الحكومة الأمريكية تمويل السياسة الجديدة على نحوٍ مستدام.

انعقدت آمال كبرى على الصفقة الخضراء العالمية الجديدة الخاصة بالأمم المتحدة؛ فبين عامي 2008، و2010، رصدت دول مجموعة العشرين، وعدد من الاقتصادات الأخرى، 3.3 تريليون دولار أمريكي في صورة محفزات مالية، وتم تخصيص ما يزيد على 520 مليار دولار منها لـ"الاستثمارات الخضراء". تضمنت تلك الاستثمارات أعمال تطهير التلوث، وإعادة التدوير، والطاقة ذات المستويات المنخفضة من الكربون. وذهب أكثر من 60% من هذه المحفزات الخضراء إلى أنشطة تحسين كفاءة استخدام الطاقة، لخلق وظائف يحتاجها قطاع الإنشاءات بشكل مُلِح (E. B. Barbier Can. Public Policy 42 (Suppl. 1), S1–S9; 2016).

وقد رصدت الصين وكوريا الجنوبية 3% و5% على التوالي من ناتجهما المحلي الإجمالي، كجزء من استراتيجيات طويلة الأمد؛ لتطوير صناعات تقوم على تقنيات معينة، مثل: الألواح الشمسية، والسيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح. وأنفقت اقتصادات أخرى في الإطار ذاته مبالغ أقل بكثير؛ فقد خصصت الولايات المتحدة حوالي 0.9% من ناتجها المحلي الإجمالي لذلك، بينما استثمر الاتحاد الأوروبي وكندا حوالي 0.2%. ومنذ بداية الانتعاش الاقتصادي العالمي في عام 2010، كان هناك دعم إضافي شحيح لهذا التحول إلى اقتصاد صديق للبيئة.

خلال هذه الفترة، أصبحت الصين أبرز منتجي الخلايا الشمسية، وتوربينات الرياح، والمصابيح الموفرة للطاقة، وسخانات المياه التي تعمل بالطاقة الشمسية. وتسعى الصين إلى أن تكون بلدًا رائدًا في سوق السيارات التي تتسم بكفاءة استهلاك الوقود. كما توسعت كوريا الجنوبية في صادراتها من الصناعات الصديقة للبيئة، وتضمّنت جهودها في هذا الصدد وضع خطة طموحة، جرى تنفيذها في الفترة بين عامي 2009، و2013؛ لخلق ما يتراوح بين 1.6، و1.8 مليون فرصة عمل، من خلال النمو الاقتصادي الصديق للبيئة، وذلك بحلول عام 2020، غير أن القطاعات الصديقة للبيئة في معظم الاقتصادات الكبرى تُركت إلى حد كبير لكي تتطور بمفردها، دون تدخل، ولا تزال محدودة. فعلى سبيل المثال، توظف قطاعات في الولايات المتحدة – مثل قطاعات الطاقة المتجددة، وأعمال الحدّ من التلوث، وإعادة تدوير المواد، والحفاظ على البيئة – ما يزيد بقليل على ثلاثة ملايين عامل، وتمثل 3% من الناتج المحلي الإجمالي.

ولا يزال الاقتصاد البُني واسع الانتشار، ويرجع ذلك - بشكل جزئي - إلى أنه اقتصاد يستند إلى إعانات مالية تسبب تشوهات سوقية. وقد قَدّر صندوق النقد الدولي التشوهات السوقية العالمية الناجمة عن الإعانات المالية المقدمة إلى الأنشطة القائمة على الوقود الأحفوري وحدها بـ5.3 تريليون دولار أمريكي في عام 2015، أو ما يعادل 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي (D. Coady et al. World Dev. 91, 11–27; 2017). وتُعد الإعانات المالية المقدمة إلى قطاعات الزراعة، والمياه، والنقل بمثابة مكافأة للأنشطة الملوِّثة، والأنشطة التي تنطوي على استخدام مفرط للموارد.

ويتعين على الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات وقف الإعانات المالية التي تجلب الضرر، واستخدام كلٍّ من الضرائب المفروضة على التلوث، وأنظمة تسعير الكربون في التصدي للأضرار التي تلحق بصحة الإنسان ورأس المال الطبيعي (الهواء النظيف، والنظم الإيكولوجية الفاعلة، وما إلى ذلك). وقد يمثل فرض الرسوم، وتطبيق التراخيص القابلة للتداول، وغيرهما من آليات السوق، تكاليف على كاهل الأنشطة المسببة للتلوث ولانبعاثات الكربون، والأنشطة التي تتضمن استخدامًا مفرطًا للموارد. وتُعَد هذه الحوافز الصديقة للبيئة مثمرة من ناحيتين؛ فهي مفيدة للصحة والبيئة من جهة، ومحفزة للنمو المستدام من جهة أخرى.

مع انتهاء عام 2018، كانت 46 دولة و25 دائرة اختصاص قضائي تحت وطنية تعمل على تسعير الكربون، الذي يشكل حوالي 20% من انبعاثات الغازات الدفيئة حول العالم، ويحصد عائدات تبلغ 82 مليار دولار أمريكي (انظر: go.nautre.com/2bvften). ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فإن إزالة تشوهات أنظمة تسعير الوقود الأحفوري قد تخفض انبعاثات الكربون العالمية بنسبة قدرها 21%، وتقلل الوفيات الناجمة عن تلوث الهواء المرتبط بالوقود بنسبة 55%، وتحقق إيرادات إضافية تشكل ما نسبته 4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2013.

يتعين استخدام مثل هذه الإيرادات لتمويل الاستثمارات الحكومية التي تهدف إلى تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد صديق للبيئة. ويمكن لهذه التمويلات أن تكفل إقامة بِنْية تحتية أفضل للطاقة المتجددة، وتنمية حضرية أكثر استدامة، فضلاً عن مزيد من البحوث في مجال الطاقة النظيفة. كما يمكن استغلال هذه التمويلات في رفع الحد الأدنى للأجور، وتوفير مدفوعات للعمال المسرَّحين، أو إعادة تدريبهم، وتقليص الأعباء التي تتحملها الأسر المعيشية سريعة التأثر، والمتضررة من التحوُّل إلى اقتصاد صديق للبيئة. واختصارًا، فإن الإيرادات التي ستأتي من الإعانات المالية التي سيجري وقفها تدريجيًّا، ومن الضرائب البيئية المزمع فرضها، يمكن توجيهها لتحقيق مستقبل مستدام ومنصف.

لا ينبغي تمويل «الصفقة الخضراء الجديدة» من خلال الإنفاق العجزي، فإثقال كواهل الأجيال القادمة بمستويات غير مستدامة من الدين المحلي يضاهي في خطورته إثقال كواهل هذه الأجيال باقتصاد غير مستدام من الناحية البيئية. إن الإنفاق العجزي يكون في محله، إذا كان سيُستخدَم لتعزيز الطلب الكلي على السلع والخدمات عندما ترتفع معدلات البطالة، ويقلع المستهلكون عن الإنفاق، وتنخفض مستويات الاستثمارات الخاصة. لكن إذا لم يكن الحال كذلك، فإن الجهود الرامية إلى تعزيز القطاعات الصديقة للبيئة يجب أن تتولي الإنفاق على نفسها.

إن صياغة صفقة جديدة صديقة للبيئة  ناجحة ستكون عملية شاقة؛ ففي عام 2009، وعدت مجموعة العشرين بالوقف التدريجي للإعانات المالية الموجهة لاستهلاك الوقود الأحفوري، ولكن حتى الآن تبقى إندونيسيا البلد الوحيد الذي نفّذ إصلاحات جوهرية. ولطالما قوبل فرض الضرائب وتسعير الكربون بمقاومة شديدة من جانب السياسيين، خاصةً في الولايات المتحدة. إن غالبية الاقتصادات لديها سجل ضعيف فيما يتعلق بالتخطيط طويل الأمد، وهذا النوع من التخطيط سيكون ضروريًّا لوضع أي استراتيجية تُشجِّع الاستثمارات الصديقة للبيئة. ورغم ذلك، تُعَد «الصفقة الخضراء الجديدة» في الولايات المتحدة المرة الأولى التي يقدِّم فيها أحد الاقتصادات الغربية الكبرى مقترحًا بخطة شاملة، مدتها عشر سنوات؛ لتحقيق تحول إلى اقتصاد صديق للبيئة.

إن المؤيدين للصفقة مُحِقّون في أن هناك حاجة مُلِحة إلى وضع استراتيجية تهدف إلى بناء اقتصاد مستدام. لذلك، فلنضعها بشكل صحيح هذه المرة. 

يعمل إدوارد بي. باربيير أستاذًا في الاقتصاد بجامعة ولاية كولورادو في فورت كولينز، وهو مؤلف كتاب «صفقة خضراء عالمية جديدة» A Global Green New Deal (مطبعة جامعة كامبريدج، 2010).

 

 البريدالإلكتروني: edward.barbier@colostate.edu