كتب وفنون

علم المواد: البحث عن أشباه البلورات

شارون جلوتزر تستمتع بحكاية شيقة عن مغامرات بطولية في علم المواد.  

شارون جلوتزر
  • Published online:
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

© Alison Forner/The Second Kind of Impossible, Simon and Schuster

النوع الآخر من المستحيل: الرحلة الخارقة للعادة؛ بحثًا عن شكل جديد من أشكال المادة

بول جيه. شتاينهارت، دار نشر «سايمون آند شوستر»، (2018)

تخيل ما يلي: في أقصى شرق روسيا، تسابِق الزمنَ مجموعةٌ غير متناغمة من اللاعبين الحاذقين؛ لحل لغز ظل خافيًا لمليارات السنين. هذا اللغز قد يربط بين شظية صخرية عُثر عليها في الطابق السفلي المغبَّر بأحد المتاحف الإيطالية، وتطوُّر النظام الشمسي. لحل هذا اللغز، سيتحتم على عالِم لامع في الفيزياء النظرية تَحَمُّل صعاب لا يصدقها عقل، ومواجهة عملاء تابعين للكرملين، والتعامل مع طرد مفقود، ومع يوميات سرية، بالإضافة إلى خوض رحلة شاقة عبر شبه جزيرة بركانية.

هذا ليس فيلمًا مثيرًا من أفلام هوليوود، وإنما مغامرة علمية شجاعة وواقعية. في كتابه «النوع الآخر من المستحيل» The Second Kind of Impossible، يروي عالِم الفيزياء النظرية بول ستاينهارد قصة مسعاه الجريء؛ بحثًا عن شبه بلورة طبيعية. وشبه البلورة هذه هي شكل من أشكال المادة، ذَرّاته مرتَّبة ترتيبًا شاذًا، يُعتقد أنه ترتيب مستحيل بالنسبة إلى بلورة. والنتيجة هي مزيج من المذكرات العلمية المعملية الرصينة والمغامرات المثيرة، المفعمة بالاكتشافات، والاحباطات، والابتهاج، والمثابرة.

في البلورات، تنتظم الذرات في نمط متكرر. وفي أشباه البلورات، تنتظم الذرات أيضًا، ولكن النمط يكون غير دوري؛ أي أنه لا يتكرر. ينشأ عن هذا النمط الغريب تناظرات دورانية غير متوقعة (تختلف، مثلًا، عن تلك الخاصة بشبيكة مربعة، تكرر نفسها أربع مرات في دوران كامل). اكتُشِفَت أشباه البلورات لأول مرة في ثمانينيات القرن العشرين، غير أن كثيرين في المجتمع العلمي، باستثناء الفيزيائيين، لم يقبلوا التفسيرات التي قُدِمَت بشأنها لفترة من الزمن. ومع هذا، أحدثت أشباه البلورات إرباكًا في الفهم العلمي لبِنْية المادة، الذي ساد لما يقرب من قرنين من الزمان. إذ كانت أطروحة بعنوان «رسالة في علم المعادن» Treatise of Mineralogy، كتبها القس الفرنسي رونيه-جوس آوي في عام 1801، قد أثبتت أن المواد الصلبة تحتوي على لبنات أساسية مجهرية، وأن جميع عناصر هذه المواد الصلبة ومخاليطها يمكنها – على الأقل من الناحية النظرية – أن تُوجَد في شكل بلوري، بدءًا من السكروز، حتى الياقوت الأزرق. وعلى الرغم من أن هناك آلاف الترتيبات الذرية المحتملة، فإن قوانين توصيف البلورات لم تكن معقدة؛ فالمواد يمكنها أن تحتوي إما على تناظر ثنائي، أو ثلاثي، أو رباعي، أو سداسي. واستمر الأمر على هذا النحو، حتى جاء الكشف عن أشباه البلورات، وكَسَر هذه القوانين.

تبدأ قصة شتاينهارت في عام 1985 في باسادينا بولاية كاليفورنيا، وبعدها في أثناء عمله عضوً بهيئة تدريس جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا، حيث ألقى شتاينهارت محاضرة في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (الجامعة الأم، التي درس بها في المرحلة الجامعية الأولى). في هذه المحاضرة شرح شتاينهارت للفيزيائي ريتشارد فاينمان - أستاذه فيما مضى - نظريته التي توصّل إليها مع طالب الدكتوراة دوف ليفين، وهي نظرية تنبّأت باحتمال وجود أشباه بلورات، لها تناظرات ممكنة من الناحية التقنية، ولكنها غير واردة بشدة: "النوع الآخر من المستحيل".

بِنْية محظورة

منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان شتاينهارت يتخيل أن البلورات "المحظورة" ذات التناظر الخماسي قد تكون ممكنة إذا ترتبت الذرات، عند التبريد، على شكل شبكة عشرينية الأوجه، تشغل الحيز المكاني. في البداية، أجرى شتاينهارت وليفين التجارب باستخدام كرات الستايروفوم، وفُرَش تنظيف الغلايين، وبعد ذلك استخدما النماذج الورقية. استعان شتاينهارت وليفين بأنماط تبليط بينروز (Penrose tilings)، التي يتضافر فيها شكلان؛ لخلق نمط غير متكرر، يشبه تلك الأنماط التي نشاهدها في التبليط الإسلامي الكلاسيكي. أدرك شتاينهارت وليفين أنهما يستطيعان - عن طريق رسم خطوط متوازية فوق أحد أنماط تبليط بينروز - إثبات أن البلاطات تترتب بشكل شبه دوري؛ فيَنْتُج عنها تناظر خماسي. كانت هذه هي القفزة التي أرادا تحقيقها؛ فقد قادت الوثبة في الأبعاد الثلاثية إلى شبه البلورة ذات العشرين وجهًا، التي طالما تخيلها شتاينهارت.

بول شتاينهارت مع نموذج لشبه بلورة

بول شتاينهارت مع نموذج لشبه بلورة

© Paul Steinhardt with a quasicrystal model.Credit: Trustees of Princeton Univ.

لم يكن شتاينهارت وليفين يعلمان أن أحد علماء المواد - وهو عالِم تفصلهما عنه بضعة مئات من الكيلومترات - قد توصل إلى نمط حيود لا يشبه أيًّا من الأنماط التي رآها من قبل، وذلك في سبيكة من الألومنيوم والمنجنيز، يتم تبريدها سريعًا. كان هذا الباحث هو دان شيختمان، الذي كان يعمل في المكتب الوطني للمعايير (حاليًّا المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا) في جيثيرزبيرج بولاية ميريلاند. كان لنمط الحيود هذا تناظر دورانيّ عشريّ. في كراسة المعمل الخاصة به، رسم شيختمان – مندهشًا - الحلقات أحادية المركز ذات العشر نقاط لهذا النمط، وكتب بجوارها "عشر مرات؟؟؟". لم يكن شيختمان يعلم هذا بعد، لكنه كان قد اكتشف لتوه أول شبه بلورة. وفي عام 2011، حصل شيختمان على جائزة نوبل في الكيمياء عن هذا الاكتشاف.

قام شتاينهارت وليفين - وقد أدركا التداعيات المجتمعة لهذا الأمر - بنشر ورقة بحثية عن نظريتهما في دورية «فيزيكال ريفيو ليترز» Physical Review Letter، وأفردا فيها أسس مجال البحوث الخاصة بأشباه البلورات (D. Levine and P.J. Steinhardt Phys. Rev. Lett. 53, 2477; 1984). حتى وقتنا هذا، تم بالفعل إنتاج المئات من أشباه البلورات ذات التناظرات المختلفة في المعمل. وتُعَد المَقالي التي لا يلتصق بها الطعام من بين أولى تطبيقات أشباه البلورات. ويرجع هذا إلى أن هذه السبائك لديها درجة احتكاك منخفضة، ودرجة صلابة مرتفعة، ودرجة تفاعل سطحي منخفضة. ويُستخدم الفولاذ المقوَّى بجسيمات صغيرة من أشباه البلورات في صناعة إبر الوخز، والإبر المستخدَمة في العمليات الجراحية، وكذلك أدوات الأسنان، وشفرات الحلاقة. وقد اكتُشِفَت أشباه البلورات في مواد أخرى غير المعادن، بما في ذلك البوليمرات، ومخاليط الجسيمات النانوية. وتشير عمليات المحاكاة بواسطة الحاسب إلى أن وجود أشباه البلورات يُفترض أن يكون أكثر انتشارًا من هذا.

كل أنواع أشباه البلورات تلك هي مِن صنع الإنسان، لكن شتاينهارت تملكه فضول لاستكشاف الأنواع الموجودة طبيعيًّا. وفي عام 1999، حين كان شتاينهارت عضوًا في هيئة تدريس جامعة برينستون في نيوجيرسي، شرع في العمل على مهمةٍ، لم يكن يتخيلها سوى عدد قليل من علماء الفيزياء النظرية، ألا وهي العثور على أحد أشباه البلورات الموجودة طبيعيًّا. وكان هذا هو اللب الحقيقي الذي بنى حوله كتابه.  

البحث حول العالم

بدأ شتاينهارت بالنظر إلى الماضي، في المتاحف التي تضم مجموعات هائلة من عينات المعادن التي تم جمْعها من كل مكان في العالم. وخمّن شتاينهارت أن واحدة من هذه العينات ربما تكون شبه بلورة، لم يتم التعرف عليها، وعليه، قام بتكوين فريق عمل ممتاز من زملاء يحدوهم الأمل، كان من بينهم عالِم جيولوجي، وعالِم في المجاهر الإلكترونية، وطالب جامعي، وبدأت عملية البحث. سنوات من البحث والتمشيط في السجلات المتربة لم تسفر عن أي شيء، واستمر الأمر على هذا النحو، حتى وصل إلى برينستون صندوق من متحف التاريخ الطبيعي في فلورنسا بإيطاليا، وكان الصندوق يحتوي على شظية، تكاد لا تُرى بالعين المجردة، من معدن نادر، اسمه الكاتيركايت Khatyrkite. في 2 يناير 2009، أصبح الباحثون على يقين من أنهم اكتشفوا واحدة من أشباه البلورات الموجودة بشكل طبيعي، وهي شبه بلورة، أُطلق عليها في وقت لاحق اسم آيكوساهيدرايت (عشرينية الأوجه) Icosahedrite، ولكن من أين أتت شبه البلورة تلك؟

استنتج الفريق، بعد العديد من التحولات والانعطافات غير المتوقعة، أن العينة يُحتمل أن تكون قد عُثر عليها في شبه جزيرة كامشاتكا البركانية في الجانب البعيد من روسيا. قاد شتاينهارت بعثة استكشافية إلى هناك في عام 2011.. رحلة برية، تشبه لعبة التفتيش عن الأشياء، بحثًا عن النهر الصغير الذي اعتقد الفريق أنه يحوي المصدر الأصلي. وفي نهاية المطاف، توصلت مجموعة العمل إلى أن الشظية جاءت من حجر نيزكي، كان يحتوى على شبه بلورة أخرى تكونت بشكل طبيعي، وهي شبه بلورة، أُطلق عليها اسم ديكاجونايت Decagonite.

هذا الكتاب هو بمثابة نظرة قريبة على التاريخ وقت صنعه. إنه كتاب مشوق لأولئك الذين يعشقون متابعة أخبار أشباه البلورات مثلي، وكتاب مبهج لأي شخص كان يحلم بالتعرف على حقيقة علمية كانت خافية كإبرة في كومة قش. لقد حقق شتاينهارت توازنًا بين تقديم التفاصيل الرياضية، وتوصيل المعلومات بشكل سلس إلى القارئ. إن أسلوبه يأسر القراء بتفاصيل حية حول لحظات التعجُّب الذي تَمَلَّكه، ولحظات الإحباط الذي شعر به، بل وحتى بعض اللحظات القليلة من الإعجاب بالنفس، الذي سمح لنفسه أن يُعَبِّر عنه؛ فعبر صفحات الكتاب، نتعرف على العلاقات المتعمقة والأفكار الجريئة التي أبقت رحلة  شتاينهارت في مسارها.

إن هذا السرد المشوق يذكِّرنا بأن الإثارة النابعة عن الاكتشافات العلمية ليست مجرد تلك اللحظة التي نصيح فيها قائلين: "وجدتُها.. وجدتُها"، وإنما هي رحلة يميزها الإصرار، والعمل الجماعي، والتفاؤل، والأهم من ذلك كله.. الحظ. في نهاية الكتاب، يتأمل الكاتب في الكويكب «جوليا 89» Julia 89، الذي يدور حول الشمس في مدار بين المريخ والمشتري، وهو كويكب قد يكون مصدر ذلك الحجر النيزكي الذي جاء به القدر. وبهذا.. ينتهي كتاب «النوع الآخر من المستحيل» بما بدأ به.. إمكانية حدوث المستحيل.

شارون جلوتزر أستاذة في الهندسة، بدرجة أستاذية جون فيرنر كان الجامعية المتميزة لدى جامعة ميشيجان في آن آربر، وتشغل كذلك كرسي آنتوني سي. ليمبكيه، الخاص برئاسة قسم الهندسة الكيميائية.

البريد الإلكتروني: sglotzer@umich.edu