أنباء وآراء

الفيزياء الفلكية: ثقب أسود يتحرك مع التيار

هناك تقنية يُطلق عليها «رسم خرائط الارتداد»، تم استخدامها في السابق؛ للتحقق من بِنْية المادة حول الثقوب السوداء فائقة الضخامة. وتشير الأرصاد إلى أن هذه التقنية يمكن تطبيقها أيضًا على ثقوب سوداء أصغر بكثير

داريل هاجارد
  • Published online:

يعد التنبؤ بوجود الثقوب السوداء، التي توجد بحجمين، واحدة من أغرب تنبوءات لألبيرت آينشتاين. وعادة ما تكون الثقوب السوداء ذات الكتلة النجمية بحجم مدينة، ولديها كتلة تصل إلى عشرة أضعاف كتلة الشمس، وتولَد من انفجارات النجوم الهائلة. أما الثقوب السوداء فائق الضخامة، فتكون بحجم المجموعة الشمسية، وتزن ما بين ملايين ومليارات الكتل الشمسية، ويقع هذا النوع من الثقوب في مراكز أغلب المجرّات الضخمة. ومؤخرًا أفادت كارا وآخرون1 في بحث نشر في دورية Nature، عن رصد جسم فلكي تم اكتشافه في مارس الماضي3،2، وهو جسم يُعرف باسم MAXI J1820 + 070 ويتألف من ثقب أسود ذي كتلة نجمية، يقوم بتجميع (مراكمة) الغازات من نجم مصاحب له، وذلك عبر بِنْية تُدعى قرص التراكم. توفر تلك الأرصاد رؤى متعمقة مهمة حول الخواص الفيزيائية المتعلقة بحركة التراكم في الثقوب السوداء.

قامت كارا وزملاؤها بوضع لخرائط ارتداد، وهى تقنية تَستخدِم الضوء لاستكشاف التكوين الهندسي للمادة بالقرب من الثقب الأسود. و لتكوين تصور حول كيفية عمل هذه التقنية، تخيلْ أنك تستمع إلى صوت قطرات مياه متساقطة داخل أحد الكهوف. في البداية ستسمع صوت كل قطرة، وبعدها ستسمع صوت الصدى عندما يرتد كل صوت عن جدران الكهف. وكلما كان حجم الكهف أكبر، كان التأخُّر الزمني (تأخُّر الارتداد) بين سقوط القطرة وارتداد صوتها أطول. صوت القطرة هنا يقابل الضوء المنبعث من إكليل الثقب الأسود - وهو منطقة من الغازات الساخنة تقع أعلى قرص الارتكام، أو أسفله. أما الصدى، فيقابل الضوء المنبعث من الإكليل، والذي يتفاعل مع الحافة الداخلية لقرص التراكم، ويُعاد انبعاثه.

تُستخدم تقنية رسم خرائط الاتداد في تحديد بِنْية المادة بالقرب من الثقوب السوداء فائقة الضخامة، وفي قياس كتل تلك الثقوب السوداء بشكل غير مباشر5،4. وقد ساعدت عمليات رصد الثقوب السوداء المتنامية فائقة الضخامة – التي تُعرف بالأنوية المجرِّية النشطة – الباحثين على الوصول إلى تقديرات لتأخر الارتداد، بلغ حوالي 50 ثانية5. ويشير ذلك التأخر الزمني إلى أن بعض الضوء المنبعث من الإكليل أُعِيد انبعاثه من منطقة تقع بشكل تقريبي في نطاق 10 أنصاف أقطار الجاذبية من الثقب الأسود (تُستخدَم أنصاف أقطار الجاذبية لتحديد حجم الثقب الأسود).

إذا صحت العلاقات الخاصة بمقاييس الثقب الأسود، فعندها – استنادًا إلى هذه الأرصاد – سيكون تأخر ارتداد الأشعة السينية، الخاصة بالثقوب السوداء ذات الكتل النجمية  قدره ملِّي ثوانِ تقريبًا، إلا أن بعض الأرصاد المبدئية لهذا التأخر في الارتداد كان قد أشار إلى نطاقات زمنية أطول بحوالي عشرة أضعاف7،6. وقادت هذه النتائج الباحثين إلى تطوير نماذج تُعزِي طول فترات تأخر الارتداد إلى وجود قرص تراكم مقتطَع (truncated accrestion desk)، والذي تكون حافته الداخلية واقعة على بعد مئات أنصاف أقطار الجاذبية من الثقب الأسود (شكل 1أ). في تلك النماذج، يتطور قرص التراكم مع مرور الوقت، حيث يصير نصف قطر الاقتطاع أصغر تدريجيًّا عندما يتعرض الثقب الأسود إلى حالة فوران نتيجة إلى تزايد معدل التراكم. إلا أن الأرصاد المبدئية7،6 كانت محددة بدرجة الوضوح الطيفية والزمنية للأجهزة المتاحة المستخدمة في رصد الأشعة السينية. 

شكل 1| محيط ثقب أسود مستدَلّ عليه من رسم خرائط ارتداد.أ، تصاحب الثقوب السوداء ذات الكتل النجمية عادةً بِنْية محيطية، يُطلق عليها قُرْص التراكم، ومنطقة من الغازات الساخنة (إكليل). يمكن استخدام تقنية تُعرف باسم «رسم خرائط الارتداد»؛ لاستكشاف ما يحيط بالثقب الأسود، عن طريق قياس التأخير الزمني (تأخر الارتداد) بين الأشعة السينية المنبعثة من الإكليل، والأشعة السينية التي تتفاعل مع الحافة الداخلية لقرص التراكم، ويُعاد انبعاثها. سبق لأرصاد مبدئية7،6 الإشارة إلى أن تأخر الارتداد يكون طويلًا، ما يعني أن الحافة الداخلية لقرص التراكم تكون بعيدة عن الثقب الأسود، ويشير إلى نماذج يتطور فيها القرص مع مرور الوقت (الأسهم البرتقالية). ب، إلا أن كارا وزملاءها1 أعلنوا عن أرصاد عالية الوضوح، تشير إلى وجود تأخُّر ارتداد قصير. وتشير نتائجهم إلى أن القُرْص الداخلي يبقى على مقربة من الثقب الأسود، وأن الإكليل – وليس القرص – هو الذي يتطور بمرور الوقت. تُستخدَم أنصاف أقطار الجاذبية (rg) لتحديد حجم الثقب الأسود

شكل 1| محيط ثقب أسود مستدَلّ عليه من رسم خرائط ارتداد.أ، تصاحب الثقوب السوداء ذات الكتل النجمية عادةً بِنْية محيطية، يُطلق عليها قُرْص التراكم، ومنطقة من الغازات الساخنة (إكليل). يمكن استخدام تقنية تُعرف باسم «رسم خرائط الارتداد»؛ لاستكشاف ما يحيط بالثقب الأسود، عن طريق قياس التأخير الزمني (تأخر الارتداد) بين الأشعة السينية المنبعثة من الإكليل، والأشعة السينية التي تتفاعل مع الحافة الداخلية لقرص التراكم، ويُعاد انبعاثها. سبق لأرصاد مبدئية7،6 الإشارة إلى أن تأخر الارتداد يكون طويلًا، ما يعني أن الحافة الداخلية لقرص التراكم تكون بعيدة عن الثقب الأسود، ويشير إلى نماذج يتطور فيها القرص مع مرور الوقت (الأسهم البرتقالية). ب، إلا أن كارا وزملاءها1 أعلنوا عن أرصاد عالية الوضوح، تشير إلى وجود تأخُّر ارتداد قصير. وتشير نتائجهم إلى أن القُرْص الداخلي يبقى على مقربة من الثقب الأسود، وأن الإكليل – وليس القرص – هو الذي يتطور بمرور الوقت. تُستخدَم أنصاف أقطار الجاذبية (rg) لتحديد حجم الثقب الأسود

كبر الصورة

قامت كارا وزملاؤها بتجميع أطياف رائعة وذات درجة وضوح زمنية عالية للأشعة السينية من مستكشف التركيب الداخلي للنجوم النيوترونية8 (NICER)، المُثبَّت على متن المحطة الفضائية الدولية. واستخدم الباحثون تلك الأطياف لمراقبة التغيرات في إشارة الارتداد من MAXI J1820 + 070، وفي تتبع الاختلافات في تركيب التدفق التراكمي بينما يشهد معدل التراكم تغيرات كبيرة وسريعة. اكتشف المؤلفون وجود تأخر في الارتداد بنطاق زمني مُقاس بالملِّي ثانية أثناء إحدى حالات فوران الأشعة السينية من MAXI J1820 + 070. حدد هذا التأخر في الارتداد المسافة بين الإكليل والحافة الداخلية لقرص التراكم أثناء تحول الثقب الأسود من حالة الفوران إلى حالته الطبيعية (حالة السكون).

وجد المؤلفون أن خطوطًا طيفية محددة تُميِّز الانبعاث من القرص الداخلي، كانت مستقرة بشكل ملحوظ أثناء مرحلة التحوّل تلك. وإضافة إلى ذلك.. أشارت تلك الخطوط الطيفية إلى أن القرص الداخلي يقع على مسافة من الثقب الأسود أقل عن ثلاثة أنصاف أقطار الجاذبية (شكل 1ب). تتحدى هاتان النتيجتان التصوُّر الذي تطرحه نماذج القرص المُقتطَع، وترسم صورة عن وجود تحولات موحّدة في حالات التراكم في كل من الثقوب السوداء ذات الكتل النجمية والثقوب السوداء فائقة الضخامة. ويشير تحوُّل تأخر الارتداد إلى طاقات زمنية أقصر إلى أن الإكليل يتحول من بِنْية ممتدة رأسيًّا في مراحل مبكرة من التحوُّل إلى بنية أكثر انضغاطًا في مراحل لاحقة. وهذه التغيرات تحدث في نطاقات زمنية تتفق، مجددًا، بشكل ممتاز مع التنبؤات المبنية على علاقات مقاييس الثقوب السوداء.

لقد استكشفت دراسات عديدة ما إذا كان هناك تشابه بين تحولات حالة التراكم في الثقوب السوداء ذات الكتل النجمية والثقوب السوداء فائقة الضخامة 9-12، أم لا، إلا أن هذه الدراسات كانت تعاني من درجات من عدم التيقن، ترجع إلى النطاقات الزمنية شديدة الاختلاف، التي ينطوي عليها الأمر، والتي تتراوح من أيام إلى شهور بالنسبة إلى التحولات في الثقوب السوداء ذات الكتل النجمية، مقارنةً بعشرات الآلاف من السنوات لتلك التحولات التي يُتوقَّع وجودها في الأنوية المجرِّية النشطة. إن اكتشاف كارا وزملائها وجود تأخر في الارتداد بنطاقات زمنية تُقاس بالملِّي ثانية أثناء إحدى حالات فوران MAXI J1820 + 070 هو بمثابة إضافة قطعةمهمة في الطريق لحل الأحجية؛ إلا أن هذا الحدث لا يمثل إلا نقطة بيانية واحدة، ويمكن تعزيز النتائج التي توصل إليها المؤلفون بطريقتين.

أولًا: لا بد من دراسة عدد آخر من الثقوب السوداء ذات الكتل النجمية في أثناء تحولها من حالة الفوران إلى حالة السكون، باستخدام مستكشف التركيب الداخلي للنجوم النيوترونية، والأجهزة التي سيتم استخدامها مستقبلًا لرصد الأشعة السينية بدرجة وضوح زمنية عالية، وبحساسية أفضل. إن الحصول على عينة مُجمَّعة من بيانات مستقاة من حالات الفوران تلك، بحيث يكون ما يزيد على حالة فوران واحدة منها مرتبطًا بتأخر ارتداد ذي نطاقات زمنية مُقاسة بالملِّي ثانية، من شأنه أن يعزز النتائج الحالية. وثانيًا: قد توفِّر الدراسات التي تتناول الأنوية المجرِّية النشطة ذات التغيرات الكبيرة – بالأخص تلك الأنوية التي تتحول ثقوبها السوداء فائقة الضخامة، بشكل سريع، من حالات السطوع إلى حالات الخفوت، أو العكس1316 – اختبارات قيِّمة توضح ما إذا كانت بِنَى أقراص التراكم متشابهة في الثقوب السوداء ذات الكتل النجمية والثقوب السوداء فائقة الضخامة، أم لا. وقد توفِّر هذه الدراسات المُكمِّلة معًا نظرة غير مسبوقة على التغيرات التي تحدث في المنطقة المحيطة مباشرةً بجميع الثقوب السوداء المتنامية بالتراكم. 

References

  1. Kara, E. et al. Nature 565, 198–201 (2019) | article
  2.  Shidatsu, M. et al. Astrophys. J. 868, 54 (2018) | article
  3. Tucker, M. A. et al. Astrophys. J. Lett. 867, L9 (2018) | article
  4. Uttley, P., Cackett, E. M., Fabian, A. C., Kara, E. & Wilkins, D. R. Astron. Astrophys. Rev. 22, 72 (2014) | article
  5.  Kara, E. et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. 462, 511–531 (2016). | article
  6. Uttley, P. et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. Lett. 414, L60–L64 (2011).

    article
  7. De Marco, B., Ponti, G., Muñoz-Darias, T. & Nandra, K. Astrophys. J. 814, 50 (2015).

     | article
  8. Gendreau, K. C. et al. Proc. SPIE 9905, 99051H (2016). | article
  9. Merloni, A., Heinz, S. & Di Matteo, T. Mon. Not. R. Astron. Soc. 345, 1057–1076 (2003).

    article
  10. Falcke, H., Körding, E. & Markoff, S. Astron. Astrophys. 414, 895–903 (2004).

     | article
  11. McHardy, I. M., Koerding, E., Knigge, C., Uttley, P. & Fender, R. P. Nature 444, 730–732 (2006).

    article
  12. Körding, E. G. et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. 380, 301–310 (2007).

     | article
  13. Lamassa, S. M. et al. Astrophys. J. 800, 144 (2015). | article
  14. Ruan, J. J. et al. Astrophys. J. 826, 188 (2016). | article
  15. Gezari, S. et al. Astrophys. J. 835, 144 (2017).

     | article
  16. Noda, H. & Done, C. Mon. Not. R. Astron. Soc. 480, 3898–3906 (2018). | article
قسم الفيزياء ومعهد ماكجيل للفضاء بجامعة ماكجيل، مونتريال، كيبيك H3A 2A7، كندا