رؤية كونية

تقنية تحرير الجينوم في البشر: اسأل عن جواز ممارستها لا كيفيتها 

يحذر جيه. بنجامين هيرلبوت من أن يجهض رد فعل الأوساط العلمية تجاه التوأمتين اللتين خضعتا للتحرير الجيني بتقنية كريسبر فتح نِقاش أوسع للقضية داخل المجتمع.

 جيه. بنجامين هيرلبوت
  • Published online:

JACOB SAHERTIAN

يسعى قادة الأوساط العلمية - بشكل حثيث - لوضع معايير دولية لولادة الأجنة البشرية المعدَّلة وراثيًّا. ويأتي ذلك كرد فعل منهم لما أعلنه العالِم الصيني هُو جيانكواي في نوفمبر الماضي، الذي يزعم مولد رضيعتين توأمتين معدلتين وراثيًّا بتغييرات أجراها عليهما بتقنية التحرير الجيني عندما كانتا جنينين.

في دعوتهم لوضع معايير لولادة مثل هاتين الرضيعتين المعدلتين وراثيًّا بتقنية «كريسبر» CRISPR للتحرير الجيني، نحّى هؤلاء القادة جانبًا سؤالًا حاسمًا لم يحظ بإجابة عليه حتى الآن: هل سيكون (أو يمكن أن يكون على الإطلاق) من المقبول إجراء هندسة وراثية للأطفال بإدخال تغييرات سيمررها هؤلاء الأطفال إلى نسلهم من بعدهم؟ هذا السؤال لا يخص العلم وحده، بل يخصّ البشرية كلها؛ فنحن لم نفهم بعد تأثير إجراء تغييرات جينية قابلة للتوريث على علاقاتنا الأساسية؛ علاقة الأب والأم بطفلهما، والطبيب بمريضه، والدولة بمواطنيها، والمجتمع بأعضائه.

في عام 2015، اتفق المنظِّمون الاثنا عشر من العلماء وأخصائيو الأخلاقيات البيولوجية الذين نظموا الانعقاد الأول من «القمة الدولية حول التحرير الجيني في البشر» على هذا الأمر، وقالوا إن المضي قدمًا في إجراء تعديلات قابلة للتوريث في جينات البشر يُعتبر تصرفًا غير مسؤول، ما لم يتم تحقيق شرطين؛ الشرط  الأول هو إثبات سلامة الإجراء وفعاليته، والثاني هو  وجود "إجماع مجتمعي واسع النطاق" بشأن ملاءمة المضيّ قدمًا في هذا الأمر.

إلا أنه، بعد مرور ما يزيد قليلًا على الثلاث سنوات، يبدو أن قادة هذه القمة قد تخلوا عن تمسكهم بالتوافق المجتمعي (انظر: go.nature.com/2rowv3g)، ومن ثم التزامهم بضمان استرشاد قائمة اهتمامات العلوم برأي المجتمع البشري الأوسع. وبجعلهم مسألة التحرير الجيني أمرًا راجعًا إلى اختصاص عيادة الخصوبة، هم بذلك يسيئون الحُكْم على الأمور؛ فهم كأنما يقولون في واقع الأمر إن تجربة جيانكواي مثلت إشكالية، ليس بسبب ما فعله جيانكواي، ولكن بسبب الطريقة التي فعل بها هذا الأمر. ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن جيانكواي عندما فعل فعلته، استأثر بمسؤولية اتخاذ قرار يخصّنا جميعًا. والآن، يخاطر قادة العلم بتكرار الخطأ نفسه. ولإحراز تقدم في اتجاه إيجابي، يجب ألا تكون لدى العِلْم الجرأة على تحديد الوجهة التي ستمضي إليها تقنية من التقنيات، بل يجب أن يتبع الاتجاه الذي نمليه عليه نحن البشر؛ فالعِلْم أداة في خدمة المجتمعات التي هو جزء منها، ويتحتم أن يبقى كذلك. والحيدان عن هذا المبدأ سيضر بالعلم نفسه، وبمستقبل البشرية.

 ويجب أن يكون المستقبل مستندًا إلى تقاليد فكرية متنوعة – فيما يتعلق بالقوانين، والنظرية السياسية، والعلوم الإنسانية، والفنون، والدين – وإلى التجربة الإنسانية الثرية. ومع ذلك، يسعى قادة العلوم إلى أن ينأوا بأنفسهم، وأن يقوموا بترتيب أمورهم فيما بينهم، فيستدعون مجددًا «مؤتمر أسيلومار حول الحمض النووي المؤتلف»، الذي عُقِدَ في عام 1975، باعتباره مؤتمرًا شَكَّل سابقة. إنّ هذا لا يُعتبر ماضيًا عريقًا، أو طريقة سليمة للحوكمة؛ ففي مؤتمر أسيلومار حَلّ العلماءُ مسألة كانت تشكل شاغلًا عامًّا لدى للجمهور، بدون إشراك الجمهور. وقد عَلَّق السيناتور الأمريكي إدوارد كينيدي على هذا قائلًا: "لقد كانوا بصدد صنع سياسة عامة، ولكنهم كانوا يصنعونها على انفراد فيما بينهم". وقد سمح هذا الأمر  بالمضي قدمًا في الأبحاث، إلا أن هذا جاء على حساب فقدان مصداقيتهم لدى الجمهور.

بعد مرور أربعة عقود على هذا الأمر، يجب علينا أن نسلك مسلكًا مختلفًا؛ ثمة أمور عرضة للخطر أكثر من مجرد مستقبل تقنية تحرير الجينوم، أو التوصُّل إلى علاجات للاضطرابات الوراثية؛ فالطرق التي نتبعها كمجتمع بشري؛ لتوجيه وحوكمة مستقبلنا التكنولوجي على المحك أيضًا.

يقترح البعض ترك هذه الحوكمة للتشريعات القومية وآليات السوق، فهذا من شأنه أن يسمح للدول باحتواء الآثار المترتبة فيما داخل حدود كل دولة، ولكنه ينكر على الإنسانية حقها في أداء دورها في تحديد الأمور المستقبلية التي ينبغي أن تخرج إلى حيز الوجود. لطالما كانت البلدان الأوروبية التسعة والعشرون التي صدّقت على اتفاقية أوفييدو  لعام 1997 تعتقد أن إجراء تعديلات جينية قابلة للتوريث على البشر أمر ينتهك حقوق الإنسان وكرامته. إن المشكلات القائمة الناجمة عن السياحة لأغراض الإنجاب – بدءًا من بيع البويضات، وانتهاءً بالعودة بأطفال وُلدوا من خلال تأجير الأرحام في بلدان تطبِّق قوانين أقل صرامة – سوف تبدو مشكلات طفيفة، مقارنة بهذا الأمر.

لقد خلق الجدل المُثار حول تجارب جيانكواي فرصة وحاجة ملحة إلى الابتكار في منظومة الحوكمة العالمية في مجالات العلوم والتكنولوجيا. وسوف يتطلب إحراز تقدُّم نحو تحقيق اتفاق جماعي في الآراء وجود توافق واسع بشأن ما تجب مناقشته، وماهية الشروط التي ستدور المناقشة في ضوئها. هل هو التقييم العلمي لمستويات السلامة والفعالية؟ أم مدى استقلالية المرضى؟ أم كرامة الانسان؟ وهذا، بدوره، يتطلب وضع صيغ وسطية للتوافق في الآراء حول ماهية المسألة المعرضة للخطر، ومن هم أصحاب المنفعة في هذه المسألة، وطبيعة التساؤلات التي يجب طرحها، وأشكال المباحثات التي سيتم تداولها.

في الوقت الحالي، أقود أنا وزميلتي شيلا جاسانوف، وزميلي كريشانو ساها أعمال تجربة متواضعة تتمثل في مرصد عالمي معنيّ بعقد هذه النوعية من المباحثات عبر مختلف التخصصات، والثقافات، والبلدان (انظر S. Jasanoff et al. Nature 555, 435-437; 2018). هذه المباحثات من شأنها أن تحسِّن مستوى حوكمة تقنية تحرير الجينوم، وبإمكانها أيضًا أن تقدم المزيد، حيث إنها قد تعزز أواصر الثقة التي تربط بين العلوم والمؤسسات الأخرى المعنية بالحوكمة، وبإمكانها أيضًا مساعدتنا على أن نتلاقى معًا كمجتمع إنساني، وأن نتخيل الآفاق التكنولوجية التي نتمنى جميعًا أن نرحب بها، أو أن نتفادى حدوثها.

إنّ تخيُّل تلك الآفاق يتطلب منا التعرف على الأنماط التي كانت سائدة في الماضي. ففي عام 1958، عبّرت الفيلسوفة هانا آرنت عن قلقها من أن تقنياتنا قد تجعلنا "غير قادرين على الفهم؛ أي غير قادرين على أن نفكر ونتحدث عن الأشياء التي مع ذلك بإمكاننا فعلها". وأوضحت آرنت أن الفهم يتعلق بممارسة السياسة؛ أي أن نصبح جمهورًا قادرًا على "التفكير والتحدث" معًا حول مستقبلنا المشترك. لقد كان من الشجاعة تخيُّل مثل هذه السياسة في لحظة الانكسار تلك التي أعقبت أحداث أوشفيتز، عندما هددت القنبلة الذرية – ذلك المنتَج الاستثنائي وليد العبقرية العلمية – بإخماد الحضارة.

إنّ اللحظة التي نحن بصددها الآن تتطلب أيضًا قدرًا كبيرًا من الأمل. ويجب ألا نسمح بأن تُستبدَل الجهود المضنية والصادقة التي بُذلت لكي نتعلم أن نفكر ونتحدث  كمجتمع بشري بمجرد نزوة لتطبيق التقنيات دون تمييز. إننا إذا سمحنا بهذا، قد يأتي الضرر من تلك التقنيات الجديدة القوية التي لم نفهمها جيدًا بعد، ولكننا نطبقها لمجرد أننا قادرون على ذلك.

جيه. بنجامين هيرلبوت أستاذ مشارك في علم الأحياء والمجتمع في جامعة ولاية أريزونا بمدينة تيمبي.

البريد الإلكتروني: bhurlbut@asu.edu