مستقبليات

انقلاب الشمس

دعوةٌ غير عادية

جون جيلبي
  • Published online:

Illustration by Jacey

لم تكن الرسالة الموجودة على مكتبي من قسم الموارد البشرية، وهذا ما جعلني أشعر بارتياحٍ كبير، بل كانت من مكتب نائب رئيس الجامعة؛ لدعوتي لحضور «الاحتفال التقليدي لجامعة إنجلترا الريفية بانقلاب الشمس الشتوي». لم أكن قد سمعت بهذا الاحتفال من قبل. ولذلك.. افترضتُ أنَّه ربما يكون واحدًا من تلك التقاليد السرية التي لا يعرف بها سوى المطلعين. ومع ذلك.. أثار الأمر فضولي بشكل كبير، فرددتُ على الرسالة عبر البريد الإلكتروني بتأكيد الحضور، وثَبَّتُّ الدعوة إلى الرف الذي يعلو مكتبي، وملأتُ خانة "مساء الجمعة 21 ديسمبر" في التقويم الخاص بي.

دخلتُ إلى قاعة الانتظار الخاصة بغرفة المجلس بعد الساعة العاشرة مساء مباشرةً، مرتديًا بذلة سهرة مستعارة، انبعثَتْ منها - بصورة طفيفة - رائحة عفن وخزائن ثياب قديمة،. شُدِّدَ في الدعوة على الحضور في الموعد إلى درجةٍ مثيرة للقلق، إذ جاء فيها بوضوح: "سيُسمح لك بالدخول في تمام الساعة 22:23"، وهو الوقت المحلي لحدوث انقلاب الشمس، حسبما اكتشفتُ بعدما قَلَّبتُ الأمر في رأسي لوهلة. وفي تمام الساعة 22:22، ظهر كبير البوَّابين بمظهرٍ فخم، مرتديًا قبعةً مستديرة ومنتفخة، وحَلَّ الرباط الحريري الذي حال بين المدعوين، وبين الوصول إلى الحجرة التاريخية. وعندما أشارت الساعة إلى الموعد المحدَّد (22:23)، فَتَحَ الأبوابَ المزدوجة بحركةٍ مسرحية، وتنحَّى جانبًا.

كانت الحجرة فسيحةً، سداسية الشكل، أو ربما ثمانية الشكل؛ إذ كان من الصعب تحديد ذلك. وكانت جدرانها مغطاةً بمزيجٍ من ألواح خشب البلوط والمرايا الضخمة. وقد انتشر فريق ضيافة كفء في ربوع المكان، حمل أفراده في صمتٍ صينيات المشروبات والمقبِّلات، التي تناولتُ منها ما أستطيع. رحتُ أطوف بالمكان، بينما أمضغ وأرتشف، وأستمتع بموسيقى الفرقة الرباعية الوترية الفذة، التي كانت شبه مختفية وراء حاجزٍ من الشجيرات البهيجة. بدت المقطوعة التي تعزفها الفرقة مألوفةً، لكنَّني لم أستطع تحديدها على وجه الدقة؛ ولذلك.. اختلستُ النظر إلى غلاف نوتة عازف التشيلو، وسجلتُ ملاحظة تُذَكِّرني بالحصول على نسخةٍ من المعزوفة.

بمرور الوقت، بدا الحشد وكأنَّه يتضخم، أو ربما كان صخب الحضور ببساطة قد بدأ يعلو مع بدء تأثير الخمر. كنتُ قد بدأتُ أفكر فيما إذا كان عليَّ البحث عن مَخْرَج؛ والرحيل، أم لا، حين توقف إلى جانبي سيدٌ مسن، أصلع وملتحٍ، وقال لي: "أنت جون، أليس كذلك؟ كنتُ أتساءل: "هل سألقاك هنا". أود بشدة أن أناقش معك أبحاثك، إذا لم تكن منشغلًا". قررتُ أنَّ لديّ ما يكفي من الوقت، ومرت الساعة التالية في محادثةٍ عشوائية، أفضيتُ فيها إلى صديقي الجديد بجميع المشاق التي أواجهها في إخفاقاتي البحثية الحالية، والكوارث التي أواجهها في المختبر.

راح الرجل يومئ ويستفسر، ويقترح حلولًا ومنهجياتٍ بديلة، حتى بدأتُ أتساءل: "لماذا لم أقابله من قبل، ولماذا لم يكن هو المشرف على أبحاثي؟" بعد ذلك.. انتهى الحفل، وفُتحت الأبواب ثانيةً، وراح العاملون ينَظّمون خروج الأكاديميين، الذين كانوا في حالةٍ من البهجة والاسترخاء الشديد؛ وبدت أعداد الراحلين مضاعَفةً؛ بسبب انعكاساتهم في المرايا.

استحْقَقْتُ الدُّوَار والصداع اللذَين شعرتُ بهما بعد استيقاظي في صباح اليوم التالي، لكن بعد بضعة أقداح من القهوة المركَّزة، بدأتُ في إجراء التغييرات التي كان المُسِنّ قد اقترحها عليَّ في أثناء محادثتنا. وفي وقت الغداء، سارعتُ إلى المكتبة؛ للعثور على نسخةٍ من معزوفة الفرقة الرباعية الوترية، لكنَّني عدتُ محبطًا ومرتبكًا، لكن في الوقت ذاته – وهو ما كان غريبًا – كنت أشعر بالانبهار.

بعدها بعام، كنتُ قد تمكنتُ من حل المشكلات الرئيسة في بروتوكول البحث، وكانت النماذج التجريبية من الأجهزة ستصبح جاهزةً لبَثّ أشعة الجسيمات في فصل الربيع؛ لكنْ ظلت هناك أمورٌ مهمة، أردتُ مناقشتها مع مرشدي الغامض. وفي ظل عدم توفُّر أي بياناتٍ للتواصل معه، فشلتُ في الوصول إليه، وافترضتُ أنَّه ربما كان واحدًا من كبار الزوار في الحفل؛ ولذلك.. كنتُ سعيدًا عندما تلقيتُ دعوةً ثانية لحضور حفل انقلاب الشمس.

لم تختلف مراسم الاحتفال عن سابقتها، إذ دلفنا صفًّا إلى قاعة المجلس قبيل الرابعة مساءً. وفي هذه المرة، عثرتُ على السيد المُسن على الفور. كان يشاهد الفرقة الرباعية الوترية، وبدا مسرورًا لرؤيتي. سألني عن أبحاثي، لكنَّني أشرتُ إلى العازفين، وسألته إذا كان يعرف هذه الموسيقى، فابتسَم، ونظر في كأسه للحظة، لكنَّني ألححتُ في السؤال.

قال: "لم يكتب سوى ست رباعيات فقط، لكن يُزعم أنَّ هذه هي السابعة"، ثم رفع نظره ليُقَيِّم التعبير على وجهي، وأردف: "آه، ملاحظةٌ دقيقة، لكنَّها كاشفة برغم ذلك؛ إنَّه مجالك على أية حال ...". بعدها، وجَّهني لأنظر إلى الحجرة، والضيوف الآخرين، وانعكاس الثريّات في المرايا.

سألني: "هل لاحظتَ من قبل أنَّ هناك أشخاصًا لا تقابلهم سوى في الحفلات فقط؟ أليس كذلك؟ يمكنك أن تقول إنَّ هذا مجرد مثال متطرف على هذه الظاهرة. هذه الغرفة... كم عدد مَداخِلها في رأيك؟". كان من المستحيل الإجابة عن هذا السؤال، إذ كانت الأبواب التي دخلتُ منها مغلقةً، ولم يكن من الممكن تمييزها عن ألواح الجدران الخشبية.

تابَع المُسن قائلًا: "كل ضيف متاح له باب واحد فقط، لكنَّ عدد الأبواب أكبر بكثير مما يمكننا افتراضه. ربما كان الرهبان الذين بنوا هذه الغرفة لأول مرة هم مَن أدرك هذا، أو ربما قومٌ آخرون سابقون عليهم. لا شك أن الجامعة وعت الطبيعة الخاصة لهذه النقطة المركزية على مدى قرون، واستخدمتها بنجاح".

عندما سألتُه عن الباب الذي جاء منه، هز رأسه، وأردف قائلًا: "من الصعب أن أحدد؛ ربما يكون الباب الذي استخدمته أنت، رغم أنَّ هذا مستبعَد تمامًا. تتدفق أعدادٌ كبيرة لا تحصى عبر هذه النقطة، لكنْ لسِمَةٍ فريدة في ميكانيكا الأجرام السماوية – أو ميكانيكا الكَمّ – تعبر فقط في لحظة انقلاب الشمس الشتوي. وبعض الضيوف مثلنا يكتشفون أنَّنا نستطيع أن نتحدث إلى هؤلاء القادمين من عوالم أخرى، الذين يمتلكون خبراتٍ مختلفة، في تفاصيلَ دقيقة، مثل موسيقى الفرقة الرباعية. وقليلٌ منا اختار البقاء في هذه النقطة المركزية، وآثر ألَّا يعود أبدًا إلى فضائه الخاص؛ لنجمع وننشر فوائد أفكارنا المنتمية إلى عوالم متوازية. يُذكِّرني هذا بشيءٍ أردتُ أن أسألك عنه ...". 

حاولتُ أن أتصور العدد اللانهائي للعقول التي تجول الفضاء الافتراضي للغرفة، حيث تتبادل هذه العقول أعمق أفكارها مع القائمين على المكان. وأخذتُ كوبًا من النبيذ الأحمر من صينيةٍ عابرة. وبينما مددتُ يدي الخاوية إلى السيد المُسن، ابتسمتُ للمرة الأولى منذ شهور.

وقلتُ له: "موافق ...".