كتب وفنون

كتب الخريف: موائد مسمومة

تشيد فيليسيتي لورنس بكتابين يؤرخان المعركة الطويلة الشرسة لضمان سلامة الأغذية الأمريكية

Felicity Lawrence
  • Published online:

ILLUSTRATIONS BY THOMAS PATERSON

فرقة السم: حملة أحد الكيميائيين الحثيثة من أجل سلامة الغذاء في مطلع القرن العشرين

ديبورا بلوم، بنجوين برِس(2018)

الحقيقة الكريهة: كيف تفسد شركات الأغذية العِلْم الخاص بطعامنا

ماريو نِسِل، بيزِك (2018)

شهد عام 1902 تمويل الكونجرس الأمريكي لأوّل الاختبارات المحكمة لسمية الغذاء، بمشاركة أشخاص متطوعين. مُنِح رئيس الكيميائيين بوزارة الزراعة الأمريكية (USDA)، هارفي واشنطن وايلي، مبلغ 5 آلاف دولار أمريكي؛ لدراسة كيفية تأثير المواد الحافظة للطعام والألوان الغذائية على الصحة. وكانت هذه لحظة فارقة في رحلة كفاح طويلة ومستمرة، لإيقاف الأنشطة الصناعية التي تضرب عرض الحائط بالمصلحة العامة فيما يتعلق بإنتاج الطعام.

اختار وايلي شبابًا أصحاء كحقل تجارب، بادئًا بموظفين حكوميين. وقَّع هؤلاء المشاركون استمارات إخلاء المسؤولية، ووافقوا على المشاركة في "اختبارات المائدة الصحية"، التي تضمنت تناول وجبات مجانية، لكنها محددة بصرامة داخل مطبخ تجريبي في قبو وزارة الزراعة الأمريكية بواشنطن العاصمة. أَطلقت عليهم إحدى الصحف المستثارة لقب «بويزون سكواد» Poison Squad، أو «فرقة السم»، وهو ما ألهم الصحفية العلمية ديبورا بلوم، الحائزة على جائزة «بوليتزر» Pulitzer، بعنوان كتابها الذي يتتبع بدقة متناهية التاريخ المبكر لتنظيم صناعة الغذاء في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي غضون ذلك، رصدت ماريون نِسِل - الأكاديمية المعادية لـ"لصناعات الغذائية الضخمة" أو ما يسمى في الإعلام Big Food - آخر تطورات القضية في كتابها «آنسيفوري تروث» Unsavory Truth، أو «الحقيقة الكريهة»، وهو أحدث تحليلاتها النقدية اللاذعة لما يبذله قطاع الصناعة من جهود؛ لإفساد العلم، والتهرب من اللوائح التنظيمية.

وحسبما كشف سجل بلوم التأريخي، أدّت اثنتان من الصناعات سريعة النمو - في غفلة من الرقابة الحكومية - إلى إحداث تأثير كارثي. شهدت الولايات المتحدة الأمريكية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تطورًا هائلًا في تصنيع المواد الكيميائية، تزامنًا مع تحول البلاد من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد صناعي وحضري متنامٍ. وكانت المواد الحافظة المصنَّعة حديثًا زهيدة التكلفة، فكانت تُضاف بسخاء إلى جميع أنواع الأطعمة. وكانت تقنية التبريد لم تزل في مهدها، ولم تُعَدّ بعد للاستخدام المنزلي.

تمت معالجة اللحوم، والفاكهة، والخضراوات المعلبة، والزبد، والأجبان بجرعات من حمض البوريك، وحمض الساليسيليك، وبنزويت الصوديوم، وذلك لتأخير نمو البكتيريا في تلك الأطعمة، ومن ثم تأخير فسادها. وقد اكتشف تجار اللحوم أن حمض الساليسيليك يؤدي إلى تفاعل كيميائي يجعل اللحم القديم الداكن يبدو ورديًّا وطازجًا لمدة 12 ساعة. وبالنسبة إلى الألبان، فكان الفورمالديهايد، الذي يستخدمه محنطو الموتى، هو المركَّب المفضل لمعالجة الألبان الموشِكة على الفساد.. فمذاقه الحلو كان يخفي طعم الزنخ. وإلى جانب أصباغ قطران الفحم المصنَّعة حديثًا، وغيرها من المواد السامة المستخدَمة في تلوين الطعام، مثل كروميت الرصاص (المستخدَم في إكساب الحلوى اللون الأصفر)، استخدمت هذه المواد الكيميائية؛ لإخفاء مظاهر الغش الغذائي، وعلامات التعفن الخطير. وأسفرت هذه الممارسات عن الكثير من حالات التسمم الجماعي: ففي عام 1899، لقي 400 طفل مصرعهم في ولاية إنديانا، عقب تناولهم حليبًا "محنّطًا"، لكنْ لم تكن ثمة قوانين فيدرالية آنذاك للتعامل مع جرائم بيع الأغذية غير الآمنة، ولا تقضي بإرفاق أيّ بيانات دقيقة بمكونات الأغذية.

ومنذ تعيينه في وظيفته في عام 1883، أجرى وايلي العديد من الاختبارات التي كشفت عن ذلك الغش واسع الانتشار في الأطعمة والمشروبات، وهو ما أثار سخط أصحاب المصالح ذوي النفوذ، بدايةً من منتجي الألبان واللحوم وانتهاءً بأصحاب مصانع تقطير الويسكي، لكن بحلول عام 1902، صقلت المعركة وايلي وزادته حنكة، فصار بارعًا في التعاون مع الكتاب والمجموعات النسائية؛ من أجل الدعوة إلى إخضاع قطاع الأغذية لأنظمة قومية.

وكانت تجارب «فرقة السم» التي أجراها وايلي نقطة مفصلية. قُسمت المجموعة الأولى - المكونة من 12 متطوعًا - إلى نصفين: نصف تناولوا طعامًا معالَجًا بدرجات متفاوتة بالمواد الكيميائية الحافظة، أولها البورق، وهو ملح حمض البوريك. أما النصف الآخر، فتناولوا الوجبات ذاتها، لكن دون أيّ إضافات، ثم تبادَل الفريقان الأدوار. تم تسجيل ورصد درجات حرارة المتطوعين، ومعدلات نبضهم، كما جُمِعت عينات من بولهم وبرازهم، وخضعت للتحليل. وبالتأكيد، لم تتحقق ثنائية التعمية في تلك التجربة. فسرعان ما أدرك المشاركون أن البورق قد دُسَّ في الزبد، فامتنعوا عن وضع الزبد على خبزهم، وهو ما اضطر علماء وزارة الزراعة الأمريكية في النهاية إلى إعطاء المواد الحافظة إلى المتطوعين مباشرة في صورة كبسولات.

وكان الطاهي القائم على إعداد الوجبات في هذا المشروع كثير الثرثرة، فبدأت الصحف تتناقل أخبارًا مثيرة، معرضةً الكيميائيين الحكوميين للتهكم والسخرية، لكن ذلك لم يزعزع من عزم وايلي. مرض المتطوعون لديه، وتراوحت التأثيرات من التشوش والاضطراب إلى الشعور بالغثيان والقيء، وتزايدت تلك الأعراض مع تراكم الجرعات. وأضحت الحاجة إلى إجراء تشريعي أمرًا لا يقبل الجدل. وبالرغم من الجهود التي بذلها حلفاء قطاع الصناعة في كل من مجلس النواب، ومجلس الشيوخ، إلا أن الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت تحول إلى تأييد تلك القضية. (وكانت الضغوط والتبرعات، بدءًا من شركات تصنيع الغذاء، ومصانع الويسكي والكيماويات، وحتى رجال السياسة والعلماء، لا تقل غزارة عن المواد الحافظة المضافة إلى الأطعمة). وأخيرًا، حين صدر قانون سلامة الأغذية والأدوية في عام 1906، صار يُعرف على نطاق واسع باسم "قانون د. وايلي".

نادرًا ما تتغير السياسات الحكومية سريعًا؛ بل يتم الأمر في صورة سلسلة من المناوشات المطوَّلة والتغييرات التدريجية. ومن الملاحظ أن سرد بلوم للوقائع التاريخية في كتابها «فرقة السم» The Poison Squad قد انزلق أحيانًا في تفاصيل ثانوية، تمامًا مثلما فعل المدافعون عن القضية. كما يهدد فصل في الكتاب بخطف الأضواء، فتاريخ تنظيم الصناعات الغذائية الأمريكي لن يكتمل دون ذكر أبتون سنكلير، الكاتب الاشتراكي الشاب، الذي اشتهر "بكشف الفضائح"، والذي وثَّق الفظائع التي تجري في حظائر مدينة شيكاجو بولاية إلينوي. إنّ استعراض بلوم لرواية سنكلير حول تلك الفظائع، التي صدرت في عام 1906 بعنوان «الغاب» The Jungle، قد يسحب البساط من تحت بطلها الأساسي، ويتفوق عليه. بنى سنكلير روايته على ما شاهده على مدار سبعة أسابيع قضاها في مراقبة الظروف القاسية التي عمل فيها المهاجرون مع ماشية مريضة، وخليط مروِّع من اللحم المتعفن، وكناسة الأرضيات، وبقايا الجثث المستخرجة من المراحيض، والفئران، وسم الفئران، والتي جرى معالجتها كلها معًا. وشكلت تلك الأوضاع نقطة التحوّل بالنسبة إلى روزفلت التي دفعته إلى دعم التشريع. ومن اللافت للنظر أن تناول بلوم لجهود وايلي ذاخر بالتفاصيل المشوقة، ويُعَد إسهامًا قيّمًا لفهْم سياسات الغذاء.

أما نِسِل، الكاتبة وباحثة التغذية بجامعة نيويورك، والعضوة المخضرمة في لجان استشارية عديدة، فقد نجحت في أن تثبت أحقّيتها بالاضطلاع بدور وايلي في زمننا الراهن. فقد حاربت لعقودٍ صناعة الأغذية والمشروبات، متسلحة بمزيج من المعرفة العلمية السليمة، والقدرة البارعة على التواصل. وجدت نِسِل نفسها، تمامًا مثل وايلي، تتحوّل لتصبح جزءًا من القصة، وذلك بعدما هاجمتها وسائل الإعلام؛ لكَشْفها عن حالات الغش، وعمليات التسميم الروتينية، وإن كانت نتائجها المرضية أقل حدة وأبطأ ظهورًا، ومزمنة أكثر من النتائج التي ظهرت في تجربة وايلي، إذ تمثلت النتائج في أمراض غذائية غير معدية، كالسمنة، والسكري، وأمراض القلب والأوعية الدموية. وتُعَد أعمال نِسِل الأولى، وتحديدًا كتابَي «سياسة الغذاء» Food Politics (2002)، و«الغذاء الآمِن» Safe Food (2003)، بمثابة أعمال مهمة تبحث في المشكلات التي يواجهها حاليًّا إنتاج الطعام. ولا شك أنها تتوق أحيانًا إلى البساطة التي ميزت تجارب «فرقة السم»، فمن الموضوعات التي تناولها كتابها «الحقيقة الكريهة»: تعقُّد الأبحاث المعنية بالتغذية. ويُعَد الكتاب بمثابة تقصٍّ دقيق وقاسٍ لمظاهر إفساد الصناعة للعلم.

تَعتمِد صناعة الطعام على الاستراتيجيات التي استخدمها صناع التبغ، ومنكرو التغير المناخي على مدار العقود الأربعة الماضية، غير أنها لم تُفهَم بشكل جيد، ويتم تجاهلها من قِبل بعض وسائل الإعلام والدوريات الأكاديمية المتخصصة في هذا المجال. وكما تشير نِسِل.. تستند هذه الاستراتيجيات إلى الاستخدام المتكرر للمجموعة ذاتها من الأساليبن على غرار إثارة الشكوك بشأن الجهود العلمية غير المساعِدة، وتمويل الأنشطة العلمية الأكثر تفضيلًا وانحيازًا، وتقديم الهدايا والخدمات الاستشارية، ورعاية الهيئات المهنية، واستغلال مجموعات كواجهة، تتظاهر بكونها معاهد علمية مستقلة، وأخيرًا.. الترويج للمسؤولية الشخصية والتنظيم الذاتي، بدلًا من التدخل الحكومي، والاستحواذ على اللجان الاستشارية، والطعن على القانون التنظيمي في المحاكم.

وكثير من الدراسات المموَّلة من قطاع الصناعة، التي تتظاهر بكونها بحوثًا علميّة جادة، هي في الواقع بحوث تسويقية معنية بمنتجات أو مكونات معينة. تدحض نِسِل في كتابها مزاعم كثيرة، بدءًا من مشروب الحليب بالشيكولاتة، الذي يُقال إنه يدعم الوظائف الإدراكية لدى لاعبي كرة القدم الأمريكيين الشباب، حتى بعد تعرُّضهم لارتجاج المخ، وانتهاءً بالتوت الأزرق، الذي أشيد بتأثيره في منع ضعف الانتصاب. وتتساءل نِسِل في كتابها عما يدفع دوريات جادة إلى نشر مثل هذه الادعاءات. وتكشف في استعراضها المستفيض أن الأغلبية الساحقة من تلك الدراسات تكون مواتية لمصالح مموليها، أما في حالة الأبحاث المستقلة، فإن العكس هو الصحيح. ورغم هذه الحقيقة، فإن باحثي التغذية كغيرهم من الباحثين في مجالات أخرى، يخضعون لضغوط شديدة للحصول على المنح، بصرف النظر عما يقع من تضارُب المصالح. والحق أن نِسِل أكثر سماحًة ورفقًا مما قد أُبْدِيه أنا في تبرئتي لساحة الكثيرين من التحيز المتعمد، قائلًة إن الدراسات ذاتها كثيرًا ما تكون جهودًا علمية طيبة، لكن تكمن المشكلة فيمن يحدد الأسئلة، وفي كيفية تفسير النتائج.

وأوردت نِسِل العديد من نماذج تضارُب المصالح، من بينها تمويل شركة «كوكا كولا» لباحثين جامعيين في منظمة «جلوبال إنيرجي بالانس نيتورك» Global Energy Balance Network؛ لتركيز دراسات السمنة على النشاط البدني، لا العادات الغذائية. وبالاطلاع على تلك الأمثلة، لا نرى معارضتها في دعوتها إلى الإفصاح الكامل، والإقرار بوجود ذلك التضارب، وإدارتها بفاعلية، غير أن الحلول أكبر كثيرًا من ذلك، وهو ما اعترفت به نِسِل، إذ ذكرت قائلة: "لقد استحوذت المؤسسات التجارية على المجتمع الأمريكي، معرِّضةً العمليات الديمقراطية لخطر داهم".

إذَن ما الحل الذي قدمته نِسِل؟ الحل هو إشراك المواطنين، ووضع قواعد أفضل، يمكنها "السيطرة على النفوذ السياسي الذي تمارسه المؤسسات التجارية على عملية التشريع ووضع السياسات". إن هذين الكتابين حول التاريخ المضطرب لسلامة الغذاء إنما يثبتان أن العِلم ليس بمأمن في محراب الحقيقة التجريبية غير المسيَّسة. وهو مثل كل شيء آخر، جزء من ساحة المعركة، أي ساحة السياسة