أنباء وآراء

خلايا جذعية: استشعار معوي لمصير الخلايا

تمر مجموعة من الخلايا السَّلَفية في المِعَى المُتَوَسِّط لذبابة الفاكهة بمرحلة تمايز استجابةً لقوة ميكانيكية. وتُعد هذه النتيجة هي المرة الأولى من نوعها التي يشار فيها إلى مثل هذه الظاهرة في الكائنات الحية. 

جاكسون ليان ولوسي إرين أوبراين

  • Published online:

طيلة العقد الماضي، أدت التطورات في مجال الهندسة الحيوية إلى تقدير جديد لتأثيرات القوة الميكانيكية على الخلايا الجذعية. سمحت أنظمة الاستزراع الميكرومترية، التي يمكنها تعريض الخلايا لتشوهات فيزيائية نوعية عالية، للباحثين بإثبات أن القوة يمكنها تعديل سلوكيات الخلايا الجذعية، بل وحتى الخلايا الجذعية الأولية، لاستخدامها في عمليات زرع علاجية1،2 إلا أنه حتى أكثر أنظمة الاستزراع تقدمًا بالكاد تضاهي القوى المعقدة والديناميكية التي تتعرض لها الخلايا الجذعية في أنسجتها الأصلية. في بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، يجمع هِي وزملاؤه3 بين الأساليب الوراثية المتطورة والمعالجات الفيزيائية المبتكرة لتقصي الدور الذي تمارسه القوة الميكانيكية على الخلايا الجذعية داخل الكائنات الحية. وقد توصلوا إلى اكتشاف مذهل هو أن القوة الميكانيكية توجه التمايز بين خلايا مجموعة متخصصة من الخلايا السلفية في المعى المتوسط لذبابة الفاكهة البالغة Drosophila melanogaster

يعادل المعى المتوسط لذبابة الفاكهة المعدة والأمعاء الدقيقة لدى الفقاريات. وتتعرض جميع أعضاء الجهاز الهضمي لقوى فيزيائية طبيعية متأصلة في وظائفها الفسيولوجية: فالطعام المهضوم يوسّع المعى، وتقلصات العضلات تضغطه. هذه القوى تغيّر باستمرار من شكل البطانة الظهارية المعوية، والتي تتضمن خلايا ناضجة، وأخرى متمايزة (خلايا معوية ماصة، وخلايا صماء معوية مفرزة للهرمونات)، وخلايا سلفية (خلايا جذعية، وخلايا ابنة غير ناضجة من المنتظر أن يكون لها هوية متمايزة معينة، ولكنها لم تتخذها بعد).

حدّد هي وزملاؤه مجموعة من الخلايا السلفية في المعى المتوسط للذبابة تعبرعن قناة بيزو الحساسة للتمدد؛ وهي عبارة عن معقد بروتين  ثلاثي يمتد عبر الغشاء، وتُفتح القناة استجابة للتحفيز الميكانيكي لتسمح بمرور الأيونات عبر الغشاء4. ولتتبّع تلك الخلايا داخل الجسم، عدَّل الباحثون الخلايا التي تعبّر عن قناة بيزو جينيًّا بحيث تتمكن – هي وأي خلايا تنشأ عنها – من إنتاج بروتين فلوري. كشف هذا التحليل أن الخلايا التي تعبر عن بيزو تنضج لتصبح خلايا صماء معوية. لذا أطلق هي وزملاؤه على هذه المجموعة اسم سلائف الخلايا الصماء المعوية.

تشير حقيقة كون سلائف الخلايا الصماء المعوية تعبّر عن بيزو إلى أنها قد تستجيب للتحفيز الميكانيكي. وقد اختبر الباحثون هذا الاحتمال باتباع نهجين. الأول: قاموا بتوسيع الأنبوب المعوي عن طريق تغذية الذباب بنظام غذائي يحتوي على الميثيل سيلولوز عَسِر الهضم. والثاني: قاموا بضغط الأنبوب المعوي خارج الجسم باستخدام جهاز موائع دقيقة. وقد ثبت4 أن التنشيط الميكانيكي لخلايا بيزو يسبب دخول أيونات الكالسيوم (+Ca2) إلى سيتوبلازم الخلية، ووجد هِي وزملاؤه أن مستويات أيونات الكالسيوم(+Ca2) كانت مرتفعة بصورة كبيرة في سلائف الخلايا الصماء المعوية في المعى المتوسط المتسعة والمضغوطة على حد سواء. والأهم من ذلك أن مستويات +Ca2 لم تكن مرتفعة في المعى المتوسط المتسع أو المضغوط الذي لا يحتوي على جين البيزو. أثبتت هذه التجارب على نحو مقنع أن قناة بيزو تتوسط تدفق +Ca2 في سلائف الخلايا الصماء المعوية استجابة للمحفزات الميكانيكية (الشكل 1).

شكل 1 | استشعار ميكانيكي بواسطة سلائف متخصصة داخل الجسم. تحتوي بطانة المعى المتوسط لذبابة الفاكهة البالغة على خلايا معوية متمايزة، تتضمن خلايا معوية، وخلايا صماء معوية، وسلائف غير متمايزة. يشير هي وآخرون3 إلى أن مجموعة فرعية من السلائف تسمى سلائف الخلايا الصماء المعوية تتميز بتعبيرها عن بروتين قناة الأيونات بيزو Piezo. في حالات عدم التوسع، تكون القناة مغلقة. إلا أن القناة تُفتح استجابة لقوى ميكانيكية تمدّد الخلايا – مثلما يتسع المعى بعد تناول وجبة – للسماح بتدفق أيونات الكالسيوم (+Ca2). وهذا التدفق يُعزز تمايز السلائف إلى خلايا صماء معوية مفرزة للهرمونات.

 شكل 1 | استشعار ميكانيكي بواسطة سلائف متخصصة داخل الجسم. تحتوي بطانة المعى المتوسط لذبابة الفاكهة البالغة على خلايا معوية متمايزة، تتضمن خلايا معوية، وخلايا صماء معوية، وسلائف غير متمايزة. يشير هي وآخرون3 إلى أن مجموعة فرعية من السلائف تسمى سلائف الخلايا الصماء المعوية تتميز بتعبيرها عن بروتين قناة الأيونات بيزو Piezo. في حالات عدم التوسع، تكون القناة مغلقة. إلا أن القناة تُفتح استجابة لقوى ميكانيكية تمدّد الخلايا – مثلما يتسع المعى بعد تناول وجبة – للسماح بتدفق أيونات الكالسيوم (+Ca2). وهذا التدفق يُعزز تمايز السلائف إلى خلايا صماء معوية مفرزة للهرمونات.

كبر الصورة

كما لاحظ هي وزملاؤه أيضًا أن الذباب الذي يحمل نسخة طافرة من جين البيزو فشل في الحفاظ على أعداد طبيعية من سلائف الخلايا الصماء المعوية. دفع هذا الباحثين إلى افتراض أن تدفق أيونات الكالسيوم +Ca2 الذي تتوسطه قناة بيزو قد يعزز تمايز الخلايا الصماء المعوية. واتساقًا مع هذه الفرضية، تراكم في المعى المتوسط المتسع بفعل الميثيل سيلولوز عدد أكبر من الخلايا الصماء المعوية. تطلب هذا التأثير وجود كل من بيزو وتدفق من أيونات الكالسيوم +Ca2، ويمكن تكراره في النسخ الطافرة من جين بيزو بطرق معالجة جينية متنوعة أدت إلى زيادة مستويات (+Ca2)السيتوبلازمية.عند النظر لهذه النتائج مجتمعة، نجدها تدعم السيناريو الذي يؤدي فيه تنشيط بيزو بواسطة قوة ميكانيكية إلى تمايز سلائف الخلايا الصماء المعوية. ومن شأن الأبحاث المستقبلية أن تكشف عن الهدف الفسيولوجي لإنتاج الخلايا الصماء المعوية الحساسة ميكانيكيًا. وإلى ذلك الحين، يبدو أن أحد الاحتمالات هو أن عددًا أكبر من الخلايا الصماء المعوية يستطيع أن ينتج بكفاءة أكبر الهرمونات العديدة التي تنسق الاستجابات المحلية والجهازية للطعام المتناول.

كيف تعزز المستويات المرتفعة من (+Ca2) تمايز الخلايا الصماء المعوية؟ يتطلب مثل هذا التمايز الحدّ من نشاط بروتين مُستقبل يمتد عبر الغشاء يسمى «نوتش»5 Notch. وقد وجد هي وزملاؤه أن المستويات المرتفعة من +Ca2 تعمل على تثبيط بروتين Notch في سلائف الخلايا الصماء المعوية، وبهذا تسمح بتمايزها.

ومن المثير للاهتمام أن حساسية بروتين Notch لأيونات الكالسيوم +Ca2 قد تكون خاصة بسلائف الخلايا الصماء المعوية؛ فقد وجد الباحثون أن مستويات +Ca2 لم يكن لها تأثير على تنشيط بروتين Notch أو تمايزه في سلائف الخلايا المعوية، وأثبت آخرون6 أن الأمر ذاته ينطبق على خلايا المعى المتوسط الجذعية. وبدلًا من ذلك، تتذبذب مستويات +Ca2 في الخلايا الجذعية استجابة لمدخلات خارجية، مثل العناصر الغذائية، والإصابات، والإجهاد، وذلك كي تتحكّم في التحوّل بين حالتي الراحة والتكاثر. وتلك التناقضات الصارخة بين سلائف الخلايا الصماء المعوية، وسلائف الخلايا المعوية، والخلايا الجذعية، تطرح أسئلة مثيرة للاهتمام حول كيفية تفسير الأنواع المختلفة من الخلايا السلفية لنفس الإشارة الكيميائية.

وإضافةً إلى ذلك، يبدو أن تمايز الخلايا الصماء المعوية ليس هو السلوك الخلوي الوحيد في المعى المتوسط الذي يتأثر بالقوة الميكانيكية. فقد لاحظ هي وزملاؤه ازدياد الانقسام الخلوي بصورة كبيرة في خلايا المعى المتوسط المتوسعة بسبب الميثيل سيلولوز مقارنة بالعينات الضابطة. إلا أنهم وجدوا أيضًا أن سلائف الخلايا الصماء المعوية نادرًا ما تنقسم، على الأقل في الظروف الطبيعية. وأحد التفسيرات التي قد توفق بين هذه النتائج هو أن سلائف الخلايا الصماء المعوية تنقسم استجابة للقوة الميكانيكية تحديدًا. وتفسير آخر هو أن ثمة سلائف خلوية أخرى – لم تُحدّد بعد – حساسة للقوة الميكانيكية توجد في المعى المتوسط، وتستخدم آلية مختلفة لكي تستشعر القوة وتنقسم.

إن تحديد سلائف الخلايا الصماء المعوية يمس موضوعًا أوسع في بيولوجيا الخلايا الجذعية، وهو: وجود السلائف المتخصصة لمحفزات محددة. ولعل المثال المفهوم جيدًا على ذلك هو الخلايا الجذعية «الاحتياطية» المحفّزة بالإصابة، والتي عادة ما تكون في حالة سكون وتصبح نشطة نتيجة لحدوث تلف7 والآن، يضيف هي وزملاؤه القوة الميكانيكية إلى قائمة المحفزات المرتبطة بالسلائف المتخصصة. وقد تضم هذه القائمة العديد من المحفزات الأخرى. وفي الواقع، وجدت دراسات حديثة10،8 تستخدم سَلسلة الحمض النووي الريبي RNA لخلية مفردة تنوّعًا مثبطًا بين الخلايا الجذعية المعوية في فأر، على مستوى التعبير الجيني على الأٌقل. وقد يشير هذا التنوع إلى أننا لم نر بعد سوى قمة جبل الجليد فيما يتعلق بمسألة تخصص السلائف.  

هل توجد سلائف تستجيب للتأثير الميكانيكي في أعضاء أخرى؟ ثمة ثلاثة أعضاء أخرى لدى الثدييات – الأمعاء، والرئتان، والعضلات الهيكلية – تُعد مواضع مغرية للبحث. وكما هي حال المعى المتوسط لدى الذباب، تحظى هذه الأعضاء بدعم السلائف، كما تتعرض بانتظام أيضًا للقوى الميكانيكية. وقد تكون الخطوة الأولى ببساطة هي فحصها بحثًا عن السلائف التي تعبر عن بروتين بيزو أو عن قنوات ميكانيكية حسية أخرى.

وفي المستقبل، من المرجح أن يشكل الافتقار لأدوات فائقة الدقة، وبروتوكولات للتعامل مع القوة الميكانيكية في الأنسجة البالغة داخل الجسم، عنق زجاجة يعوق التقدم. ومثل هذه المعالجات المُعدلة – والتي كانت أساسية في دراسة هي وزملائه – لا يمكن نقلها بسهولة بين أعضاء الأجهزة المختلفة. ولعل التطور المتزايد لنظم الاستزراع ثلاثية الأبعاد، وأجهزة «عضو على رقاقة»، سيساعدان – مع مرور الوقت – على تطوير تقنيات معالجة ميكانيكية للأعضاء البالغة. ولا شك أن مزيدًا من التقدم في هذا المجال البحثي المثير سيكشف عن جوانب أساسية للمحافظة على الأعضاء البالغة وتحسين استراتيجيات هندسة الأنسجة.

References

  1. Kumar, A., Placone, J. K. & Engler, A. J. Development 144, 4261–4270 (2017) | article
  2. Vining, K. H. & Mooney, D. J. Nature Rev. Mol. Cell Biol. 18, 728–742 (2017) | article
  3. He, L., Si, G., Huang, J., Samuel, A. D. T. & Perrimon, N. Nature555, 103–106 (2018) | article
  4. Wu, J., Lewis, A. H. & Grandl, J. Trends Biochem. Sci. 42, 57–71 (2017) | article
  5. Sallé, J. et al. EMBO J. 36, 1928–1945 (2017) | article
  6. Deng, H., Gerencser, A. A. & Jasper, H. Nature 528, 212–217 (2015) | article
  7. Li, L. & Clevers, H. Science 327, 542–545 (2010) | article
  8. Yan, K. S. et al. Cell Stem Cell 21, 78–90 (2017) | article
  9. Haber, A. L. et al. Nature 551, 333–339 (2017) | article
  10. Barriga, F. M. et al. Cell Stem Cell 20, 801–816 (2017) | article

جاكسون ليان ولوسي إرين أوبراين يعملان في قسم الفيسيولوجيا الجزيئية والخلوية بكلية الطب بجامعة ستانفوررد، ستانفورد، كاليفورنيا 94305، الولايات المتحدة الأمريكية.

بريد إلكتروني: lucye@stanford.edu