رؤية كونية

ضرورة اعتياد رؤساء المختبرات على مناقشة القضايا العنصرية

يرى ديفانج ميهتا أنه يجب على كبار أساتذة الجامعات أن يتحلوا بالمسئولية، ويأخذوا زمام المبادرة في مناقشة قضايا التعصب.

ديفانج ميهتا

  • Published online:
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

HUB PHOTO

في شهر يونيو من عام 2018، كُتِبَت عبارات معادية للآسيويين على جدران المقر السكني داخل حرم جامعتي التي حصلت منها على درجة الدكتوراة، المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا (ETH) في مدينة زيورخ، وخُرِبَت أعمال الطلاب الآسيويين بشعارات عنصرية. ولم ينته الأسبوع ذاته حتى انتشرت ادعاءات بأن عالمًة فيزياء فلكية رائدًة في معهد ماكس بلانك للفيزياء الفلكية في جارشينج بألمانيا، قد تحدثت بلهجة عنصرية تجاه متدربيها، ناهيك عن مجموعة من الإساءات الأخرى. (وقد دافعت العالمة الفيزياء الفلكية عن تصرفها، قائلة إن تعليقاتها قد حُرّفت، واقتطعت من سياقها؛ أنظر الصفحة 159 من عدد دورية Nature الصادر في الأسبوع الثاني من شهر يوليو لعام 2018.)

وعادةً ما نفضّل نحن الأكاديميون، عند حدوث وقائع عنصرية صارخة داخل جامعاتنا، ألا نتصدى لها بأنفسنا. بل نترك هذه المهمة في أيدي المسئولين الإداريين في الجامعة، الذين عادةً ما يتدخلون فقط في الحالات المروعة، وكثيرًا ما يأتي ذلك التدخل بعد فترة طويلة من حدوث تلك الحالات. ومن واقع تجربتي، أرى أن العلماء، لا يبذلون - في الغالب - الجهد المطلوب للتعرف على التوجهات العنصرية في أماكن عملنا، والتصدي لها. وفي الواقع، أعرب العديد من الزملاء الذين تحدثت معهم أثناء كتابة هذه المقالة، عن شكوكهم في وجود التحيز العنصري بشكل كبير حتى في بيئة العمل العلمية الدولية. وتحول هذه الحالة من عدم الوعي بتلك القضية بيننا وبين التصدي للعنصرية داخل الهياكل المترابطة للمختبرات الأكاديمية.

وعلى الرغم من ضآلة تجاربي الشخصية مقارنة بالزملاء الآخرين، لكنها تستحق السرد. فقد جئت من الهند إلى أوروبا كطالب دراسات عليا عام 2012، تمامًا في الوقت الذي تسبب فيه الإرهاب، وأزمة اللاجئين في إشعال شرارة الخطاب المناهض للمهاجرين. وعلى الرغم من عملي داخل مختبرات شديدة التنوع، شعرت بالعزلة إلى حد كبير.

وتغير هذا الوضع عندما طلبت مني زميلة أن أوبّخ زميلًا مسلمًا بسبب عدم ترتيبه لمنضدة العمل الخاصة به، وذلك «لأنهم» يستجيبون بشكل أفضل للسلطة الذكورية. وكل ما استطعت فعله هو التحديق، مذهولًا. وفي موقف آخر، عندما سُئل أحد الأستاذة الجامعيين الأوروبيين في لقاء مع الطلاب عن دعم التنوع، اعترف ضاحكًا إنه لا يوظف باحثين آسيويين؛ لأنه وجد صعوبة في العمل «معهم». وكنت قد سمعت أن العديد من العلماء يرفضون بين الحين والآخر جميع الأبحاث الصادرة من مختبرات في دول معينة، باعتبارها علومًا ضعيفة، في حضور طلاب من تلك الدول نفسها.

وأشعر بأسف عميق أنني لم أتحدث عن تلك التجارب مع المشرفين أثناء مناقشة رسالة الدكتوراه خاصتي. إذ أنني حرمتهم، بعدم فعلي ذلك، من فرصة التعلم من مخاوفي، والتصدي لها، بالطريقة التي أثق الآن بأنهم كانوا سيتعاملون بها مع الأمر.

فلماذا لم استجمع شجاعتي للإبلاغ عن مخاوفي؟ الإجابة عن ذلك هي أنني لم أرغب في تعكير صفو وضعي. فمثل العديد من العلماء المنتمين إلى مجموعات الأقليات العرقية، فقد كنت مهاجرًا يفتقر إلى شبكات الأمان الاجتماعي، والاقتصادي التي يتمتع بها المواطنون. كان من الأسهل التغاضي عن الأمر، والتركيز في سباقي نحو الدكتوراه.

وعلى الرغم من الدور الحاسم الذي تلعبه السياسات الرسمية؛ مثل مدونات السلوك المؤسسية، ووسائل تعويض الضرر الناتج عن المخالفات الفادحة، يتعين أيضًا على أفراد الباحثين الرئيسيين (PIs) اعتماد نموذج لذاك الصِنف من الإبلاغ عن الأحداث الذي نفتقر إليه في الوقت الحاضر. وإذا كان تردد صغار الباحثين مثلي عن الحديث عن العنصرية أمرًا مؤسفًا، فإن صمت كبار أعضاء هيئة التدريس، ومن ثم تواطؤهم، يعتبر موقفًا غير مقبول. ويجب على العلماء، بصفتهم مجتمعًا، أن يعتادوا على إجراء نقاشات تسودها روح التسامح حول التعصب، والتحيّز اللاواعي، وهياكل القوى غير العادلة، وتوفير مكان عمل أكثر ودًا للجميع. ولكن هذا ما لا يحدث: إذ يخشى المُستَهدفون بحالات الاعتداء الصغيرة، والشهود عليها على حد سواء، من أن يتهموا بالمبالغة في تأويل بعض التصرفات. ونادرا ما تسترعي الوقائع ذات الصلة اهتمام الباحثين الرئيسيين.

ويجب أن تبدأ تلك المبادرة من قمة الهرم الأكاديمي؛ من الباحثين الرئيسيين، والعمداء، ورؤساء مجالس الكليات. وقد تتمثل الخطوة الأولى في شيء بسيط؛ مثل إظهار الرغبة في الاستماع إلى شكاوى الطلاب، والموظفين عن العنصرية، والتعصب. ولقد سألت مَن حولي، فَلَم أسمع عن حالة واحدة عقد فيها رئيس مختبر، من أي جنس أو عرق، ذكرًا كان أم أنثى، اجتماعًا في المختبر، أو أرسل رسالة مبادرة عبر البريد الإلكتروني؛ للاعتراف علانية بأن هذه المشاكل حقيقية، وإنهم على استعداد لمناقشتها. إنني أكتب علانيةً عن هذه المواضيع، لكنني أجد إنه من الصعب حتى تخيل إثارة قضايا العنصرية، أو عدم المساواة مع المشرفين وجهًا لوجه في الاجتماعات، ما لم يُبدوا أولًا انفتاحًا لديهم للحديث عنها.

وليس من السهل انتقاد الزملاء على تعليقات عنصرية، أو تصرفات تنم عن تعصب، لكن يتوجب علينا ذلك. وبحثًا عن الإلهام، أتأمل في بعض الأحيان في المدونة الأخلاقية العالمية للعلماء التي وُضِعَت في عام 2007 بواسطة ديفيد كينج، ثم كبير المستشارين العلميين لحكومة المملكة المتحدة، والتي تتطلب معايير عالية من النزاهة للأدلة، والمجتمع (go.nature.com/2u7ydtd). كما توجد مبادئ توجيهية لإجراء النقاشات الأساسية، مثل تلك التي يقدمها اتحاد العلوم الضخمة، وهو مجموعة تضم في عضويتها أكثر من 300 عالم شاب، والذي أنتسب إليه (go.nature.com/2tsauch). وأحد هذه المبادئ هو «افترض حسن النوايا، واصفح». ويمكن أن يؤدي الحديث عن العِرق إلى شعور الناس بالاضطهاد، بحق أو بدون حق، وهنا تأتي أهمية الصفح لتخطي أي واقعة ذات طابع عنصري أو صدامي. (بافتراض، بالطبع، أن هذه الواقعة، كانت بسيطة، وتم الاعتذار عنها).

وثمة مبدأ توجيهي آخر هو «التراجع، والتقدم»، وفيه يُطلَب من الأفراد ذوي الحظوة التأكد من عدم هيمنتهم على المناقشات، والإنصات إلى مشاركات الأقليات، والفئات الأقل قوة.

ولعل أهم مبدأ توجيهي هو «تحدث واصغ من واقع التجربة الشخصية». وبعبارة أخرى، لا تشكك على نحو فطري في صحة تجربة شخص آخر؛ ويحدث هذا في كثير من الأحيان مع النساء، والأقليات. ويتضح ذلك على وجه الخصوص عندما تدافع المؤسسات بشكل غريزي عن المتهمين. ويعود الأمر للأساتذة الجامعيين الدائمين فيما يتعلق بأن يحتجوا، ويطالبوا أرباب عملهم، وموظفيهم بمزيد من المراجعة الذاتية.

وبشكل أساسي، يتطلب التصدي للعنصرية والتعصب في مجال العلوم اعترافًا منا جميعا بوجودهما، وأدعو كبار العلماء بالبوح عما يكنون في هذا الشأن، ودعوة الآخرين إلى فعل ذلك.

 

ديفانج ميهتا، زميل دراسات ما بعد الدكتوراه في مختبر علم الجينوم النباتي في قسم العلوم البيولوجية، بجامعة ألبرتا في مدينة إدمونتون، بكندا.

البريد الإلكتروني: devangmehta@ualberta.ca; @drdevangm