موجزات مهنية

نشر: متطلبات الكتابة

كيف تكتب بحثًا من الدرجة الأولى يُقبل للنشر ويتميز عن غيره ويجتذب الكثير من القراء.

فيرجينيا جوين
  • Published online:

ADAPTED FROM ARON VELLEKOOP LEON/GETTY

ربما تتقيد مسوَّدات الأبحاث ببنية محددة بصرامة، إلا أنه لا يزال ثمة حيز لكتابة حكاية آسرة؛ حكاية تنقل العلم بوضوح إلى القراء ويستمتعون بقراءتها أيضًا. وثمة جدال دائر بين المؤلفين العلماء والمحررين حول أهمية الإبداع ومعناه، وهم يقدمون نصائح حول كيفية كتابة بحث متميز. 

آنجيل بورخا

اجعل رسالتك واضحة

عالم بحريات في شركة «آزتي-تكناليا» AZTI-Tecnalia، التي تُنتِج سلعًا وخدمات أعمال مستدامة في باسايا بإسبانيا؛ وهو أيضًا محرر مجلات، ومؤلف سلسلة عن إعداد المخطوطات (go.nature.com/2gu4hp9).

فكِّر في الرسالة التي ترغب في توصيلها إلى القراء. إذا لم تكن واضحة، فقد تُسفر عن تفسيرات خاطئة لاحقًّا. وتزداد أهمية وضوح الرسالة عندما يضم البحث مجموعة من المؤلفين المتعددي الاختصاصات، وهذا أمر يزداد شيوعًا. إنني أحث مجموعات الباحثين على الجلوس معًا ومحاولة الوصول إلى اتفاق؛ ليس فقط بشأن الرسالة الرئيسية، ولكن أيضًا بشأن اختيار البيانات، والعرض المرئي، والمعلومات الضرورية لنقل رسالة قوية.

ينبغي أن يضم النص الرئيسي أهم المعلومات. ولتجنب التشتيت، ينبغي على الكتَّاب أن يضعوا البيانات الإضافية ضمن الملاحق.

يُرفض عدد لا يحصى من مخطوطات الأبحاث بسبب الضعف الشديد للجزء المخصص للمناقشة بحيث يظهر بوضوح عدم فهم الكاتب للأبحاث المنشورة سابقًا في المجال. وعلى الكتَّاب أن يضعوا نتائجهم ضمن سياق شامل كي يوضحوا ما يجعل تلك النتائج مهمة أو أصيلة.

ثمة خط دقيق يفصل بين التكهنات والاستنتاجات المستندة إلى أدلة. ويمكن للكاتب أن يتكهن أثناء المناقشة؛ ولكن يجب ألا يفعل ذلك أكثر مما ينغي. فعندما تمتلئ المناقشة بالتكهنات، تصبح بلا جدوي لأنها لا تستند إلى خبرة المؤلف. وفي خاتمة المقال أو البحث، يمكن للمؤلف أن يكتب نبذة من جملة أو اثنتين عن البحث الذي يخطط القيام به في المستقبل، والموضوعات الأخرى التي يجب دراستها. 

دالاس ميرفي

عبِّر عن موضوعك بثقة

مؤلف كتب يعيش في نيويورك سيتي؛ ومدرب في ورشات الكتابة التي تقام للعلماء في ألمانيا، والنرويج، والولايات المتحدة.

الوضوح هو الالتزام الأوحد للكاتب العلمي، إلا أنني دائمًا ما ألاحظ غياب عنصر «ما الجديد». فإجابة الباحث عن السؤال المحوري – وهو سؤال «ماذا فعلت؟» - هي أساس تحديد بنية البحث. وكل قسم من المخطوطة يجب أن يدعم تلك الفكرة الأساسية.

ثمة مفهوم ألماني يُعرف بـ «الخيط الأحمر»، وهو خط الأفكار المستقيم الذي يتبعه القراء من المقدمة حتى الخاتمة. وفي مجال العلوم، يتمثل الخيط الأحمر في السؤال: «ما الجديد والآسر؟». إنه السبب الرئيسي لكتابة البحث في المقام الأول. وما أن يُحدد هذا السبب، تصبح الفقرات التالية هي الوحدات المنطقية التي يتألف منها الخيط الأحمر.

يخشى المؤلفون العلميون غالبًا من تقديم تصريحات واثقة بقوة. وتكون النتيجة هي نص فضفاض أو غامض يبدو وكأنه يتبنى موقفًا دفاعيًّا، ويحتوي على الكثير من التحذيرات والقوائم الطويلة؛ كما لو كان الباحثون يكتبون لدرء الانتقادات التي لم توجه لهم بعد. وعندما يكتب الباحثون بأسلوب موجه إلى المسئولين عن النشر في المجلات وليس إلى القراء، تكون النتيجة نثرًا مبهمًا.

والأمثلة على هذا النوع من الكتابة شائعة. وإليك مثال: «مع أن هذا البحث ليس شاملًا، فإنه يقدم مراجعة مفيدة للأساليب المعروفة جيدًا في علم المحيطات الفيزيائي، مستعينًا بنماذج من بحوث متنوعة تستعرض التحديات المنهجية التي تؤدي إلى حلول ناجحة للصعوبات المتأصلة في بحوث علم المحيطات». لماذا لا يكتب هذا بهذه الطريقة البديلة: «نراجع في هذا البحث أساليب بحوث علم المحيطات مستعينين بأمثلة تكشف تحديات وحلول محددة»؟

إذا أدى النثر إلى جعل العلم مبهمًا، فإن الكاتب لا يكون قد أخفق فقط في نقل فكرته، بل أجبر القارئ كذلك على بذل جهد شاق إلى حد ينفره من قراءة البحث. إن مهمة القارئ هي أن يركز انتباهه ويتذكر ما يقرأه. ومهمة الكاتب هي جعل هذين الأمرين يسيرين على القارئ. إنني أحث العلماء على القراءة خارج نطاق اختصاصهم كي يحققوا فهمًا أفضل لحرفة الكتابة ومبادئها. 

زوي دابْلداي

احذر لعنة «الكلمات المفزعة»

عالمة بيئة بجامعة آدل أيد في أستراليا. مشاركة في تأليف بحث حول تقبل الإبداع وكتابة نثر سهل الفهم في الدوريات العلمية.

عندما تكتب بحثك، فكِّر دائمًا في القارئ المشغول المُجهد، وحاول تقديم بحث يمكن أن تستمتع أنت نفسك بقراءته.

لماذا يجب أن تكون الكتابة العلمية مملة وجافة ومجردة؟ إن البشر حكاؤون بطبيعتهم؛ وإذا لم نستغل هذا الجانب من طبيعتنا، فمن الصعب استيعاب معنى ما نقرأه. يجب أن تكون الكتابة العلمية معتمدة على الحقائق، وموجزة، ومستندة إلى الأدلة، لكن هذا لا يعني أنها لا يمكن أن تكون جذابة، وإبداعية، أي مكتوبة بأسلوب يتصف بالأصالة (Z. Doubleday et al. Trends Ecol. Evol. 32, 803–805; 2017). فإذا لم يُقرأ العلم، فلا وجود له.

إحدى المشكلات الرئيسية في كتابة مخطوطة ما هي أن أسلوبك الشخصي يتعرض للمحو؛ إذ يمكن للكتَّاب أن يتعرضوا للنقد من قبل المشرفين عليهم، أو مراجعي المخطوطات، أو محرري المجلات، إذا استخدموا أسلوبهم الخاص. ويخبرني الطلاب إنهم يشعرون بالإلهام للكتابة، إلا أنهم يخشون ألا يدعم مشرفيهم أسلوبهم الإبداعي. وهذا مصدر قلق. علينا أن نلقي نظرة جديدة على «أسلوب الكتابة الرسمي»؛ أي على اللغة التقنية الجافة التي لم تتطور منذ عقود.

صكت المؤلفة هيليِن سورد عبارة «الكلمات المفزعة» بغية وصف كلمات من قبيل «تنفيذ» implementation أو «تطبيق» application، التي تنزع الحيوية من الأفعال النشطة. ينبغي علينا مخاطبة مشاعر القراء، وتجنب اللغة الرسمية الجافة المحايدة. إلا أنه لا بد من التوازن. فلا ينبغي إضفاء المشاعر والأحاسيس الجياشة على العلم. فعندما يكون للبحث رسالة واضحة، أقترح أن يحاول الكتَّاب استخدام لغة حيوية لمساعدتهم على سرد الحكاية. على سبيل المثال، واجهت اعتراضات على عنوان أحد أبحاثي الأخيرة: «ثمانية مَواطن، و38 تهديدًا، و55 خبيرًا: تقييم الخطر البيئي في منطقة بحرية متعددة الاستخدامات»، لكن المحررين سمحوا لي في النهاية بالإبقاء عليه. إن المقاومة أقل مما يظن البعض على الأرجح.

ومؤخرًا، بعد الاستماع إلي وأنا أتحدث عن هذا الموضوع، ذكرت زميلة لي أنها رفضت لتوها مقالة مسح مرجعي لأنها شعرت أن الأسلوب كان غير علمي إلى حد بعيد. وقد اعترفت لي بأنها تشعر أنها اتخذت قرارًا خاطئًا وأنها سوف تحاول تغييره. 

بْرِت منش

أوجِدْ إطارًا منطقيًا

مستشار علمي في معهد هَوارد هيوز الطبي في مجمع بحوث جانليا، آشبورن، فيرجينيا. مستشار في مجال نقل العلوم.

بنية البحث تأتي في المقام الأول. فإذا لم يكن لبحثك بنية سليمة، فليس لديك أدنى أمل.

شاركت في إحدى المرات في كتابة بحث يستعرض التفاصيل البنيوية اللازمة لتوظيف منهجية السياق والمحتوى والاستنتاج بغية تكوين مفهوم أساسي (B. Mensh and K. Kording PLoS Comput. Biol. http://doi.org/ckqp; 2017). ويُعد هذا البحث أحد الأبحاث التي حظيت بأعلى معدل من التغريدات على موقع تويتر حتى الآن. ففي كل فقرة من البحث، كانت الجملة الأولى تحدد السياق، ونص الفقرة يحتوي على الفكرة الجديدة، والجملة الختامية تعرض الاستنتاج. على مستوى البحث بأكمله، كانت المقدمة تحدد السياق، والنتائج تعرض المحتوى، والمناقشة تؤدي إلى الاستنتاج.

من المهم جدًا أن تركِّز في بحثك على رسالة أساسية واحدة تنص عليها في العنوان. ويجب أن يدعم كل شيء في البحث تلك الفكرة منطقيًا وبنيويًا. وقد يكون من الممتع الخروج عن القواعد على نحو إبداعي، لكن عليك أن تعرف تلك القواعد أولًا.

عليك أن ترشد القارئ إلى النقطة التي يستطيع عندها استيعاب ما قمت به. وبصفتك كاتبًا، عليك تفصيل المسألة؛ فالقارئ لن يجد دافعًا للاهتمام بتجربتك ما لم تقدم له ذلك الدافع. 

بيتر جورستش

شذِّب ذلك النثر المنمق

مدير تحرير خدمة تحرير أبحاث دورية نيتشر، لندن. عالم أحياء نباتية سابق.

يجب أن يكون الكتَّاب حذرين تجاه «الإبداع». لا عيب في الإبداع، لكن الغرض من البحث العلمي هو نقل المعلومات، فقط لا غير. قد يكون التنميق الزائد مشتتًا للانتباه، ويمكن للغة المجازية أن تربك المتحدثين بالإنجليزية الذين لا تُعد لغتهم الأم هي الإنجليزية. ونصيحتي هي عدم تعقيد الكتابة بأكثر مما يحتمله الأمر.

ومع ذلك، فثمة سبل لا تحصى، بعيدة كل البعد عن الفعالية، لكتابة ورقة بحثية. وأحد أكثر هذه السبل خطورة هو إسقاط معلومات أساسية من قسم المناهج البحثية. ومن السهل الوقوع في هذا الخطأ، ولا سيما في الدراسات المعقدة، لكن المعلومات المفقودة قد تجعل تكرار الدراسة مهمة صعبة، إنْ لم تكن مستحيلة. وهذا من شأنه أن يجعل البحث يصل إلى طريق مسدود.

ومن المهم أيضًا أن تكون أطروحات البحث متسقة مع الأدلة المجمعة. وفي الوقت نفسه، ينبغي على المؤلفين تجنب الثقة المفرطة في استنتاجاتهم.

إن المحررين والمراجعين المحكَّمين يبحثون عن نتائج مثيرة للاهتمام تضيف إلى المجال. ومن دون هذه النتائج، قد يُرفض البحث. ومن المؤسف أن المؤلفين عادةً ما يلاقون صعوبة في صياغة قسم المناقشة؛ إذ عليهم أن يوضحوا أسباب أهمية النتائج، وكيف تؤثر على تحقيق فهم أوسع للموضوع. ويجب عليهم أيضًا إعادة تقييم الأبحاث المنشورة في المجال وتحديد ما إذا كانت النتائج التي توصلوا إليها تفتح الباب أمام أبحاث مستقبلية أم لا. وبينما يوضحون مدى صحة نتائجهم، عليهم أن يُقنعوا القراء بأنهم أخذوا بعين الاعتبار تفسيرات أخرى بديلة. 

ستَيْسي كونكيل

استهدف جمهورًا عريضًا

مديرة البحث والتعليم في شركة ألتمتريك، لندن، التي تقيِّم المقالات البحثية على أساس مستوى الاهتمام الرقمي بها.

لم تكن هناك دراسات متعمقة تربط بين جودة الكتابة وتأثير الأبحاث، لكن دراسة حديثة من هذا النوع (N. Di Girolamo and R. M. Reynders J. Clin. Epidemiol. 85, 32–36; 2017) أظهرت أن المقالات البحثية ذات العناوين الواضحة، الموجزة، المعبِّرة تزداد احتمالات رواجها على مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة الشعبية.

تتفق اكتشافات هذه الدراسة مع خبرتي، وأهم نصيحة يمكنني توجيهها هي الدخول مباشرة في لب الموضوع. يقضي المؤلفون الكثير من الوقت في صياغة حجج طويلة لمواجهة الاعتراضات المحتملة قبل أن يعرضوا وجهةً نظرهم فعليًّا. قدِّمْ فكرتك على نحو واضح ومختصر، وبلغة غير متخصصة، إن أمكن، وذلك كي يستوعبها القراء من تخصصات أخرى.

إذا كتبت بطريقة مفهومة لغير المختصين، فإنك لا تتيح لنفسك فرصة استشهاد خبراء من مجالات أخرى  ببحثك فحسب، ولكنك أيضًا تتيح كتابتك للعامة، وهذا أمر في غاية الأهمية، خاصة في مجالات الطب البيولوجي. تقول زميلتي في شركة ألتمتريك، إيمي ريس، إنها ترى توجهًا بين الأكاديميين نحو التفكير مليًّا في طرق نشر أعمالهم. فعلى سبيل المثال، نحن نرى أن مزيدًا من العلماء يكتبون ملخصات للعامة في منشورات مثل «ذا كونفرزيشن» The Conversation، وهي منفذ إعلامي يتشارك الأكاديميون من خلاله الأخبار والآراء. 

أجرت المقابلات فيرجينيا جِوين.

جرى تحرير المقابلات من أجل التوضيح والاختصار.