أخبار

العالِم المسؤول عن طفلتي «كريسبر» يفشل في إقناع منتقديه

يكشف هُو جيانكوي بالتفصيل عن كيفية تحريره لجينومات الطفلتين، لكنْ هناك تساؤلات كثيرة ما زالت عالقة.

ديفيد سيرانوسكي
  • Published online:
استُخدمت أداة «كريسبر- كاس9» لتعديل الأجنّة وراثيًّا، قبل زرعها في رحم امرأة.

استُخدمت أداة «كريسبر- كاس9» لتعديل الأجنّة وراثيًّا، قبل زرعها في رحم امرأة. 

MARK SCHIEFELBEIN/AP/SHUTTERSTOCK

ظهر هُو جيانكوي، العالِم الصيني الذي أَعلن أنه ساعد على ولادة أول مخلوقات بشرية ذوي جينات محررة – توأمتين - في مؤتمر قمة التحرير الجيني، المنعقد في هونج كونج، لشرح تجربته. ألقى هُو محاضرته في الثامن والعشرين من نوفمبر، وسط تهديدات قانونية، وتساؤلات متصاعدة حول مدى أخلاقية تجربته، التي كان قد شرحها على نطاق واسع في مقاطع مصوَّرة على موقع «يوتيوب» حتى ذلك الحين.

رحَّب العلماء بحقيقة أنه ظهر أمام جموع الحاضرين في المؤتمر على الأقل، لكن كلمته في المؤتمر تركت الكثيرين منهم متعطشين إلى إجابات، بما فيها دقة مزاعمه من عدمها.

ويقول روبين لوفيل-بادج، عالِم الأحياء التطورية بمعهد فرانسيس كريك في لندن: "لا يوجد سبب لعدم تصديقه. كل ما هنالك أنني لست مقتنعًا اقتناعًا كاملًا"، ولا بد أن تؤكد جهة مستقلة نتائج الاختبار الذي أجراه، من خلال المقارنة الشاملة بين جينات الأبوين والطفلتين، حسب ما يقوله لوفيل-بادج وآخرون.

يعيب كثير من العلماء على هُو عجرفته التي جعلته يُقْدِم على تنفيذ مثل هذا المشروع الجريء، والمليء بالمخاطر.

تقول جنيفر دودنا، عالمة الكيمياء الحيوية بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وواحدة من الرواد في تقنية «كريسبر- كاس9» CRISPR-Cas9 لتحرير الجينات، التي استخدمها هُو: "أنا سعيدة بحضوره المؤتمر، لكنني أصبت بالذعر الشديد، وانتابتني الدهشة لدى وصفه العملية التي استخدمها، إذ لم تكن طريقة ملائمة البتة على مستويات متعددة".

وتقول ألتا شارو، المتخصصة في أخلاقيات علم الأحياء بجامعة وسكونسن-ماديسون، وعضوة اللجنة المنظمة لمؤتمر القمة: "بعد الاستماع إلى الدكتور هُو، كل ما أستطيع استنتاجه هو أن تجربته كانت مُضَلِّلة، وسابقه لأوانها، وغير ضرورية، وبلا فائدة إلى حد كبير".

واجه هُو جيانكوي أسئلة عسيرة، بعد إلقاء كلمته في مؤتمر قمة التحرير الجيني، الذي عُقد في هونج كونج.

واجه هُو جيانكوي أسئلة عسيرة، بعد إلقاء كلمته في مؤتمر قمة التحرير الجيني، الذي عُقد في هونج كونج.

TPG VIA ZUMA

يُعَد الجين CCR5، الذي حرره هُو مستخدِمًا تقنية «كريسبر-كاس9»، هو البوابة التي تعبر من خلالها سلالات كثيرة لفيروس نقص المناعة البشرية، لتصيب الخلايا المناعية. انتقد كثير من العلماء اختيار هُو لهذا الجين تحديدًا لتعديله؛ وأحد أسباب ذلك هو وجود طرق أخرى لمنع إصابة الأشخاص بفيروس نقص المناعة البشرية. يقول المنتقدون أيضًا إنّ هناك أمراضًا أخرى يمكن أن تمثل أهدافًا أوضح، للتخلص منها من خلال تحرير جينومات الأجنة. إذ يقول جورج ديلي، عميد كلية طب هارفارد في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس، إنّ داء هنتنجتون، وداء تاي-ساكس هما مثالان على الأمراض التي لا يمكن تجنُّبها - في ظروف معينة - إلا من خلال التحرير الجيني.

التوأمتان المقاوِمتان لفيروس نقص المناعة  البشرية

كَشَفَ هُو أن إحدى التوأمتين المعدلتين جينيًّا ستكون مقاوِمة لفيروس نقص المناعة البشرية، لأن عملية تحرير الجينات أزالت كلتا النسختين من جين CCR5 الخاص بها، أما الطفلة الأخرى، فيمكن أن تظل معرَّضة للعدوى، لأن عملية التحرير أبقت، سهوًا، على إحدى نسختيها من جين CCR5 سليمة، حسبما يقول.

أثار قرار هُو بزرع الجنين الثاني موجة انتقاد عارمة. ويقول عالِم الوراثة جين-سو كيم، من جامعة سيول الوطنية: "لماذا اختار هُو هذا الجنين؟ هذا غير منطقي على الإطلاق من الناحية العلمية"، إلا أن هُو جيانكوي قال إنه شرح الوضع للأبوين، وأنهما قررا أنهما يريدان إجراء ذلك على أيّ حال. كما أوضح هُو أن هدفه هو إتاحة التقنية للاستخدام حول العالم، حيث قال: "هناك ملايين العائلات التي تعاني أمراضًا وراثية، أو مُعدية. وإذا كانت لدينا هذه التقنية؛ فسوف نستطيع مساعدتهم".

أجرى هُو تجاربه في البداية على ثمانية أزواج، كان الرجال منهم مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، بينما خلت النساء من المرض، لكنْ ترك زوجٌ واحد منهم التجربة فيما بعد. عمل فريق هُو أولًا على غسل الحيوانات المنوية للرجال؛ لضمان خلوها من فيروس نقص المناعة البشرية. بعد ذلك، حَقَن الباحثون الحيوانات المنوية لكل رجل، ومعها إنزيمات «كريسبر- كاس9»، في بويضات غير مخصبة من زوجاتهم. أنتج ذلك اثنين وعشرين جنينًا، بدا أن ستة عشر جنينًا منهم قادرون على الحياة، وأنه قد تم تحرير جينوماتهم. وكان اثنان من أربعة أجنة لأحد الأزواج يحتويان على نُسَخ معدَّلة من جين CCR5، وقال هُو إنه زرع هذين الجنينين، رغم أن واحدًا منهما كان يحتوي على نسخة سليمة من جين CCR5، لتخليق هذين التوأمتين.

وليس واضحًا ماذا حدث للأجنّة الأخرى، لكن هُو قال إنه عَلَّق تجاربه، ولكنْ بعدما زرع جنينًا، حُررت جيناته داخل امرأة أخرى بالفعل.

ويقول كيم إنه متأكد بنسبة 90% من نجاح هُو في تحرير جينومات التوأمتين مثلما ادعى. والسبب يعود - جزئيًّا - إلى أنه استخدم أحدث طرق السَّلسَلة التي توصل إليها العِلْم، قبل زرع الأجنة وبعده، ليبين أن الأجنة لم تحتو على طفرات غير مرغوب فيها.

غير أن الكلمة التي ألقاها هُو تَرَكَتْ مجموعة من التساؤلات عالقة بدون إجابات، منها ما إذا كان الآباء المشار إليهم قد تم إخبارهم، على نحو صحيح، بالمخاطر المحتمَلة للتجربة، أم لا، ولماذا اختار هُو تعديل جين CCR5، في حين أن هناك طرق أخرى مُثبَتة لمنع الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، ولماذا اختار أن يُجْرِي تجربته على أزواجٍ يعاني فيها الرجال فقط من المرض، رغم أن النساء المصابات بالمرض لديهن فرص أكبر لنقل الفيروس إلى أبنائهن، ومنها أيضًا ما إذا كانت مخاطر نزع جين  CCR5 - الذي يُحتمل أن تكون له وظائف ضرورية، لكنها مجهولة بعد - تفوق فوائده، أم لا.

يصف عالِم الأحياء الحاصل على جائزة "نوبل"، ديفيد بالتيمور، ورئيس اللجنة المنظِّمة لمؤتمر القمة، والرئيس السابق لمعهد كاليفورنيا للتقنية في باسادينا، تجربة هُو بأنها "غيرمسؤولة". كما تَقَبَّل بالتيمور اللوم، نيابة عن المجتمع العلمي، قائلًا: "لقد فشلنا في تنظيم أنفسنا".

وردًا على أسئلة حول سبب عدم إعلام المجتمع بهذه التجارب قبل زرع الأجنة في رحم المرأة، أشار هُو إلى كلمات كان قد ألقاها خلال العام الماضي في مؤتمرات عُقدت بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، ومختبر «كولد سبرينج هاربور» Cold Spring Harbor في نيويورك، إلا أن دودنا - التي نظمت مؤتمر بيركلي - تقول إنه لم يقدِّم أي شيء يدل على استعداده لإجراء تجربته على البشر.

قال هُو أيضًا إنه ناقش تجربة البشر مع علماء في الولايات المتحدة، لم يذكر أسماءهم، لكنّ ماثيو بورتيوس، الباحث في تحرير الجينات من جامعة ستانفورد بكاليفورنيا، قال إن ذلك ليس كافيًا في حال هذه التجربة غير العادية. ويرغب بورتيوس في أن يتيح هُو بياناته على خادمٍ مثل «بيو أركايف» bioRxiv، بحيث يمكن للعلماء الآخرين تحليلها.

توقّعات عظيمة

كانت الضغوط تتزايد على هُو قبل إلقائه كلمته في المؤتمر. ففي السادس والعشرين من نوفمبر، طلبت اللجنة القومية الصينية للصحة من لجنة مقاطعة جوانجدونج للصحة - المسؤولة عن الولاية التي تقع فيها جامعة هُو - أنْ تحقِّق في الأمر. وأصدرت الأكاديمية الصينية للعلوم بيانًا يدين تجربة هُو، كما أصدرت جمعية علم الوراثة الصينية، والجمعية الصينية لبحوث الخلايا الجذعية، بيانًا مشتركًا يقول إن التجربة "تنتهك المبادئ الأخلاقية المقبولة دوليًّا، المنظَّمة للتجارب التي تُجرى على البشر، كما تنتهك قوانين حقوق الإنسان".

صدر بيان صحفي من المستشفى الذي وَرَد في السجل الصيني للتجارب الإكلينيكية أنه أعطى الموافقة الأخلاقية على إجراء تجربة هُو، وذلك في السابع والعشرين من نوفمبر، قال فيه إنه لم يمنح مثل هذه الموافقة. وشَكَّك المستشفى - الذي يخضع الآن للتحقيق من قِبَل سلطات الصحة - في صحة التوقيع الذي يظهر على استمارة الموافقة، وقال إن لجنة الأخلاقيات الطبية التابعة للمستشفى لم تَعقِد على الإطلاق أي اجتماع بشأن بحوث هُو. ولم يستجب هُو أيضًا لطلبات دورية Nature، للتعليق على هذه التصريحات والتحقيقات.

يقول فرانسيس كولينز، مدير معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NIH)، في تصريح له في الثامن والعشرين من نوفمبر إن هذا العمل "يمثل نية مقلِقة جدًّا من جانب دكتور هُو وفريقه في انتهاك المعايير الأخلاقية الدولية".

وتزداد المخاوف من إمكانية أن تعطل أفعال هُو التطورات المسؤولة في مجال التحرير الجيني للخط النسيلي، أي تعديل الجينات التي تنتقل إلى الأجيال التالية. وفي مؤتمر القمة، طالَب ديلي بتقديم الدعم لمثل هذا البحث، قائلًا: "يمكن أن تظهر الواقعة الأولى كخطوة على الطريق الخطأ، لكنّ هذا يجب ألّا يقودنا إلى دفن رؤوسنا في الرمال، وعدم تبَنِّي مسار أكثر مسؤولية تجاه البحث، وترجمته إلى ممارسات إكلينيكية".

كانت الضغوط التي واجهت هُو واضحة قبل إلقائه كلمته، وتحديدًا عندما تحدَّث لوفيل-بادج بلهجة غريبة على أجواء المؤتمرات العلمية، حيث قال: "يجب أن يُعطَى فرصة ليشرح تجربته"، وأضاف: "لا يمكننا أن نسلك سلوكًا منفلتًا". كانت هناك أيضًا تشديدات أمنية، ورجال في بذلات داكنة يقفون قرب المنصة، وكاميرات منتشرة في خلفية القاعة. ويقول بورتيوس إنّ ظهور هُو كان الخطوة الأولى، ولكنْ عليه أن يبدأ في الإجابة على الأسئلة الحاسمة قريبًا، "لأنه يواجه بالفعل خطر أنْ يصبح منبوذًا".