أخبار

احتجاج دولي إِثْر مزاعم ولادة توأم مُعدّل وراثيًّا 

يمثِّل الكشفُ الذي أعلن عنه عالمٌ صينيّ طفرة مثيرة للجدل في مجال تحرير الجينوم.

ديفيد سيرانوسكي، وهايدي ليدفورد

  • Published online:
عالِم صيني يزعم ولادة طفلتين توأمتين، تم تحرير الجينوم الخاص بكلٍّ منهما وهما في المرحلة الجنينية.

عالِم صيني يزعم ولادة طفلتين توأمتين، تم تحرير الجينوم الخاص بكلٍّ منهما وهما في المرحلة الجنينية. 

PASCAL GOETGHELUCK/SPL

صُدم العلماء صدمة بالغة، وساد بينهم غضب عارم؛ بسبب تقارير عن مَزاعم عالِمٍ صينيّ بإسهامه في ولادة أول طفلتين في العالم خضعتا لعملية تحرير الجينوم في مرحلة الجنين، وهما توأمتان، وُلِدتا في شهر نوفمبر.

يقول هِيْ جيانكوي - باحث بمجال تحرير الجينوم بالجامعة الجنوبيّة للعلوم والتقنية في شِنجِن بالصين - إنه تمكَّن من زرع أجنّة داخل رحم امرأة، كانت قد تم تحريرها لتعطيل المسار الجينيّ الذي يستخدمه فيروس نقص المناعة البشرية لإصابة الخلايا بالعدوى.

في مقطع فيديو نُشر على موقع «يوتيوب» في السادس والعشرين من نوفمبر، قال هِيْ إن الرضيعتين بصحة جيدة، وإنهما عادتا إلى منزلهما مع والديهما. كما قال إن وضع تسلسل الحمض النووي للرضيعتين قد كشف عن نجاح عملية تحرير الجينوم، وإنها قد عدَّلت الجين المستهدف فقط. لم تتأكد مزاعم العالِم من خلال إجراء اختبار مستقل للجينوم، كما لم يُنشر البحث في أي دورية تخضع لمراجعة الأقران. وفي وقتٍ لاحقٍ من ذلك اليوم، أعلنت الحكومة الصينية عن فتح تحقيق في تلك المزاعم.

إذا ثبتت صحة التقرير، فإن التوأمتين ستمثلان طفرة مهمة ومثيرة للجدل في استخدام تقنية تحرير الجينوم. فحتى الآن، كان استخدام هذه الأدوات في الأجنّة مقتصرًا على الأبحاث، وعادةً بغرض دراسة فوائد استخدام التقنية في القضاء على الطفرات المسببة للأمراض في الخط النسيلي البشري، إلا أن هناك دراسات سجلت ظهور آثار بعيدة عن الهدف؛ ما يثير مخاوف كبيرة بشأن مدى سلامة هذه العملية.

تَكشِف المستندات المنشورة في سجل التجارب الإكلينيكية الصيني أن هِيْ قد استخدم أداة تحرير الجينوم الشهيرة «كريسبر-كاس9» CRISPR-Cas9 لتعطيل جينٍ يسمَّى CCR5، يُشَفِّر بروتينًا يسمح لفيروس نقص المناعة البشريّة بدخول الخليّة. طُلِبَ من العالِم المختص بتقنية تحرير الجينوم فيودور أورنوف مراجعة المستندات التي تشرح التجارب المزعومة لمقالٍ منشور في دورية «إم آي تي تكنولوجي ريفيو» MIT Technology Review. وقد قال أورنوف، الذي يعمل في معهد ألتيوس للعلوم الطبية الحيويّة في سياتل بواشنطن: "تتسق البيانات التي راجعتها مع حقيقة أن عملية التحرير قد حدثت بالفعل"، إلا أنه أضاف أن الطريقة الوحيدة لمعرفة ما إذا كانت جينومات الطفلتين قد تم تحريرها، هي إجراء اختبارات مستقلة للحمض النووي لكلتيهما.

يختلف أورنوف مع قرار تحرير الجينوم في مرحلة الجنين لمنع إصابته بفيروس نقص المناعة البشريّة. وهو أيضًا يَستخدِم أدوات تحرير الجينوم؛ لاستهداف الجين CCR5، إلا أن دراساته تُجرى على أشخاص مصابين بفيروس نقص المناعة البشريّة، لا على الأجنّة. ويقول أورنوف إن هنالك "طرقًا آمنة وفعالة" لاستخدام علم الوراثة؛ لحماية البشر من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشريّة، وليس من بينها تحرير جينات الأجنّة.

ومن جانبها تشكِّك كذلك باولا كانون - التي تدرس فيروس نقص المناعة البشريّة في جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجلوس - في قرار هِيْ باستهداف ذلك الجين في الأجنّة، حيث تقول إن بعض سلالات فيروس نقص المناعة البشريّة لا يَستخدِم هذا البروتين أصلًا لدخول الخلايا، بل يَستخدِم بروتينًا آخر، يسمَّى CXCR4. وتضيف كانون قائلة إنه حتى الأشخاص الذين بطبيعتهم يفتقرون إلى البروتين CCR5 ليسوا مُقاوِمِين كليًّا لفيروس نقص المناعة البشريّة، حيث إنهم قد يُصابون بالعدوى بفعل سلالة تستخدم بروتين CXCR4.

وتقول كانون أيضًا إنه لا معنى لتجنيد هِيْ لِأُسَر، مُصاب الأبّ فيها بعدوى فيروس نقص المناعة البشريّة في تجاربه، كما كان الحال مع التوأمتين، حيث إنه لا خطورة حقيقية من انتقال العدوى إلى الأبناء.

ويقول جوليان سافوليسكو، مدير مركز «أوكسفورد أويهيرو» Oxford Uehiro للأخلاقيات العمليّة بجامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة: "تُعَرِّض هذه التجربة الأطفال الطبيعيين الأصحاء لمخاطر التحرير الجيني من دون فائدة ضروريّة حقيقية".

وفي مقابلةٍ له مع وكالة «أسوشييتد بريس» Associated Press، قال هِيْ إن هدف بحثه لم يكن منْع انتقال الفيروس إلى الأبناء من الوالدين، وإنما مَنْح الأزواج المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية فرصة لإنجاب طفلٍ ربما يكون في مأمن من مقابلة مصيرٍ مشابه. وتقول جويس هاربر، التي تدرس صحة المرأة والصحة الإنجابيّة بكلية لندن الجامعيّة، إنه ما زالت أمامنا سنواتٌ من البحث، للتأكد من أن التلاعب بجينوم الجنين لن يتسبب في ضرر له. كذلك فإنه يجب البدء في تداول التشريعات والمناقشات العامّة، قبل استخدام تقنية تحرير الجينوم في الأجنّة المُعَدَّة لزراعتها في الرحم.

وفي تصريحٍ لها في السادس والعشرين من نوفمبر، قالت الجامعة الجنوبيّة للعلوم والتقنية إنها لم تكن على دراية بتجارب هِيْ، وإنّ بحثه لم يُجْرَ في الجامعة، وإنه كان في إجازة منذ شهر فبراير. كما قالت الجامعة إنّ باحثيها مُلزَمون باتباع قوانين ولوائح الدولة، وباحترام الأخلاقيات الأكاديميّة الدوليّة، والالتزام بالمعايير الأكاديمية، وإنها ستشكِّل لجنة مستقلة للتحقيق في الأمر.

إنّ إنماء أطفال بجينات معدّلة يخالف اللوائح التي أصدرتها وزارتا الصحة والعلوم الصينيّتان في عام 2003، لكنْ غير واضح ما إذا كان هنالك عقوبات على مَن يخالف القوانين، أم لا.

وقد أصدر أكثر من 100 باحثٍ صيني في مجال الطب الحيوي بيانًا شديد اللهجة على شبكة الإنترنت، يدين مزاعم هِيْ. ويقول البيان: "إن القفز مباشرة إلى إجراء التجارب على البشر لا يمكن وصفه سوى بالجنون". وطالَب العلماء السلطات الصينية بنشر نتائج أيّ تحقيق للجمهور.

 يقول البيان كذلك: "إنها ضربة قاصمة لسمعة البحث العلميّ الصينيّ، ومسار تطوُّره، خاصة في مجال بحوث الطب الحيويّ. وهذا ظلم بَيِّنٌ للأغلبية العظمى من العلماء المجتهدين في الصين، متيقظي الضمائر، الذين يناضلون في سبيل البحث والابتكار، مع الالتزام الصارم بالحدود الأخلاقيّة".

وقد حاولت دورية Nature التواصل مع هِيْ، إلا أنها لم تتلق منه ردًّا قبل الموعد النهائي للنشر. يقول هِيْ في مقطع الفيديو الذي نشره إنه يؤيد استخدام أدوات تحرير الجينوم في الأجنّة فقط في الحالات المرتبطة بالمرض، ويضيف قائلًا: "أتفهَّم أن بحثي سيكون مثيرًا للجدل، إلا أنني أؤمن أن أُسَرًا تحتاج إلى هذه التقنية، وأنا مستعد لتحَمُّل الانتقاد من أجلهم".

وقد انتشرت أخبار التجربة قبل يومٍ واحد من تلاقي الباحثين في المجال في هونج كونج في ملتقى دوليّ كبير عن عمليات تحرير الجينوم، انعقد في الفترة من 27 إلى 29 نوفمبر. وحتى قبل ظهور الأخبار عن بحث هِيْ، رأَى كثيرون مِن أقران المجال أنه أمر حتمي أنْ يَستخدِم شخصٌ ما أدوات تحرير الجينوم؛ لتعديل الأجنة البشريّة، قبل زراعتها في أرحام الأمهات، وقد أَلَحُّوا على ضرورة التوصل إلى اتفاقِ آراءٍ دوليّ، لتحديد مصير استخدام تقنية تحرير الجينوم لتعديل البويضات، أو الحيوانات المنويّة، أو الأجنّة.