تحقيق إخباري

العلوم في الأراضي الفلسطينية تتحدى كل الصعوبات

القيود المفروضة على السفر، وكذلك التمويل الهزيل يُعَرقِلان الباحثين الذين يحاولون بناء قاعدة علمية.

أليسون أبوت

  • Published online:
إلى اليسار، عبد الرحمن سوالمة يستخلص الحمض النووي من عينة دم في جامعة القدس في   الضفة الغربية، وإلى اليمين، فلسطينيون يعبرون نقطة تفتيش قلندية العسكرية،   لدخول القدس في الصباح الباكر.

  إلى اليسار، عبد الرحمن سوالمة يستخلص الحمض النووي من عينة دم في جامعة القدس في الضفة الغربية، وإلى اليمين، فلسطينيون يعبرون نقطة تفتيش قلندية العسكرية، لدخول القدس في الصباح الباكر.

HEIDI LEVINE FOR NATURE

لدى دلال سعيد تصوّر واضح جدًا لغايتها من الحياة: ما تريده هو أن تحصل على وظيفة كباحثة أكاديمية في مجال علوم الكيمياء الأرضية، ولكنْ لا توجد برامج لدراسة الدكتوراة في العلوم الطبيعية في الأراضي الفلسطينية. لذلك، تسافر دلال كل يوم من أيام العمل من قريتها الواقعة في الضفة الغربية عبر الجدار العازل بين وطنها وبين إسرائيل إلى الجامعة العبرية في القدس، حيث بدأت لتوها في بحوث الدكتوراة.

تبلغ المسافة التي تقطعها دلال ما يقرب من عشرة كيلومترات، لكنْ في المرات القليلة الأولى التي قطعت فيها تلك المسافة عبر الحاجز الأمني الأقرب لها والذي يشهد اختناقًا مروريًّا، استغرقت الرحلة أكثر من ثلاث ساعات. وسرعان ما اكتشفت دلال أن الأفضل لها أن تقود إلى مسافة أبعد على طول الجدار، لتصل إلى حاجز أمني أكثر هدوءًا، ما يقلّص وقت الرحلة إلى النصف.

بعد عقود من الصراع، يقاطع كثير من الفلسطينيين الغاضبين المقيمين في الأراضي المحتلة الآن الأشكال المختلفة من الأنشطة الاقتصادية أو الثقافية مع إسرائيل، بما في ذلك البحث العلمي، لكن التعليم العالي يمثل استثناءً. تقول دلال: "إنه قرار شخصي"، وهي حتى الآن ترى أن طول مدة الرحلة هو التحدي الوحيد أمامها. ساعدت المشرفة الإسرائيلية المعاوِنة لدلال - وهي عالمة الكيمياء الأرضية الإسرائيلية بواز لازار - في الترتيب لمنحها تصريح دخول متعدد، لكي تتمكن من دخول إسرائيل خلال النهار، إلى جانب حصولها على إذْن منحة دراسية من جامعة حيفا، ومشروع لقياس نظائر المعادن الثقيلة في البحر الميت والأراضي المحيطة به، والذي يجاوِر حدود إسرائيل، والضفة الغربية، والأردن.

تشعر دلال بانجذاب قوي تجاه البحر الميت، إذ ترعرعت بالقرب من شواطئه، ودرسته ضمن عملها على مشروع درجة الماجستير، وتقول إن حصولها على فرصة لدراسة الدكتوراة هو "حلم يتحقق". وهي ترغب فور حصولها على مؤهلها العلمي في أن تنتقل إلى العمل بجامعة فلسطينية، بينما تترك الباب مفتوحًا وترحب بأي مكان قد تأخذها إليه الحياة. وتتساءل، مَن يدري ما قد يحدث في غضون ثلاث أو أربع سنوات؟

وهذا سؤال يفكر فيه كثير من العلماء في الأراضي الفلسطينية. فهم يَعتبِرون الوضع المتأزم الذي يعيشونه غير عادل، وغير مستقر، ولكنْ سواء انتهى الاحتلال الإسرائيلي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، أَم بالاستيلاء على أراضيهم داخل دولة إسرائيل، يقول هؤلاء العلماء إن مستقبلهم يعتمد على وجود قاعدة فكرية قوية، وقدرة على إجراء البحوث.

يتأجج الغضب في الأراضي الفلسطينية بسبب تأزم أحوال ساكنيها، وازدياد ظروفهم الحياتية بؤسًا، حيث يفرض الجيش الإسرائيلي سيطرته القوية على أمور السفر، والواردات. ولذلك، يجد الباحثون أنه من الصعب - بل ومن المستحيل أحيانًا - حضور المؤتمرات الدولية، أو الوصول إلى المختبرات، والحصول على المواد البحثية. وقد تصاعدت حدة التوترات السياسية في العام الجاري، وبخاصة في شهر يوليو، عندما أقرت الحكومة الإسرائيلية مشروع قانون الدولة القومية اليهودية، الذي فرض وضع المواطَنة الأدنى على غير اليهود، بمن فيهم المواطنون العرب، الذين تبلغ نسبتهم 20% تقريبًا من عدد السكان. كما يبدو أن الحكومة الإسرائيلية قد شددت أيضًا القيود المفروضة على التحركات. ولم تخصص السلطات الفلسطينية سوى القليل من الدعم المالي لتطوير العلوم على أراضيها.

على الجانب الآخر من الجدار الفاصل، يعارض كثير من العلماء الإسرائيليين - وليس جميعهم - طريقة التعامل مع الناس في الأراضي الفلسطينية. كما كانت هناك خلافات حادة في المجتمع الأكاديمي، وخاصة بشأن الوضع القانوني لجامعة قائمة في مستوطنة يهودية على الأراضي الفلسطينية.

ورغم تلك المشكلات، يبذل بعض الباحثين والمعلمين أقصى ما في وسعهم؛ لتطوير مجتمع علمي فعال في تلك المناطق، إذ يعدّون مجموعات بحثية للعلماء الشباب، ويحاولون اغتنام الفرص للتدريب في الخارج، والحصول على منح بحثية من الحكومات الأجنبية. يقول عالِم الكيمياء غير العضوية، عبد اللطيف أبو حجلة، رئيس جامعة بيرزيت، التي تقع بالقرب من رام الله: "إننا نواجه الكثير من التحديات.. لكننا نعمل بجد، ونُجْرِي أبحاثًا، ونحرز تقدمًا".

استولت إسرائيل على الأراضي الفلسطينية - وتشمل منطقة القدس الشرقية، والضفة الغربية، وغزة - بعد حرب الأيام الستة في عام 1967 بين إسرائيل، والدول العربية المجاورة. (تشير الأمم المتحدة وغالبية دول العالم إلى هذه المناطق باسم "الأراضي المحتلة"، بينما تدعوها إسرائيل "الأراضي المتنازَع عليها".) خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي وقعت في الثمانينيات من القرن الماضي، كثيرًا ما أَغلقت قوات الجيش الإسرائيلي جامعات فلسطينية، بدعوى الاشتباه في أنها تدعم الهجمات على الإسرائيليين. وقد أدى توقيع اتفاقيات أوسلو في عام 1993 إلى محادثات سلام جادة؛ بهدف إنهاء الاحتلال. ومن ثم، أُنشئت السلطة الفلسطينية كإدارة حاكمة، وبدا أن ثمة زخمًا يتجه نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة، إلا أن المحادثات فشلت، وتجددت أعمال العنف في عام 2000 باندلاع الانتفاضة الثانية.

منذ ذلك الحين، امتدت المستوطنات الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية، وشَيَّدت إسرائيل الجدار العازل، الذي يلتف حول المستوطنات الجديدة؛ بغرض حمايتها. وارتفعت حدة التوترات في العام الماضي عندما ألقى فلسطينيون قنابل حارقة ومتفجرات عبر السياج الحدودي لقطاع غزة، وأطلقوا قذائف هاون على الأراضي الإسرائيلية. وردّت القوات الإسرائيلية باستخدام الغاز المسيل للدموع، والذخيرة الحية، وشن غارات جوية، في تصعيد غير مسبوق لمستويات العنف منذ عام 2014.

ولم يمثِّل قطاع العلوم أولوية كبيرة للسلطة الفلسطينية، التي نادرًا ما خَصصت أموالًا للبحث العلمي، ولكنْ الخطة الاستراتيجية التي وضعها وزير التعليم صبري صيدم للفترة من 2017 إلى 2022 تسعى جاهدة إلى تطوير القدرات البحثية. في العام الماضي، أعلنت وزارته عن صندوق بحثي متواضع، تبلغ ميزانيته عشرين مليون شيكل (ما يعادل 5.5 مليون دولار أمريكي)، وهي أول ميزانية تخصص للعلوم منذ 5 سنوات، تتقاسمها الأربع عشرة جامعة القائمة على الأراضي الفلسطينية، وكل العاملين بها من أساتذة، وأساتذة مشاركين، وأساتذة مساعدين، البالغ عددهم 2,200. "يُعَد ذلك مؤشرًا" على دعم العلوم، حسبما يقول عصام إسحاق، مساعد الرئيس لشؤون البحث والتطوير والإبداع بجامعة القدس، الكائنة في القدس الشرقية، وهي إحدى الجامعات الرائدة على الأراضي الفلسطينية. ويتابع بقوله إنّ الجامعات تخوض نضالًا مستمرًّا؛ لإيجاد التمويل اللازم لتغطية تكاليف التشغيل الخاصة بقطاع العلوم، والحفاظ على أيّ معدات كبيرة في حالة صالحة للتشغيل.

(أما في قطاع غزة فوَضْع العلماء أسوأ، وغزة هي مساحة طولية من الأراضي الساحلية، تفصلها عن الضفة الغربية أراضٍ إسرائيلية. يقتصر تشغيل التيار الكهربائي هناك على بضع ساعات في اليوم، وهو الأمر الذي يَستبعِد إمكانية إجراء معظم أنواع البحوث التجريبية.)

إن إهمال السلطة الفلسطينية للعِلْم في الضفة الغربية والقدس الشرقية يمثل "فجوة كبيرة"، حسبما يقول ساري نسيبة، أستاذ الفلسفة بجامعة القدس، وأحد الأكاديميين البارزين في المنطقة. شغل نسيبة منصب رئيس جامعة القدس في تسعينيات القرن الماضي، وهي فترة كانت مفعمة بالتفاؤل، حيث كان حينها يشجع بقوة على تطوير الأبحاث، إلى جانب التعاون الأكاديمي مع إسرائيل، التي تُعَد من القوى الكبرى في مجال البحوث عالمية المستوى. وكان يرى حينها أنه إذا حدث وأصبحت الأراضي الفلسطينية دولة مستقلة، فسوف تحتاج إلى قاعدة قوية في مجال البحث العلمي، ولا سيما بسبب امتلاكها موارد طبيعية محدودة. ويقول: "بصفتنا فلسطينيين، فإن سبيلنا الوحيد للتنمية هو العمل على تطوير أنفسنا، وكلما زادت لدينا روح المبادرة، صرنا أفضل".

بعد أن أدّت موجة العنف التي شهدتها الانتفاضة الثانية إلى تردّي احتمالات نهاية الاحتلال، اكتسبت فكرة المقاطعة السلمية لإسرائيل شعبية في الأراضي الفلسطينية. واليوم، يرفض العديد من الأكاديميين من خارج منطقة الشرق الأوسط التعاون مع الباحثين في إسرائيل، رغم أن هذه الحركة أقوى بكثير في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، بالمقارنة بالعلوم الطبيعية، حيث تأثيرها ضئيل، حسب قول علماء إسرائيليين.

أما في داخل الأراضي الفلسطينية، فيقول نسيبة إنه لم يكن واضحًا له أبدًا ما إذا كان من الواجب أن ينطبق تأثير حركة المقاطعة وسَحْب الاستثمارات وفرض العقوبات على الفلسطينيين الراغبين في إقامة علاقات أكاديمية مع إسرائيل، أم لا، "ولكنْ ازدادت الضغوط المحلية بشكل كبير لوضع حد للتعاون العلمي".

تَحترِم الجامعات الفلسطينية مسألة مقاطعة إسرائيل على المستوى المؤسسي، ولكنها لا تمنع الأكاديميين كأفراد من العمل معًا. ويخاطِر قلة من الشجعان بإثارة غضب الرأي العام من خلال فعل ذلك، رغم أنهم عادة لا يعلنون عنه على الملأ. ويتجلى ذلك في كون الطلبات لا تزال تتوافد إلى مؤسسة البحوث الألمانية (DFG) بخصوص برنامجها ثلاثي المحاور، الذي يتعاون فيه باحثون ألمان وإسرائيليون مع علماء فلسطينيين، وفقًا لما ذكره متحدث باسم المؤسسة.

تمويل خارجي

تم توزيع أكثر من 71 مليون يورو (81 مليون دولار أمريكي) على تلك المشروعات، منذ بداية عمل برنامج مؤسسة البحوث الألمانية في عام 1995. وقد أُنشئت برامج دولية أخرى خصيصًا لمساعدة الفلسطينيين. تتضمن تلك البرامج برنامج جسر العلوم الفلسطيني الألماني، وهو برنامج مدته خمس سنوات، بتكلفة تبلغ 12.5 مليون يورو، تدعمه وزارة العلوم الألمانية؛ لمساعدة طلاب الدراسات العليا في الحصول على تدريب في ألمانيا. كما أطلقت مقاطعة كيبك الكندية في العام الماضي برنامجًا مدته أربع سنوات، بتكلفة مليون دولار، بغرض جلب 60 باحثًا من الأراضي الفلسطينية إلى المقاطعة في مهمات بحثية تتراوح مدتها بين 3 و5 أشهر.

ويعتمد الفلسطينيون اعتمادًا كبيرًا على مثل هذه البرامج الدولية، رغم صغر حجمها، وكذلك على برامج الاتحاد الأوروبي، التي حَوَّلت في العقد الماضي - أو نحو ذلك - ما يقرب من ثلاثة ملايين يورو إلى العلماء في الأراضي الفلسطينية، المشاركين في مشروعات تعاونية مع أشخاص من بلدان الاتحاد الأوروبي.

ورغم محدودية فرصهم في الحصول على تمويل، يقول العلماء هناك إن العائق الأكبر أمام إجراء البحوث هو الاحتلال الإسرائيلي. تتمثل إحدى المشكلات الرئيسة في انعدام حرية التنقل، فمعظم قاطني الضفة الغربية يحتاجون إلى تصريح لدخول إسرائيل، وكثيرًا ما تُقابَل طلباتهم بالتأخير لفترات طويلة، أو بالرفض. كما يواجه العلماء في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية مشكلات في استيراد الكواشف والمعدات، لأن ذلك يتطلب موافقة من المعابر الأمنية الإسرائيلية. كذلك يُدرَج بعض المواد الأساسية، مثل سماد نترات الأمونيوم، أو الأحماض البسيطة، في قائمة "الاستخدام المزدوج"، ويُحظَر طلبها، نتيجة لاستخدامها المحتمَل المزعوم في الأسلحة. وليس هذا فقط، بل إنّ عزلة المنطقة تعني أن يظل المجتمع البحثي صغيرًا جدًّا في الحجم ويعاني من نقص التمويل بدرجة تجعله غير قادر على تقديم برامج الدكتوراة. ومع ذلك، فإن تلك التحديات لم تقتل الطموح.

كبر الصورة

Source: Scopus

يتجنب بعض العلماء الفلسطينيين الذين يعملون في بلدان أخرى الانخراط في السياسة. وعوضًا عن ذلك، يعملون على تنظيم سبل الدعم العملي، الذي يأملون في أن يساعد على خلق رأس مال بشري؛ لضمان إجراء بحوث عالية المستوى في المستقبل، عند عودتهم إلى وطنهم. من جانبه يراقب مخلص صوان - وهو عالِم متخصص في تكنولوجيا النانو - مختبره السابق في القدس عن كثب من موقعه في معهد أوكيناوا للعلوم والتكنولوجيا في اليابان. يسهم صوان في توجيه طلاب الماجستير في جامعة القدس، كما يساعد النوابغ منهم في الالتحاق ببرامج الدكتوراة في بلدان معينة، مثل: ألمانيا، وفرنسا، واليابان، بل وحتى في الجامعة العبرية في بعض الأحيان. ويتفق معظم طلاب الدكتوراة على العودة إلى جامعة القدس، بعد الانتهاء من تدريبهم. يقول صوان إن إسهامه صغير، لكنه مجز، ويضيف: "إذا تمكنتُ من إتاحة الفرصة لفرد واحد، أستشعر حينها مدى سعادته".

أما عالِم الأعصاب محمد حرز الله - وهو من باحثي ما بعْد الدكتوراة بجامعة روتجيرز في مدينة نيوآرك بولاية نيوجيرسي – فهو يتعاون عن بُعْد مع المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب (PNI) في جامعة القدس، التي أسسها في عام 2009. تضم المبادرة حاليًّا أكثر من 30 طالبًا يرغبون في أن يصبحوا علماء، ويُجْرون مشروعات بحثية تحت إرشادات عن بُعْد من حرز الله.

يتعلق أحد المشروعات ببيولوجيا "الاكتئاب"، الذي يبلغ معدل انتشاره حوالي 30% في الأراضي الفلسطينية، وهي واحدة من أعلى النِّسَب على مستوى العالم. تَحصُل المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب على دعم مالي من جهات تبرُّع خاصة، ومن معاهد الصحة الوطنية الأمريكية. ويعمل حرز الله حاليًّا مع علماء في ألمانيا على تقديم طلب للحصول على الدعم من وزارة البحوث الألمانية؛ لبناء مختبر لصالح المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب، يتيح للطلاب الفلسطينيين فحص الاختلافات في النشاط الكهربائي للمخ بين البشر المصابين بالاكتئاب، وغير المصابين به.

ويجتمع طلاب المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب حول طاولة كبيرة، لإطلاع حرز الله على أحدث المستجدات فيما يخص تقدُّمهم الفردي، من خلال اجتماعات أسبوعية عبر برنامج «سكايب» Skype، تُجرى قبل طلوع النهار في نيوجيرسي.

تتسم المناقشات بالحيوية، بيد أن حرز الله لا يتساهل مع أي شخص يأتي متأخرًا، أو يتخطى موعد تسليم شيء هيّن، أو يهمل في كتابة رسالة بريد إلكتروني. كذلك يمنع حرز الله أي نقاش سياسي في مختبره، ويقول إنه قد يشتت الانتباه، ويسبب مشكلات. ويتابع بقوله: "يجب أن ينصَبّ تركيزنا بالكامل على العِلْم، والمهنية". لا يعترض أحد على هذا، فالجو العام مفعم بالحماس والترقب.

ويرى حرز الله - الذي يبلغ من العمر 33 سنة فقط - أن أعضاء المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب هم النواة لمركز بحثي مستقبلي عالمي المستوى في الأراضي الفلسطينية، كما أنه يدرب بعض أفراد مجموعته على مهارات قيادة الفريق. يُعَد عبد الرحمن سوالمة، الحاصل بالفعل على درجة علمية في الطب، وينوي الانتقال إلى ألمانيا في العام المقبل؛ لإتمام الحصول على درجة الماجستير، ثم الدكتوراة، واحدًا من أولئك الذين يتلقون تدريبًا على مهارات القيادة. وبمجرد أن يصل سوالمة إلى ألمانيا، فإنه سوف يتواصل بانتظام - عبر برنامج «سكايب» - مع أفراد مجموعته في المبادرة الفلسطينية لعلوم الأعصاب، تمامًا كما يفعل حرز الله؛ وذلك من أجل مشاركتهم المعرفة التي يكتسبها من الإشراف على الأنشطة البحثية ذات الصلة هناك. وبعد الحصول على درجة الدكتوراة، يرغب سوالمة في الحصول على درجة التخصص في مجال طب علم الأعصاب في ألمانيا، لكنّ نيته الراسخة هي العودة إلى وطنه بعد ذلك. يقول سوالمة: "كم هو رائع أن نبني شيئًا رائدًا في فلسطين".

ويجد كثير من الأشخاص الآخرين الذين يناضلون لإجراء البحوث في الأراضي الفلسطينية أنه من الصعب تجنب الحديث في القضايا السياسية. فالمشكلات الخاصة بإصدار التصاريح والتأشيرات تُذكِّرهم على الدوام بتلك القضايا. لا يُسمَح للفلسطينيين من سكان الضفة الغربية بالسفر جوًّا إلى بلدان أخرى من المطارات الإسرائيلية دون تصريح خاص، يقولون إنه من المستحيل عمليًّا الحصول عليه. وعادة ما يتعين عليهم السفر برًّا إلى الأردن أولًا، ما يضيف يومًا إضافيًّا إلى مدة الرحلة.

متاعب السفر

يُشترط على بعض سكان الضفة الغربية الحصول على تصاريح، حتى ولو للتنقل داخل الضفة الغربية نفسها. يقول العلماء الشباب من الرجال خاصة إنه كثيرًا ما يتم إيقافهم من قِبَل الجيش لتفتيشهم في المناطق الواقعة ما بين الحواجز الأمنية. طلب هؤلاء العلماء حَجْب أسمائهم؛ خشية من إدراج أسمائهم في القوائم الأمنية الإسرائيلية. ويقول أحدهم: "إنّ الوضع يزداد سوءًا بصفة يومية"، وهو شعور يتردد صداه في العديد من المناسبات. وقد صرَّح حسن الدويك، وهو عالِم في كيمياء البوليمرات، ونائب رئيس جامعة القدس لشؤون العلم والمجتمع، قائلًا: "نحن في سجن كبير".

يحتاج الأجانب إلى تأشيرة من إسرائيل لدخول الأراضي الفلسطينية المحتلة. وحسبما تفيد تقارير الجامعات الفلسطينية، فإن هناك زيادة مفاجئة في عدد أعضاء هيئة التدريس الذين واجهتهم مشكلات مع التأشيرة. وكشفت دراسة استقصائية أَجْرتها وزارة التعليم الفلسطينية أن أكثر من نصف أعضاء هيئة التدريس الأجانب في الجامعات الفلسطينية، البالغ عددهم 64 عضوًا، قد واجهوا مشكلات تتعلق إما برفض التأشيرات، أو تأخير حصولهم عليها، دون تفسير، وذلك خلال العامين الدراسيين الماضيين. وفي مؤتمر صحفي عُقد في شهر يوليو الماضي، صرّح صيدم قائلًا إن هذه المشكلة "تهدم جودة برامج التعليم والبحث العلمي في جامعاتنا".

لم تستجب منظمة COGAT الإسرائيلية (منظمة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق)، المسؤولة عن التأشيرات، لطلبات دورية Nature للحصول على تعليقات منها بشأن المشكلات المحددة التي يقابلها الأكاديميون، ولكنها أبلغت الدورية أنه لم يطرأ أي تغيير على سياسة التأشيرات الخاصة بها، وأن "كل حالة يُنظر فيها بموضوعية تامة".

تقول جامعة بيرزيت إن 8 من أصل 20 من أعضاء هيئة التدريس الأجانب بها لم يتمكنوا من الحصول على تأشيرات دخول في العامين الماضيين، وهو الأمر الذي يصفه أبو حجلة بالمشكلة الكبيرة. إنّ وجود علماء دوليين يُبقِي تلك الجامعات المعزولة نسبيًّا على اتصال بالعالم، كما يقول، "لكن مسألة صعوبة الحصول على تأشيرة تجعل من الصعب جدًّا قدوم هؤلاء العلماء والاحتفاظ بهم".

ورغم كل التحديات، نجحت الجامعات في زيادة نتاجها من البحوث. وفقًا لقاعدة بيانات «سكوبس» Scopus، فإن معدَّل المنشورات العلمية الصادرة من جامعات فلسطينية قد تضاعَف ثلاث مرات تقريبًا في العقد الماضي، رغم أن المستوى العام ما زال منخفضًا، وأن العديد من الأعمال المنشورة هو نتاج لمشروعات تعاوُن دولي كبيرة في القطاع الصحي (انظر: "إحصائيات العلوم").

تُلقِي التوترات الناتجة عن الاحتلال وعن غياب التقدم نحو السلام بظلالها في كل مكان على العلماء في إسرائيل، التي يزيد فيها الدعم المالي الحكومي للبحوث والإنتاج العلمي عن متوسط الاتحاد الأوروبي. تحتل إسرائيل المركز الثاني بعد سويسرا فيما يخص عدد المِنَح المرموقة التي يحصل عليها علماؤها من المجلس الأوروبي للبحوث، وذلك بالتناسب مع عدد سكانها. وتلتزم المنظمات والمؤسسات العلمية - بما فيها الجامعات - بالحياد الحذر بشأن القضايا السياسية، كما يفضِّل كثير من العلماء الأفراد تجنب إثارة المشكلات.

ومع ذلك، الجميع ليسوا متحفظين بهذه الدرجة. يقول إيلاي بولاك - وهو عالِم في الفيزياء بمعهد وايزمان للعلوم في رحوفوت، وهو أيضًا عضو في مجلس التعليم العالي الإسرائيلي - إن الهجمات الإرهابية الفلسطينية بعد الانتفاضة الثانية، والخطر المستمر المتواصل، ولو بدرجة أقل، يبرران حالة اليقظة والحذر بشكل دائب من جانب منظومة الدفاع الإسرائيلية. كذلك أظهر الرأي العام الإسرائيلي دعمًا وتأييدًا قويًا لمسألة تعزيز التدابير الأمنية. وقد حاز حزب رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو على أكبر عدد من الأصوات في انتخابات عام 2015، بفضل برنامج انتخابي يرتكز على النواحي الأمنية.

ومع ذلك فإن القرارات الحكومية - وبالأخص الحساسة منها، التي تمس الأوساط الأكاديمية - تكشف عن انقسامات بالغة داخل المنظمات العلمية. يُعَد عالِم الحاسب الآلي ديفيد هاريل، الذي يعمل أيضًا في معهد وايزمان، من أشد المنتقدين للسياسة الإسرائيلية التي تؤدي - حسب قوله - إلى إقامة دولة عنصرية تفصل بين الشعبين الفلسطيني واليهودي، وتحرم الشعب الفلسطيني من الحصول على كثير من الحقوق الأساسية.

انتقد ناشطون في مجال حقوق الإنسان كذلك بشدة سياسات الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وثارت مخاوف أيضًا بشأن طريقة تعامُل القادة الفلسطينيين مع الشعب في هذه المنطقة. فقد ذكر تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» Human Rights Watch في شهر أكتوبر الماضي أن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وحركة المقاومة الإسلامية «حماس» في غزة تسحقان المعارضة باستخدام العنف والاعتقال، مما يحدّ من حرية التعبير في تلك المناطق.

أما في إسرائيل، فقد أثارت عدة قرارات حكومية في العام الماضي موجة من الاحتجاجات من جانب العاملين في المجال الأكاديمي. تَبَنَّى وزير التعليم نفتالي بينيت قانونًا في فبراير الماضي، من شأنه إنشاء جامعة جديدة في أرئيل، وهي كبرى المستوطنات في الضفة الغربية، تحت رعاية مجلس التعليم العالي الإسرائيلي. يُعَد القانون المقترح بمثابة سابقة ليس لها مثيل، ويحمل أهمية سياسية كبيرة، إذ تقع أرئيل خارج سيادة الحدود الإسرائيلية، ويرى البعض ذلك القانون كبادرة لضَمّ تلك البلدة.

اعتبر هاريل - الذي يشغل منصب نائب رئيس أكاديمية إسرائيل للعلوم والإنسانيات - وبعض أعضاء الأكاديمية الآخرين أن تلك الخطوة أيضًا تشكل خطرًا على سلامة قطاع العلوم في إسرائيل، نظرًا إلى أنها تسببت في استياء زملائهم على المستوى الدولي. رأى هاريل أنه ينبغي على الأكاديمية إصدار بيان معارضة، لكن رئيسة الأكاديمية نيلي كوهين خالفته في الرأي. "إنه قرار سياسي من الحكومة الإسرائيلية، والأكاديمية لا تتخذ مواقف بشأن القضايا السياسية"، كما تقول، وهي محامية في جامعة تل أبيب.

ومن ثم أعدّ هاريل خطابًا عامًّا، تم توقيعه من قِبَل 51 من أصل 115 عضوًا في الأكاديمية، محذرًا فيه من أن ذلك القانون المثير للجدل قد يؤدي إلى تشديد إجراءات المقاطعة الدولية للأوساط الأكاديمية في إسرائيل، ولكن على أيّ حال تم إقرار القانون في 12 فبراير.

وفي صراع آخر نشب في الآونة الأخيرة، رفض وزير العلوم أوفير أكونيس في يوليو ترشيح عالمة الأعصاب يائيل أميتاي لعضوية اللجنة العلمية التابعة للمؤسسة الألمانية الإسرائيلية للبحث العلمي والتنمية (GIF)، التي تمنح ما يقرب من 12 مليون يورو سنويًّا لمشروعات التعاون البحثي. يقول أكونيس إنه استبعد أميتاي على خلفية توقيعها في عام 2002 عريضة تدعم فيها أعضاء هيئة التدريس وطلاب الجامعة الرافضين لأداء الخدمة العسكرية في الأراضي الفلسطينية. أثارت تلك القضية موجة من الاحتجاجات في إسرائيل وألمانيا. في إسرائيل، وقَّع أكثر من 1,300 من أعضاء هيئة التدريس على الْتِماس يحتجون فيه على أن ذلك القرار يمثل تدخلًا سياسيًّا في الشؤون العلمية، ودعوا إلى مقاطعة المؤسسة الألمانية الإسرائيلية للبحث العلمي والتنمية، إلى أن تُعيِّن أميتاي. كما استقال اثنان من أعضاء اللجنة العلمية الألمان في المؤسسة ذاتها.

وقدمت رابطة رؤساء الجامعات في إسرائيل دعوى إلى محكمة العدل العليا، من أجل تحديد ما إذا كان رفض ترشيح العالمة المذكورة من ضمن حقوق أكونيس، أم لا. وذكر أكونيس أنه فعل ذلك، ليس بسبب آراء أميتاي، بل لأن العريضة التي قدمتها كانت تشجع على "رفض الخدمة العسكرية في صفوف قوات الدفاع الإسرائيلية". وفي الحادي عشر من نوفمبر الماضي، قضت المحكمة بأنّ الدعوى المقدَّمة ضد قرار أكونيس تتضمن أسبابًا موضوعية وجيهة. وكان من المقرر أن تعقد المحكمة جلسة استماع في القضية خلال الشهر الحالي، ولا يحق لأكونيس تعيين شخص آخر، حتى يُفصَل في القضية.

لا شك أن سياسات الاحتلال تزيد من تعقيد الأمور بالنسبة إلى العلماء الفلسطينيين، لكنّ الدعم المالي المحدود، وعدم انتظامه يُعتبَران من منغصات الحياة أيضًا. يقول معتز القطب - وهو عالِم في الكيمياء، يدير مختبرًا في أحد أركان الحرم الجامعي المركزي الأنيق لجامعة القدس - إنه لا يمكنه الالتزام بأجندة بحثية واضحة، ولكنْ يتحتم عليه أن يتأقلم مع أيّ فرصة للتمويل قد تظهر من حين إلى آخر، ويكون من الممكن أن يَستخدِم فيها أجهزته ومعداته القديمة. ويناضل القطب لتشغيل مطياف الكتلة الذي يقتنيه، والذي اشتراه  بأموال منحة ألمانية، وكذلك أحواض السمك التي يستخدمها في دراسات علم السموم، لأنه لا يستطيع إيجاد تمويل لتغطية تكاليف الصيانة والإصلاح. ويُذكَر أن القطب شارك في مشروعات الاتحاد الأوروبي بشأن التنوع الحيوي في قرية من قرى التراث العالمي بالقرب من بيت لحم، كما حلل المعادن الثقيلة في إمدادات المياه المحلية، والتلوث الناجم بشكل جزئي عن اقتصاد إعادة تدوير النفايات الإلكترونية غير الرسمي الذي نشأ في الأراضي الفلسطينية. ويقول: "لسنا أحرارًا في القيام بما نريد، لكننا نأمل في بناء مستقبل أفضل".

وفوق ذلك كله، يجب على العلماء التعايش مع كثير من المضايقات الناتجة عن البيئة الفقيرة في المنطقة، ولا سيما ضعف البنية التحتية العامة، بما في ذلك الطرق التي لا تخضع للصيانة والمليئة بالحفر، التي تسهم في بطء الحركة المرورية، بصرف النظر حتى عن الطوابير الطويلة المُصطفّة على الحدود.

في العام الجديد، سوف تقل - إلى حد ما - معاناة دلال سعيد من تلك الطرق المتهالكة، حيث حصلت على تصريح يتيح لها المبيت في القدس الغربية، مما يخلِّصها من أعباء السفر اليومي. تتقدم دلال خطوة بخطوة ببطء، ولكن بخطًى ثابتة نحو تحقيق هدفها، الذي يتلخص في أن تصير "باحثة ما بعد الدكتوراة، لكي تصبح أستاذة جامعية، إنْ لم تكن في فلسطين، ففي أي مكان آخر".

أليسون أبوت كبيرة مراسلي دورية Nature للقارة الأوروبية.