أنباء وآراء

الفيزياء الكمية: إرواء عطشنا إلى العمومية

يُعَد فهم ديناميكا الأنظمة الكمية البعيدة عن الاتزان أحد أكثر القضايا الملحة في الفيزياء. وفي هذا الصدد، تمثل ثلاث تجارب مبنية على الأنظمة الذرية فائقة البرودة خطوة كبيرة إلى الأمام.

مايكل كولودروبتز
  • Published online:

على الرغم من أننا نعيش في عالَم من الحركة المنتظمة، إلا أن الفيزيائيين دأبوا على التركيز – إلى حد كبير – على الأنظمة التي توجد في حالة اتزان، أو القريبة منها. وفي العقود القليلة الماضية ازداد الاهتمام بالأنظمة التي توجد في حالة عدم اتزان. وهو اهتمام جاء مدفوعًا بالتطورات التي تأخذ ميكانيكا الكَمّ من نطاق العلوم الأساسية إلى مجال التقنيات العملية. ولذلك فإن الفيزيائيين معنيون بالإجابة عن سؤال مهم، وهو: ما هي المبادئ المُنظِّمة التي تخضع لها أنظمة الكَمّ غير المتوازنة؟ في عدد حديث من الطبعة الدولية من دورية Nature، يورد كل من بروفر وزملائه1، وآيجن وزملائه2، وإيرن وزملائه3، تجارب توفِّر إجابة جزئية عن هذا السؤال. تُبيِّن هذه الدراسات - للمرة الأولى - أن الأنظمة الذرية فائقة البرودة، البعيدة عن الاتزان تُظهِر حالة من العمومية، تصبح فيها الخصائص التجريبية القابلة للقياس مستقلة عن التفاصيل المجهرية.

يَستخدِم الباحثون غازات منخفضة الكثافة من ذرات الروبيديوم1،3، أو البوتاسيوم2، يجري تبريدها إلى درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق. وعند درجات حرارة منخفضة بما يكفي، تبدأ هذه الذرات في إبداء سلوك ميكانيكا الكَمّ، مكونةً بذلك حالة كمية عيانية تُعرف باسم «تكاثف بوز-آينشتاين». بعد أن بدأوا بمثل هذا التكاثف1،2– أو بغاز غير متكثف3 – غيِّر الباحثون المعاملات التجريبية سريعًا، في عملية تسمَّى «الإخماد». يبدو الأمر أشبه بتلك الشخصية الكرتونية التي تنظر إلى أسفل؛ لتكتشف أنها قفزت - بدون قصد - من على حافة الجُرف. وعلى غرار ما يحدث عندها، يستهل الإخماد ديناميكيّات بعيدة عن حالة الاتزان.

من السهل نسبيًّا إحداث مثل هذه الإخمادات، لكن ما يراه الباحثون بعدها هو أمر مبهر. خذ في الاعتبار جميع المتغيرات التي يمكن أن تكون مرتبطة بتجربة معينة، مثل: تذبذبات الطاقة الخاصة بأشعة الليزر، والتباين في درجة حرارة المعمل، والتفاصيل المجهرية للتفاعلات الذرية، وهلم جرًّا. وجد الباحثون أن ديناميكا تجاربهم تصبح مستقلة عن هذه المتغيرات، رغم أن هذه التجارب تتضمن تفاعلات قوية بين الذرات بعيدة عن حالة الاتزان.

حقق آيجن وزملاؤه هذه العمومية عن طريق الاستبعاد المتأنِّي لكل المتغيرات في تجربتهم، عدا متغيرين اثنين، هما كثافة الغاز الذري، وطول التشتت. يصف المصطلح الأخير أقل مسافة يمكن أن تفصل بين ذرتين مارّتين، إحداهما قرب الأخرى، من دون أن تتفاعلا فيما بينهما. تقدم الباحثون بعد ذلك خطوة أبعد من هذا، وألغوا اعتمادية طول التشتت على المتغيرات بطريقة بارعة.

أولًا، لإعداد التكاثف المبدئي، ضبط الباحثون طول التشتت عند الصفر، أي أنهم "أوقفوا" التفاعلات، وذلك باستخدام مجال مغناطيسي4 وثانيًا، أخمد الباحثون طول التشتت إلى اللانهاية، باستخدام المجال المغناطيسي أيضًا. وإذا أخذنا في الاعتبار رفع كثافة الغاز بمُعامل قدره 8، على سبيل المثال، فإن المسافة بين الذرات ستنقص بمُعامل قدره 2. وبتكبير الصورة (إعادة تحديد المقاييس) بهذا المُعامل الذي يبلغ 2، سيبدو النظام الذري كحالته التي كان عليها بالضبط قبل زيادة الكثافة، لأن طولَي التشتت عند الصفر واللانهاية يبقيان دون تغيير.

غيِّر آيجن وزملاؤه كثافة الغاز بمُعامل قدره 10 تقريبًا، ولاحظوا أن الديناميات التجريبية تكون مستقلة عن الكثافة بعد إعادة تحديد مقاييس كل من المكان، والزمان. كما ضبطوا أيضًا درجة حرارة الغاز، وأثبتوا أن العمومية تبقى على حالها عند أخذ متغير واحد آخر في الاعتبار، وهو تحديدًا مقياس الطول الذي يسلك الغاز عنده سلوك ميكانيكا الكَمّ.

من جانبهم كشف بروفر وزملاؤه، وإيرن وزملاؤه، النقاب عن صورة مختلفة من العمومية. ففي ظاهر الأمر، تبدو تجربتا هذين الفريقين مختلفة اختلافًا كبيرًا فيما بينهما. فقد بدأ إيرن وزملاؤه بغاز ثلاثي الأبعاد، وأجروا الإخماد إلى بُعد واحد، وراقبوا كثافة الغاز كدالة للموضع والزمن. أما بروفر وزملاؤه، فعملوا في بُعْد واحد من أول التجربة إلى آخرها، واستطلعوا الحالات الداخلية (الدورانات المغزلية) للذرات، وأحدثوا إخمادًا يسمح لهذه الدورانات المغزلية بأن تتذبذب، ولكنْ بعد وقت قصير، رصد كلا الفريقين حدوث العمومية، التي يزعم الفريقان أنها نتجت عن ظاهرة تُعرف باسم "النقطة الثابتة غير الحرارية".

وبالنسبة إلى النظم التي توجد في حالة اتزان، يعود مفهوم النقطة الثابتة إلى واحد من أعظم الاكتشافات في فيزياء القرن العشرين، وهو اكتشاف يُعرف باسم "زمرة إعادة التطبيع" Renormalization group. يدرِس هذا الإطار العلمي كيف يتطور نظام معين بتصغيرنا للصورة من المقياس المجهري إلى المقياس العياني، ويصف بشكل ناجح ظهور أطوار رئيسة للمادة، كالمغناطيسية. والنقاط الثابتة هي حالات لنظامٍ ما تبقى بدون تغيُّر عند تصغير الصورة. وتنشأ النقاط الثابتة غير الحرارية عندما تقترب الأنظمة غير المتزنة من مثل هذه الحالة، ويلعب مرور الوقت دور تصغير الصورة5.

أحد الأمثلة الكلاسيكية للنقطة الثابتة غير الحرارية هو الاضطراب الموجي، الذي تنتقل فيه طاقة الموجات من المقاييس الكبيرة إلى المقاييس الصغيرة. ويوضح بروفر وزملاؤه، وإيرن وزملاؤه، أول مثالين للعمومية التي تُسَبِّبها النقاط الثابتة غير الحرارية في الأنظمة التي تسودها ميكانيكا الكَمّ. ومثلما فعل آيجن وزملاؤه، يثبت الفريقان أن النتائج التي توصلا إليها نتائج مُحْكمة، وذلك عن طريق إحداث تنوع واسع في الظروف الأولية لتجاربهما، ومن ثم ملاحظة أن الديناميات تبقى فعليًّا دون تغيير.

ورغم أن بروفر وزملاءه، وإيرن وزملاءه استخدموا إخمادات مختلفة، وقاسوا خصائص مختلفة، فإن نتائجهم جميعًا متشابهة بدرجة ملحوظة. ربما يوفر هذا التشابه أفضل دليل على وجود العمومية في هذه الأنظمة الذرية. وعلى المستوى التقني، تختلف تجربتا الفريقين في أُسُسها الحرجة (الأرقام التي تصف خصائص النقاط الثابتة)، وهو ما يدل على أن النقطتين الثابتتين مختلفتان.

توفر هذه الدراسات الثلاث مجتمعة خطوة تقدمية معتبرة فيما يتعلق بفهمنا للأنظمة الكمية البعيدة عن حالة الاتزان، غير أن الصورة الكاملة للعمومية الكامنة ما تزال بحاجة إلى التحقق منها. وأحد التحفظات الملحوظة على كل هذه التجارب هو أن العمومية تحدث على نطاق محدود من حيث الزمن، والطول. ويُحتمل أن تكون الأزمنة الأطول - على وجه التحديد - مطلوبة لتحقيق حالات ثابتة من عدم الاتزان، يمكن أن تفيد في التطبيقات العملية. وبالقياس إلى بالاضطراب الموجي، ربما يكون ضخ الطاقة بشكل مستمر إلى الأنظمة أحد الاحتمالات التي يمكن من خلالها توسيع مدى العمومية؛ فمِن الموثَّق علميًّا أن العمومية تكون – على أحسن الفروض – ذات طبيعة عابرة في غياب محرك خارجي.

ومِن منظور أساسي، تمهِّد هذه التجارب الطريق نحو البحث عن إجابات لمجموعة واسعة من الأسئلة النظرية والتجريبية التي تتعلق بالعمومية تحت ظروف عدم الاتزان. وعلى سبيل المثال.. ما هي الفئات المحتمَلة للنقاط الثابتة غير الحرارية؟ ماذا يحدث عند نطاقات الطاقة المفرطة في الارتفاع، أو المفرطة في الانخفاض، التي تنهار عندها العمومية؟ وتحت أي ظروف تنشأ العمومية في الأنظمة العامة المُخمَدة؟ تمثل الإجابة عن هذه الأسئلة تحديًا صعبًا، ولكنني – عن نفسي – آمُل أن تفتح هذه التجارب الباب أمام إمكانية وضع الأنظمة الكمية غير المتوازنة جنبًا إلى جنب مع الأنظمة المتوازنة في معجم الفيزياء الحديثة.

References

  1. Prüfer, M. et al. Nature563, 217–220 (2018). | article
  2. Eigen, C. et al. Nature563, 221–224 (2018). | article
  3. Erne, S., Bücker, R., Gasenzer, T., Berges, J. & Schmiedmayer, J. Nature563, 225–229 (2018). | article
  4. Chin, C., Grimm, R., Julienne, P. & Tiesinga, E. Rev. Mod. Phys. 82, 1225–1286 (2010). | article
  5. Orioli, A. P., Boguslavski, K. & Berges, J. Phys. Rev. D 92, 025041 (2015). | article

يعمل مايكل كولودروبتز في قسم الفيزياء بجامعة تكساس في دالاس، تكساس 75080، الولايات المتحدة.

البريد الإلكتروني: mkolodru@utdallas.edu