افتتاحيات

الخطوات الأولى

تتم في الوقت الحالي مساعدة الأشخاص الذين يعانون من الشلل، نتيجة إصابات بالحبل الشوكي؛ ليتمكنوا من المشي مجددًا.

  • Published online:

منذ زمن ليس ببعيد، كان الأمل بعيد المنال في أن يتمكن شخص مصاب بالشلل لعدة أعوام - بسبب إصابة بالغة في الحبل الشوكي - من استعادة القدرة على المشي مرة أخرى، غير أن التطورات الأخيرة قرَّبَتْ هذه الآمال من الواقع.

 وصف الباحثون في عدد الأول من نوفمبر من دورية Nature علاجًا مَكَّن ثلاثة رجال يعانون من إصابات في الحبل الشوكي من المشي (F. B. Wagner et al. Nature 563, 65–71; 2018) - وهو مزيج من التحفيز الكهربائي للحبل الشوكي، والعلاج الطبيعي. ولم يحدث ذلك تحت الظروف المعملية المحكمة فحسب، بل إنهم تمكنوا من السير في الهواء الطلق مرة أخرى.

إنّ هذا التطور غير عادي، وقد تكون له تداعيات على مئات الآلاف من الأشخاص في جميع أنحاء العالم. وهو كذلك نتيجة لعقود من البحث العلمي متعدد التخصصات، الذي بنى قاعدة أدلة من التجارب على الحيوانات بصورة مطردة - مع مواجهة العلماء المشاركين في بعض الأحيان لانتقادات، بسبب القيام بتلك التجارب - وجلب هذا العمل بحرص إلى العيادات.

لطالما سعى العلماء لاتباع استراتيجيات متنوعة لإصلاح وإعادة تنشيط الحبل الشوكي بعد الإصابة. وقد لُوحظ أن الكثير من النُّهُج فعال بشكل ملحوظ في تجديد واستعادة العافية من الناحية الوظيفية في الفئران والحيوانات الأخرى، غير أنه فشل في أن ينتقل إلى العلاجات البشرية. وكان التقدم المتحقق في الدراسة الحالية يتمثل في أنه بدلًا من إيصال تيار كهربائي ثابت، كما كانت التجارب تتم سابقًا، طبَّق الباحثون أنماطًا من التحفيز، تم حسابها من أجل تنشيط المجموعات الصحيحة من عضلات الساق في الوقت السليم في أثناء الخطو. وعلى هذا النحو، يمكن استهداف مواضع محددة من الحبل الشوكي؛ لتنشيط العضلات بطريقة متناسقة. ولم يُتِح بروتوكول التحفيز النمطي هذا الاستعادة غير المسبوقة للقدرة على المشي فحسب، ولكنه مَكَّن الأفراد كذلك من استعادة السيطرة على العضلات المصابة بالشلل في السابق، عندما تم إيقاف التحفيز الكهربائي. وهذا يشير إلى أن الدماغ والحبل الشوكي أعادا إنشاء الوصلات الوظيفية؛ مما يكشف عن درجة غير متوقَّعة من اللدونة.

في ضوء مثل هذا التقدم، تبدو التوقعات لما كان يُعَد طويلًا حالة غير قابلة للشفاء أكثر إشراقًا بصورة كبيرة، ولكنْ هناك الكثير من العمل يتعين إنجازه، فإصابات الحبل الشوكي تتفاوت بصورة هائلة من حيث مواضعها، وحِدّتها، ونتائجها؛ وسوف يتطلب الأمر عددًا أكبر بكثير من الدراسات لفَهْم مَن سيستفيد مِن تلك التكنولوجيا. إن البحث الجاري يثبت صحة المفهوم في عدد صغير من المشاركين ممن كان لا يزال لديهم مجموعة من وظائف الساق عند بداية الدراسة. ويكمن أحد التحديات الكبرى في فهم ما الذي يحدد التعافي الناجح، فعلى سبيل المثال، قد يكون أحد مصادر التغير هو كمّ المعلومات الحسية الذي يمكن أن يستمر الحبل الشوكي المتضرر في نقله إلى الدماغ.

وفي دراسة ذات صلة، نُشرت في الأسبوع الأول من نوفبر بدورية «نيتشر نيورو ساينس» Nature Neuroscience، بَيَّن الفريق نفسه أن التحفيز المستمر (الذي يكون كافيًا لاستعادة الحركة في القوارض) يكون أقل فعالية في البشر، لأنه يتداخل مع نقل إشارات التغذية الراجعة الحسية فيما يخص حركة الفرد ووضع الجسم إلى الدماغ (E. Formento et al. Nature Neurosci. https://doi.org/10.1038/s41593-018-0262-6; 2018). وهذا سبب آخر يجعل من الممكن أن يكون التحفير النمطي الوقتيّ أكثر فعالية، وأنه يمكن أن يكون عاملًا أساسيًّا أدى إلى نجاح العلاج للمشاركين الثلاثة في الدراسة المنشورة بدورية Nature. ومع ذلك، قد يتضح أن وسائل التحفيز المختلفة تكون أكثر أو أقل فائدة لأشخاص مختلفين.

ومن الأهمية كذلك أن نهدئ من الحماس المثار حول قصة النجاح هذه، عن طريق التحلي بالحذر فيما يخص إمكانية الحصول على علاج. فوِفْق ما وَرَد عن منظمة الصحة العالمية، يتأثر من 250 ألف إلى 500 ألف شخص حول العالم بإحدى الإصابات في الحبل الشوكي كل عام؛ وتكون غالبيتها من جرّاء حوادث الطريق، أو السقطات، أو العنف. إنّ تحفيز الحبل الشوكي إجراء طبي معقد ومكلف، ويبدو كذلك أن التعافي يتطلب عملية إعادة تأهيل مكثفة، ولن يكون متوفرًا للجميع؛ على الأقل في أي وقت قريب، غير أنها خطوة أولى.