أخبار

التعلُّم العميق يرصد الانتخاب الطبيعي أثناء حدوثه

العلماء يستعينون بالذكاء الاصطناعي في البحث عن التسلسلات الجينية التي شكَّلها التطور.

إيمي ماكسمِن

  • Published online:
أجزاء من الحمض النووي جرى فصْلها لأغراض التحليل.

أجزاء من الحمض النووي جرى فصْلها لأغراض التحليل.

Guy Tear/Wellcome Coll./CC BY

إن تحديد موضع تطور الجينوم البشري وكيفيته إنما هو بمثابة البحث عن إبرة في كومة من القش. يحتوي جينوم كل إنسان على ثلاثة مليارات وحدة بناء تسمَّى نيوكليوتيدات، ويتعين على العلماء جمع البيانات من آلاف الأشخاص؛ لاكتشاف الأنماط الدالة على كيفية تشكُّل الجينات بفعل الضغوط التطورية.

وفي مسعاهم لإيجاد تلك الأنماط، يتجه عدد متزايد من علماء الوراثة إلى شكلٍ مِن تعلُّم الآلة يسمَّى «التعلُّم العميق». يذهب أنصار هذا النهج إلى أن خوارزميات التعلم العميق تضم عددًا أقل من الافتراضات الصريحة بشأن ما ينبغي أن تبدو عليه البصمات الوراثية للانتخاب الطبيعي، مقارنةً بالأساليب الإحصائية التقليدية.

وفي هذا الصدد، علَّق أندرو كيرن - عالِم وراثيات المجموعات السكانية في جامعة أوريجون بمدينة يوجين - قائلًا: "يتولى تعلُّم الآلة تحويل القدرة على إجراء استدلالات تطورية إلى عملية آلية، ما يدفع - بلا شك - العجلة البحثية قدمًا".

حددت أداة للتعلم العميق تسمَّى «ديب سويب» DeepSweep، كان قد طوَّرها باحثون في معهد «برود»، التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة هارفارد في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، 20 ألف نيوكليوتيد مفرد؛ من أجل إخضاعهم لمزيد من الدراسة. وعلى هامش اللقاء السنوي للجمعية الأمريكية لعلم الوراثة البشرية، الذي انعقد في سان دييجو بكاليفورنيا في شهر أكتوبر، ذكر باحثون أن تلك الطفرات البسيطة ربما تكون قد ساعدت البشر على النجاة من الأمراض، أو من موجات الجفاف، أو مما سماه تشارلز داروين "الظروف الحياتية".

وضع علماء الوراثة - منذ سبعينيات القرن الماضي - نماذج رياضية؛ لتوصيف بصمة الانتخاب الطبيعي للحمض النووي. وفي حال ظهور طفرة مكَّنَت الشخص من البقاء والتكاثر بصورة أفضل من أقرانه، سوف تزداد بمرور الزمن نسبة السكان الحاملين لذلك المتغير الجيني.

ومن الأمثلة على ذلك، تلك الطفرة التي تَمنح كثيرًا من البالغين القدرة على تناول حليب البقر، إذ تمكِّن الجسم من إنتاج اللاكتيز، وهو إنزيم يعمل على هضم السكر الموجود في الحليب، إلى ما بعد سن البلوغ. ومن خلال تحليل الجينومات البشرية باستخدام أساليب إحصائية، اكتشف الباحثون أن الطفرة انتشرت سريعًا في أنحاء أوروبا قبل آلاف السنين، ويُفتَرض أن سبب ذلك يكمن في كون العناصر الغذائية في حليب البقر قد ساعدت البشر على إنجاب أطفال أصحاء1. ونجد اليوم أن ما يقرب من 80 في المائة من الأشخاص ذوي الأصول الأوروبية يحملون هذا المتغير الجيني.

ومع ذلك، عانى علماء الوراثة في تحديد قصاصات أخرى محددة من الجينوم انتشرت عبر المجموعات السكانية، والتحقق منها، نظرًا إلى ما منحتهم إياه من ميزة تكيفية. وهذا النوع من المهام هو ما يتفوق فيه التعلم العميق: اكتشاف الأنماط الخفية في كميات كبيرة من البيانات.

غير أن عقبة غير متوقعة قد ظهرت؛ فغالبًا ما تتعلم خوارزميات التعلم العميق تصنيف المعلومات بعد إخضاعها للتدريب، من خلال تعرُّضها لبيانات حقيقية، فموقع «فيسبوك»، مثلًا، يجهز الخوارزميات للتعرف على الوجوه باستخدام صور سبق أن صَنَّفها الناس من قبل. وحيث إن علماء الوراثة لم يتمكنوا بعد من تحديد أيّ من أجزاء الجينوم تتشكل بفعل الانتخاب الطبيعي، فيتعين عليهم تدريب خوارزمياتهم على بيانات محاكاة.

ولإنتاج تلك البيانات المحاكاة، يجب على الباحثين تخيُّل الشكل الذي تبدو عليه بصمة الانتخاب الطبيعي، حسبما أشارت سوهيني راماشاندران، عالمة وراثيات المجموعات السكانية بجامعة براون في بروفيدنس بولاية رود آيلاند. وهي تضيف قائلة: "لا نملك بيانات تجريبية واقعية. ولذا، فإن القلق يكمن في كوننا ربما لا نُجْرِي محاكاة صحيحة".

وحيث إنّ خوارزميات التعلم العميق تشبه في عملها الصناديق السوداء، فمن الصعب معرفة المعايير التي تستخدمها لتحديد الأنماط القائمة في البيانات، حسب قول فيليب ميسر، عالِم وراثيات المجموعات السكانية في جامعة كورنيل بمدينة إيثاكا في نيويورك. ويضيف: "لو كانت المحاكاة خاطئة، فلن يكون واضحًا ما تعنيه الاستجابة المترتبة عليها".

هذا، ويحاول الباحثون الذين يستخدمون خوارزميات التعلم العميق التسلل إلى ذلك الصندوق الأسود؛ للكشف عن خباياه. وقد أَقدَم مخترعو «ديب سويب» على تدريب الخوارزمية على بصمات الانتخاب الطبيعي التي أدخلوها إلى الجينومات المحاكاة. وعند تجريبها على جينومات حقيقية، أشارت الخوارزمية إلى الطفرات التي تمكِّن البالغين من تناول الحليب، وهو ما دعَّم ثقة الفريق في الأداة، حسب تعبير جوزيف فيتي، عالِم الوراثة الحاسوبية في معهد «برود»، وأحد المساعدين في تطوير «ديب سويب».

انتقل الباحثون بعدها إلى الفحص الدقيق للبيانات المستقاة من مشروع الألف جينوم (1000 Genomes Project) - وهي مبادرة لوضع تسلسل الحمض النووي لعدد 2,504 أشخاص حول العالم - مستعينين بأسلوب إحصائي، وذلك في محاولة لتحديد المناطق التي ربما تشهد ضغوطًا تطورية. وعند دراسة «ديب سويب» لتلك المناطق بمزيد من التمعن؛ أنتجت قائمة من 20 ألف طفرة مفردة، يلزم استكشافها.

ومن المقرر أن يبحث فيتي وزملاؤه - خلال الأشهر المقبلة - ما تقوم به تلك الطفرات، وذلك بتحريرها في الحمض النووي لخلايا حية، من أجل مقارنة ما يحدث عند وجود تلك الطفرات بما يحدث عند غيابها.

ويقوم العديد من الباحثين الآخرين حاليًّا بتدريب خوارزميات التعلم العميق على البحث عن إشارات دالة على التكيف في الجينومات. ويشير نموذج للتعلم العميق، كان قد طوره كيرن، إلى أن أغلب الطفرات التي تحدث في البشر لا تكون في بدايتها نافعة، ولا ضارة2، بل تسري فيما يبدو في المجموعات السكانية، مما يزيد من التفاوت الجيني الطبيعي، ولا تصبح أكثر تواترًا، إلا مع حدوث تغيُّر في البيئة، يمنح أصحاب طفرة معينة ميزة تطورية.

في فبراير الماضي، استعرضت3 راماشاندران وزملاؤها خوارزمية، كانوا قد ابتكروها للتعلم العميق، أطلقوا عليها اسم SWIF(r). وحينما طبّقوها على جينومات 45 عضوًا من أعضاء المجموعة العرقية «خوماني سان» في أفريقيا الجنوبية، أبرزت الخوارزمية متغايرات قرب الجينات المرتبطة بعملية الاستقلاب. ويفترض الباحثون أن تلك التغيرات ربما طرأت قبل آلاف السنين، وساعدت أعضاء تلك المجموعة على تخزين الدهون في أوقات شح الطعام.

ولا تزال هناك حاجة إلى اختبار تأثيرات الطفرات، وإنْ كان المرشحون الذين أبرزتهم خوارزمية SWIF(r) يمنحون العلماء نقطة ينطلقون منها في أبحاثهم، تمامًا مثل ما حققته المتغايرات التي رصدتها أداة «ديب سويب».

ومن جانبها، تقول بارديس سابيتي، عالمة الوراثيات الحاسوبية في معهد «برود»، والمشرفة على بحوث الدكتوراة الخاصة بفيتي: "إنها طرق ذات فاعلية مدهشة في البحث عن الإشارات الدالة على الانتخاب الطبيعي. وحين بدأتُ عملي، لم يكن البعض يعتقد أن بإمكانك تحديد المتغايرات، بل إن البعض رأى ذلك مستحيلًا".

References

  1. Itan, Y. et al. PLoS Comput. Biol. 5, e1000491 (2009). | article
  2. Schrider, D. R. & Kern, A. D. Mol. Biol. Evol. 34, 1863–1877 (2017). | article
  3. Sugden, L. A. et al. Nature Commun. 9, 703 (2018). | article