تحقيق إخباري

سعادة مختلطة بالحزن

يعكف الباحثون على ابتكار أساور للمعصم، وهواتف نقالة؛ للتنبؤ بالحالة المزاجية، بل وحتى للتحذير من خطر الانتحار، لكن القلق يساورهم بشأن احتمال أن تؤدي تقنية تتبُّع المشاعر إلى حدوث مشكلات.

مات كابلان

  • Published online:

ILLUSTRATION BY LEANDRO CASTELAO

في شتاء عام 1994، كان شاب في أوائل العشرينات من عمره، يُدعى تيم، نزيلًا بأحد مستشفيات الطب النفسي في لندن. وعلى الرغم من سلوكه الذي يتسم بالسعادة والحيوية، كان تيم يعاني اضطرابًا ثنائي القطب، ولم يكن قد مضى وقت طويل على محاولته الانتحار. خلال إقامة تيم بالمستشفى، توطدت علاقته بطالب جامعي زائر من الولايات المتحدة، يدرس علم النفس، يُدعى مات. وسرعان ما جمع بين الشابين شغفهما المشترك لموسيقى "الهيب هوب"، التي ظهرت في أوائل التسعينيات من القرن الماضي. وقُبيل مغادرة تيم المستشفى، فاجأ صديقه مات بصورة، كان قد رسمها له. كان لذلك الموقف أثر بالغ في نفس مات، ولكنْ بعد عودته بتلك الصورة إلى الولايات المتحدة، علم أن تيم قد أنهى حياته بالقفز من فوق أحد الجسور.

يدرس ماثيو نوك حاليًّا سيكولوجية إيذاء النفس بجامعة هارفارد في كامبريدج بولاية ماساتشوستس. وحتى بالرغم من انقضاء أكثر من عقدين من الزمن على الوقت الذي قضاه مع تيم، لا تزال الصورة معلّقة في مكتبه، كتذكِرة دائمة بالحاجة إلى ابتكار وسيلة للتنبؤ بالوقت الذي يُرجَّح فيه أن يُقدِم أحدهم على قتل نفسه. ثمة الكثير من عوامل الخطر المعروفة التي تؤدي إلى الانتحار، منها الإفراط في تناول المشروبات الكحولية، والاكتئاب، وكون الشخص ذكرًا، لكنْ لا يوجد من بين تلك العوامل ما يمكن اعتباره إشارات أو دلائل تشي بالأفكار أو النوايا الانتحارية الوشيكة. ويعتقد نوك أنه يقترب من إيجاد حل لتلك المعضلة.

منذ يناير 2016، ظل نوك يستخدم أساور للمعصم، وأحد تطبيقات الهاتف؛ لدراسة سلوك المرضى ذوي الميول الانتحارية، الذين وافقوا على الانضمام إلى الدراسة، في مستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن. كما يجري نوك هذا العام تجربة مماثلة في مستشفى الفرنسيسكان للأطفال القريب. يقول نوك إنه حتى الآن، رغم أن النتائج التي توصل إليها لم تُنشَر بعد، تبدو هذه التقنية قادرة على التنبؤ بأحداث يوم واحد مسبقًا، وبدقة معقولة، عندما يُبلِغ المشاركون عن تفكيرهم في قتل أنفسهم.

إنّ التجربة التي يجريها نوك تُعَد من بين الجهود الرامية إلى الاستفادة من علم التنبؤ بالحالة المزاجية، الآخِذ في الازدهار، وتعتمد فكرته على أنه من خلال التسجيل المستمر للبيانات الواردة من أجهزة الاستشعار التي يمكن للأشخاص ارتداؤها، ومن الهواتف النقالة، لن يصبح تتبع علامات المرض العقلي وربما التعرف عليه لدى شخص ما ممكنان فحسب، بل سيمكن أيضًا التنبؤ بالتوقيت الذي توشك عنده سعادته على التراجع. يتعاون نوك مع روزاليند بيكارد، وهي مهندسة كهربائية، وعالمة كمبيوتر بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في كامبريدج. تقود بيكارد فريقًا تتبَّع مئات من الطلاب الجامعيين في جامعات نيو إنجلاند باستخدام الهواتف وأساور المعصم. وتشير الباحثة إلى تمكُّنها من التنبؤ بنوبات الحزن التي أصابت هؤلاء الطلاب قبل حدوث تلك الأعراض بيوم كامل.

أثارت التلميحات التي تُفيد بأنه قد يمكن تتبُّع الضعف الوجداني وشيك الحدوث اهتمامًا تجاريًّا قويًّا. وترصد شركة «مايندسترونج هيلث» Mindstrong Health - التي تقع في بالو ألتو بولاية كاليفورنيا، والتي جمعت 29 مليون دولار في صورة رأسمال استثماري - الكيفية التي يستخدم بها الأشخاص هواتفهم النقالة، عندما ينقرون عليها بأصابعهم، أو يكتبون من خلالها، أو يتصفحون المواد والمواقع، بهدف تتبُّع التغيرات التي تطرأ على الوظائف العصبية الإدراكية. يقول بول داجوم، وهو طبيب، وعالِم كمبيوتر، ومؤسس شركة «مايندسترونج هيلث»، إن البيانات الناتجة عن التفاعلات التي تجري بين الشخص وشاشة هاتفه النقال يمكن أن تحدد نوبات الاكتئاب وشيكة الحدوث، على الرغم من أن هذا العمل البحثي لم يُنشر بعد. وتعكف شركات أخرى حاليًّا كذلك على دراسة استخدام عملية "التنميط الرقمي الظاهري" هذه؛ للتعرف على أعراض المرض العقلي. ومن بين تلك الشركات: «فيريلي» Verily، وهي شركة متخصصة في علوم الحياة، تملكها شركة «ألفابِت»، الشركة الأم لـ«جوجل».

في هذه المرحلة، لم يتضح بعد مدى موثوقية تقنية التنبؤ بالحالة المزاجية. فلم يُنشر سوى القليل من النتائج. وتقول الفرق البحثية التي أصدرت نتائج إنها لم تبلغ سوى معدل متوسط – وليس فائقًا - من الدقة فيما يتعلق بالتنبؤ بالحالات المزاجية، لكن بيكارد واثقة من أن الفكرة سوف تصمد. تقول بيكارد: "لقد عانيتُ من الاكتئاب في وقت مبكر من حياتي المهنية، ولا أريد أن أعود إلى تلك الحالة مرة أخرى". وتردف قائلة: "إنني على يقين من أنه من خلال رصد سلوكياتي باستخدام هاتفي، يمكنني أن أقلل من احتمال عودتي إلى ذلك الوضع الرهيب".

هذا، لكنّ الباحثين، ومنهم بيكارد، تنتابهم الهواجس بشأن المثالب المحتملة لابتكاراتهم. فهُم يخشون أن يكون العلماء والأطباء الإكلينيكيون لم يعطوا أمر كيفية توعية المستخدمين بأنّ ثمة انتكاسة شعورية وشيكة الحدوث، حقه في التفكير. ثمة تساؤلات أيضًا حول ما إذا كانت تلك التحذيرات قد تسبب أضرار، أم لا. ويتساءل البعض عن احتمال أن تَستخدِم المؤسسات أو شركات التأمين هذه التقنية؛ بهدف تتبع مشكلات الصحة النفسية والعقلية التي قد تصيب موظفيها أو عملائها في المستقبل. يقول داجوم: "ما يقضّ مضجعي هو إمكانية إساءة استخدام هذه التقنية".

التنبؤ بالاكتئاب

دخلت بيكارد مجال البحوث التي تُجرى حول التنبؤ بالحالة المزاجية بطريق غير مباشر. فقَبْل عقد من الزمن، أوضحت بيكارد أنه كان من الممكن استخدام أساور المعصم؛ لرصد النوبات التي تصيب شخصًا ما، أحيانًا قبل حدوث التشنجات التي تهز الجسم بدقائق، عن طريق تتبُّع التوصيل الكهربائي على جلد ذلك الشخص. وفي عام 2013، شاركت بيكارد في تأسيس شركة «إمباتيكا» Empatica، وهي شركة تقع في كامبريدج، وتبيع أجهزة الاستشعار، بما في ذلك ساعة ذكية حظيت بموافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لرصد علامات حدوث النوبات، وإصدار تنبيهات لمقدمي الرعاية.

أثناء عمل بيكارد مع طالبة الدكتوراة لديها في ذلك الوقت، أكين سانو، التي تعمل حاليًّا بجامعة رايس في هيوستن بولاية تكساس، رأت الباحثة إمكانية لابتكار تطبيقات أوسع نطاقًا. افترضت بيكارد وسانو أنه قد يمكن الجمع بين البيانات الواردة من أجهزة الاستشعار التي يرتديها الأشخاص على معاصمهم، وتلك التي يكون مصدرها الهواتف النقالة؛ وذلك لرصد حالات الإجهاد، والنوم، والنشاط، والتفاعلات الاجتماعية؛ بهدف التنبؤ بالصحة النفسية، والذهنية، والسلامة بوجه عام.

تعاونت سانو وبيكارد مع فريق في كلية الطب بجامعة هارفارد؛ لتصميم دراسة تتولى تتبُّع طلاب الجامعات بصفة يومية. أجرى الفريق منذ عام 2013 دراسة على 300 طالب، بواقع 50 طالبًا في كل فصل دراسي، لمدة 30 يومًا في المرة الواحدة، وذلك عن طريق إعطاء هؤلاء الطلاب أجهزة شبيهة بالساعات؛ لارتدائها. تقيس تلك الأجهزة حركات الطلاب، وتدوِّن كمية الضوء التي يتعرضون لها، وتقيس درجة حرارة أجسامهم، وتسجل التوصيل الكهربائي لجلودهم. ابتكرت سانو وبيكارد أيضًا برامج يجري تثبيتها على هواتف المشاركين، وتسجل البيانات المتعلقة بمكالماتهم الهاتفية، ورسائلهم النصية، وأماكن وجودهم، ومعدل استخدامهم لشبكة الإنترنت، والفترة التي يقضونها في استخدام أجهزتهم وتفاعلاتهم الاجتماعية. وقد سجّل الفريق أيضًا جانبًا كبيرًا من نشاطهم المتعلق باستخدام البريد الإلكتروني. وقام الطلاب بتعبئة استبيانات مرتين يوميًّا، تتناول أنشطتهم الأكاديمية، وغير المدرسية، وتدريباتهم الرياضية. كما وصف الطلاب المشاركون مدى جودة نومهم، وحالاتهم المزاجية والصحية، ومستويات التوتر لديهم، وتفاعلاتهم الاجتماعية، وعدد المشروبات التي تحتوي على الكافيين، والمشروبات الكحولية التي كانوا يتناولونها. وإضافة إلى ذلك، سجَّل الطلاب نتائج اختباراتهم، وملأوا استبيانات مستفيضة في بداية ونهاية الدراسات البحثية، التي استمرت الواحدة منها مدة 30 يومًا.

وبحلول عام 2017، كان الفريق قد أعلن1،2عن إعداد خوارزمية؛ بهدف استقاء المعلومات من تلك الاستبيانات، وتقييم أهمية المئات من القياسات. يستطيع النظام أن يتنبأ بدقة بمشاعر السعادة، والسكينة، والحالة الصحية للطلاب قبل وقتها بيوم واحد، على حد قول فريق بيكارد. وفي هذه التجربة، كان يتعين رصد الافراد لمدة 7 أيام؛ وذلك لبلوغ مستويات من دقة التنبؤ تُقدَّر بحوالي 80%. يشير تحليل بيكارد إلى عدم قدرة أساور المعصم والهواتف النقالة على التنبؤ بالتغيرات الطفيفة في الحالة المزاجية. أمّا في حالة حدوث تغيرات كبيرة في الحالة الشعورية للمرء، فتصبح التنبؤات أكثر دقة ومصداقية. بعض المؤشرات يمكن تفسيره بسهولة، فمثلًا، قد توحي كثرة الحركة قبل النوم بحالة من الانفعال، ولكنّ التفاصيل ليست مفهومة دائمًا. على سبيل المثال، ربما تسهم التفاعلات الاجتماعية في تخفيف مستويات التوتر، وهو الأمر الذي يمكن أن ينعكس على التوصيل الكهربائي للجلد، ولكن ليس واضحًا ما إذا كان الوصول إلى مستويات الذروة من توصيل الجلد لمرات كثيرة في اليوم نفسه هو أمر جيد، أم سيئ، لأن ذلك التوصيل يزداد عندما يكون الناس بصدد حل مشكلة معينة، وعندما يكونون تحت ضغط، على حد سواء.

إن مجرد تفسير الحالة المزاجية لشخص ما باستخدام مثل هذه المؤشرات يُعَد إنجازًا كبيرًا، على حد قول عالِم الكمبيوتر لويس فيليب مورينسي، الذي يعمل بجامعة كارنيجي ميلون في بيتسبرج بولاية بنسلفانيا، والذي يَعتقِد أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يمكنها أن تلعب دورًا في عمليات تقييم الصحة العقلية، لكنّ مورينسي يتوخى الحذر بشأن قدرة تلك التقنية على التنبؤ بالحالة المزاجية. ويقول: "بما أن حالتك المزاجية غدًا تكون غالبًا مشابِهة لحالتك المزاجية اليوم، فإننا بحاجة إلى مزيد من الأبحاث؛ كي نتمكن من الفصل بوضوح بين هاتين الظاهرتين. ومن المحتمل أن تقنيات التنبؤ الحالية تتنبأ في الأغلب بالشعور الممتد من يوم إلى اليوم الذي يليه".

تَعتقِد بيكارد أن التحسينات سوف تتحقق يومًا ما، وتقول: "نحن في طليعة مَن يقولون إن هذا الأمر قابل للحدوث بحقٍّ، ونقدِّم البيانات التي تدعم هذا الزعم. ولسوف تزداد المصداقية أكثر وأكثر مع التوصل إلى المزيد من البيانات". فقد جعلت بيكارد الخوارزميات التي ابتكرتها مفتوحة المصدر، بحيث يمكن للأشخاص الآخرين المتاح لهم الوصول إلى هذه التقنية محاولة تكرار عملها.

يقول جوناثان جراتش، وهو عالِم نفس بمعهد التقنيات الابتكارية بجامعة جنوب كاليفورنيا في بلايا فيستا: "بيكارد في طريقها للتوصل إلى شيء ما، وسِجِلّها الحافل بالشفافية فيما يتعلق بخوارزمياتها، ونماذجها، ومجموعات البيانات الخاصة بها، يجعلني أكثر ثقة في إمكانية حدوث ذلك. إنّ الناس لا يسمحون بسهولة لغيرهم أن يعيدوا تكرار أعمالهم البحثية، عندما لا يكونون متأكدين من النتائج التي توصلوا إليها".

انبثقت التجربة التي يجريها نوك حول الأفكار الانتحارية عن تعاوُنٍ بحثي بينه وبين بيكارد. راقب نوك حتى الآن 192 شخصًا، مستخدِمًا - في الأساس - أساور المعصم، وكذلك بسؤال الأشخاص عن مشاعرهم، عبر تطبيق على الهاتف، أو عن طريق مقابلة شخصية. وحتى الآن، أعدَّ نوك أجهزة لا تتعامل مع بيانات فرد بعينه، وإنما تتعامل مع بيانات مجموعة بأكملها من المشاركين، ويقول إنه قد توصّل إلى بضعة دلائل قابلة للقياس، يمكنها التنبؤ بأفكار انتحارية لاحقة، وذلك بمستوى دقة يصل إلى 75%. ويرى أن من بين أهم تلك العوامل: كثرة الحركة في المساء، وهو الأمر الذي ربما يدل على التململ أو الاهتياج في الليل، ويصحب ذلك الشعور ارتفاع مفاجئ في التوصيل الكهربائي للجلد، وارتفاع معدل ضربات القلب، لكنّ نوك رفض إعطاء مزيد من التفاصيل، لأن ورقته البحثية لا تزال قيد المراجعة في إحدى الدوريات العلمية.

الانتقال إلى السوق

إنّ الشركات التجارية أقل رغبةً واستعدادًا من الأكاديميين لمناقشة النتائج التي توصلوا إليها، لكنْ في مارس الماضي، أفادت شركة «مايندسترونج» - التي لم يمض على بدء نشاطها سوى 16 شهرًا - بأنها قد اكتشفت مؤشرات حيوية رقمية، عبارة عن أنماط تخصّ السَّحْب بالأصابع والنقر بها على شاشات الهواتف، ترتبط بالدرجات المُحرَزة في اختبارات الأداء العصبي النفسي3. تقول الشركة - عبر موقعها الإلكتروني - إنها قد أتمّت خمس تجارب إكلينيكية، لم يُكشف عن نتائجها بعد، كما أعلنت في فبراير الماضي عن دخولها في شراكة مع شركة «تاكيدا» Takeda للأدوية، التي يقع مقرها في طوكيو؛ من أجل استكشاف مؤشرات حيوية رقمية لبعض الحالات المرضية، مثل: الفصام، والاكتئاب المقاوِم للعلاج. و«مايندسترونج» لها منافسون، حيث تقول شركة «فيريلي» إن مشروعات التنميط الرقمي الظاهري خاصتها تشمل مشروعًا يهدف إلى رصد اضطراب ما بعد الصدمة، وذلك باستخدام الهواتف الذكية، وساعات اليد.

تقول «مايندسترونج» إنها في الطريق إلى تخطي مرحلة قياس وظائف الدماغ بالهواتف الذكية، والدخول إلى مرحلة جديدة، هي التنبؤ بتلك الوظائف. يوضح داجوم قائلًا: "عندما نتمكن من فهم مسار العديد من المؤشرات الحيوية على مدار ستة أو سبعة أيام، يمكننا التنبؤ في المستقبل بنوبات الاكتئاب قبل حدوثها بمدة تصل إلى أسبوع"، لكن داجوم امتنع عن ذكر المؤشرات التي تستخدمها شركته حاليًّا، نظرًا إلى أن الشركة كانت بصدد تقديم أبحاثها إلى الدوريات العلمية. تتلخص خطة التطبيق المعتمِد على الهاتف الذي تستخدمه «مايندسترونج» (إذ لا تستخدم الشركة أساور المعصم) في إدخال قياسات التفاعل مع شاشة اللمس في نظام رقمي لرعاية الصحة العقلية. والشركة مستمرة في عرض النتائج على ولاية كاليفورنيا، التي ترى ما يكفي من الإمكانات الإكلينيكية التي جعلتها تمنح الشركة مبلغ 10 ملايين دولار أمريكي على مدار 3 سنوات من أموال صندوقٍ للابتكار في مجال الصحة العقلية، تديره الولاية، وتبلغ ميزانيته 60 مليون دولار أمريكي. ويتساءل الطبيب النفسي توم إنسل، الذي شارك في تأسيس «مايندسترونج»، وكان في السابق قد دشن وحدة الصحة العقلية في شركة «فيريلي» بعد 13 عامًا قضاها رئيسًا للمعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية، قائلًا: "هل ستكون لكل هذه البيانات التي نجمعها حاليًا فائدة إكلينيكية في نهاية المطاف؟ لا ندري حتى الآن".

روزاليند بيكارد ترتدي ساعة يد ترصد التوصيل الكهربائي للجلد

روزاليند بيكارد ترتدي ساعة يد ترصد التوصيل الكهربائي للجلد 

CHARLIE MAHONEY/NYT/REDUX/EYEVINE

تُشَكِّك بيكارد في النهج الذي يتبعه إنسل في «مايندسترونج»، حيث تقول: "أعتقد أنه أنشأ شركة، استنادًا إلى فكرة لم يَثبُت نجاحها، فضلًا عن أفكار أخرى". وليس لدى بيكارد أو نوك حتى الآن أيّ خطط تجارية بشأن تقنيتهما الخاصة بالتنبؤ بالحالة المزاجية. (لكنْ إضافةً إلى شركة «إمباتيكا»، شاركت بيكارد في تأسيس شركة «أفكتيفا» Affectiva، التي يقع مقرها في بوسطن، وتبيع تقنية لتحليل تعبيرات الوجه والصوت).

يرى إنسل أنّ ثمة حاجة إلى اختبار هذه التقنية على أرض الواقع، وذلك على المرضى، ومقدِّمي الرعاية الصحية، إذ يقول: "نحن لا نتعلم الركض قبل السير، وولاية كاليفورنيا تدفع لنا أموالًا، لكي نتعلم كيفية السير". ويشير إلى أنه لا يَعتبِر بيكارد منافسة له، موضحًا: "هذه مشكلة صعبة، لم يستطع أحد حلها حتى الآن. أعتقِد أن الأمر سيتطلب منا جميعًا سلوك الكثير من السُبُل؛ لإثبات القيمة الإكلينيكية لهذه التقنية، وأعلنها صراحة أنني أود أن تكون هناك على الأقل 10 فرق أخرى بالكفاءة نفسها لمختبر روزاليند بيكارد، تدرِس جميعها مسألة التنميط الرقمي الظاهري".

تغيير السلوك

إن بيكارد على يقين من أن التنبؤ بالحالة المزاجية - وإنْ كان يتطلب تدريبًا فرديًّا من جانب مستخدِم يوافق على ذلك - سوف يصبح فنًّا متقنًا، لكن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه، على حد قوله، هو: هل سيمكن استخدامه للمساعدة في تغيير حالة مزاجية سيئة يُتنبأ بها؟

يتعاون نوك حاليًّا مع عالِم النفس إيفان كلايمان، الذي يعمل أيضًا بجامعة هارفارد، في مهمة بحثية تتمحور حول تشجيع 150 مريضًا على إعادة تقييم الأمور التي ينظرون إليها نظرة سلبية باستخدام تدريبات إعادة التأطير المعرفي. تُفعَّل تلك التدريبات على هواتف المرضى عندما ترصد أجهزة المراقبة المُثبَّتة على معاصمهم إشارات تُنبئ بأفكار انتحارية وشيكة. وبخلاف ذلك، فإن نوك لا يعلم ما يجب فعله بالبيانات، إذ يتساءل قائلًا: "إذا أفادت تنبؤاتنا بأن شخصًا ما معرَّض بشدة لخطر الأفكار الانتحارية، أو يقول هو نفسه إنه حتمًا سيقتل نفسه، فماذا نفعل؟ هل نرسل إليه عربة إسعاف؟ أم نتصل بطبيبه؟ أم لا نفعل شيئًا؟ إنّ الأبعاد الأخلاقية لهذه المسألة بالغة الصعوبة". ويشير نوك إلى أنه يعلم أن أولئك الذين يشاركون في تجربته يرغبون في تلك التقنية، حيث يقول: "يتحدث المرضى طيلة الوقت عن مدى النفع الذي سيعود عليهم، إذا هم وجدوا نظامًا للتنبيه، أو التوجيه".

يَعتقِد مورينسي أن الوقت لم يحن بعد، كي يصبح بمقدور أجهزة الكمبيوتر تقديم المشورة بمفردها بشأن الصحة العقلية. وتتضمن أبحاث مورينسي تعليم أجهزة الكمبيوتر كيفية دراسة تعبيرات ولغة الوجه؛ حتى يتسنى لها التوصل إلى ما يجول بذهن شخص ما. ويتعاون مورينسي حاليًّا مع الأطباء النفسيين؛ لإدخال هذه التقنية في أقسام الصحة العقلية بالمستشفيات. والهدف من ذلك هو تمكين تلك الأجهزة من دراسة الأشخاص أثناء تفاعلهم مع الأطباء؛ لمعرفة ما إذا كانت الاضطرابات النفسية موجودة، أم لا. ولا يزال الأطباء هم مَن يقومون بالتشخيص، أمّا تحليل الكمبيوتر، فيقدم تقييمًا مستقلًا، يمكن للأطباء مقارنته بتقييمهم الخاص. يقول مورينسي: "ثمة مخاطر جسيمة يمكن أن تترتب على إسناد مهمة تقديم استشارات خاصة بالصحة العقلية إلى أجهزة الكمبيوتر. إننا نحتاج إلى مزيد من الأبحاث؛ لفهم الأثر طويل المدى لهذه التقنية".

وهناك مشكلة أخرى كذلك، حسب قول بيكارد، تتمثل في أن الإجراءات الرامية إلى تحسين الحالة المزاجية تختلف باختلاف الأشخاص. ففي إحدى تجاربها، وجدت بيكارد أن مجموعة واحدة من الطلاب الذين كانوا يحادثون أصدقاءهم قبل الخلود إلى النوم كانوا يتمتعون بحالة مزاجية أفضل في اليوم التالي، في حين تعرضت مجموعة أخرى لتأثير معاكس.

يُساوِر باربرا فريدريكسون، وهي عالمة نفس بجامعة نورث كارولاينا في تشابل هيل، القلق من أن عملية التنبؤ بالحالة المزاجية يمكن أن يكون لها تأثير على مشاعر الناس، حيث تقول: "يبدو أن الناس سيولون اهتمامًا كبيرًا - على الأرجح – إلى التنبؤات السلبية بالحالة المزاجية. وبالنسبة إلى البعض، يمكن أن يكون هذا سببًا في إطلاق حالة من الانهيار السلبي العاطفي، الذي يمكن أن يكون مدمرًا بحق".

أما جاستن بيكر، وهو باحث متخصص في الأمراض العقلية، ويعمل مديرًا علميًّا لمعهد ماكلين للتكنولوجيا في مجال الطب النفسي، الذي يقع في بلمونت بولاية ماساتشوستس، فيقول: "أعتقِد أنه سيصعب علينا تحديد نوعية النصيحة التي يحتاج إليها كل شخص، بالقدر نفسه من صعوبة تحديد الكيفية التي تُقدَّم بها تلك النصيحة إلى ذلك الشخص بطريقة لا تُقابَل بالتجاهل، أو تزيد الأمور سوءًا".

إنّ بيكارد لديها رؤى عظيمة بشأن التنبؤ الرقمي بالحالة المزاجية. فهي تعتقد أن تلك التقنية يمكن أن تحسِّن صحة عموم الناس، ويمكن أن تفيد الشركات والمؤسسات على وجه الخصوص. وهي تتساءل قائلة: "لماذا لا تزال شركات رائعة كثيرة من تلك النوعية التي تمنح موظفيها كل أنواع الامتيازات المتاحة تفقد العديد من الموظفين الذين يسقطون فريسة للاكتئاب؟ هل يمكننا اكتشاف التحول الوشيك، قبل أن يصير واقعًا؟"، مع أنّ بيكارد لديها مخاوف أيضًا مِن إساءة استخدام تلك التقنية، وترى أنه ربما تكون هناك ضرورة لوضع لوائح تنظيمية جديدة؛ لمنع الشركات، على سبيل المثال، من توجيه إعلاناتها إلى الأشخاص الذين يمكن التنبؤ بحالاتهم المزاجية الجيدة أو السيئة الوشيكة، أو الحيلولة دون قيام شركات التأمين بتحديد الأسعار، استنادًا إلى العلامات والمؤشرات الخاصة بالصحة العقلية لعملائها.

يقول إنسل: "إن بعض الجهات السيئة التي تسيء استخدام هذه التقنية يمكن أن يفسد الفوائد المنتظَرة للمرضى الذين يعانون من مشكلات عقلية خطيرة". تعمل شركة «مايندسترونج» في الوقت الحالي - على حد قوله - مع مجموعة متخصصة في الأخلاقيات الحيوية بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا، وتخطط لنشر ورقة بحثية بشأن تلك المسائل عمّا قريب.

وترى بيكارد أن الجهود البحثية جديرة بالاهتمام. وحسب قولها، فإنّ "الاكتئاب الإكلينيكي غالبًا ما يكون نوعًا من الموت العاطفي البطيء، والمؤلم. وإذا تمكنّا من المساعدة في التعرف على الكثير من الأشياء الصغيرة التي تُثقل كاهلنا بمرور الوقت، وتدفع بنا إلى حالة من الحزن الدائم؛ فيمكننا حينئذٍ أن نصنع فارقًا كبيرًا بحق".

References

  1. Taylor, S. et al. IEEE Trans. Affect. Comput. https://doi.org/10.1109/TAFFC.2017.2784832 (2017). | article
  2. Sano, A. et al. in 2015 IEEE 12th Int. Conf. Wearable and Implantable Body Sensor Networks. https://doi.org/10.1109/BSN.2015.7299420 (2015).
  3. Dagum, P. Digit. Med. 1, 10 (2018). | article

مات كابلان صحفي، وكاتب علمي يقيم في هيرتفوردشاير بالمملكة المتحدة.