رؤية كونية

إزالة حواجز التأشيرات التي تعرقل المنح الدراسية

إذا كنا نريد مجتمعًا بحثيًّا متنوعًا، ومنصفًا، وشاملًا، ينبغي أن يتمكن الأكاديميون في نصف الكرة الأرضية الجنوبي من الالتقاء بِحُرِّية، حسبما تقول كوني نشيميريروي.

كوني نشيميريروي
  • Published online:

JOSUA PIORR

في هذه الأيام، أشعر وكأنني أقضي حياتي متنقلة بين طلب تأشيرة، وآخَر. ففي الأسبوع الماضي، كان من المفترَض أن أسافر من أوغندا إلى بنما، لتأدية دوري بصفتي رئيس مشارك لمنظمة "أكاديمية الشباب العالمية" (Global Young Academy (GYA، وهي منظمة تهتم بالتعليم والسياسات العلمية، تدعم الباحثين المبتدئين في جميع أنحاء العالم. ولكنْ بدلًا من ذلك، أجد نفسي جالسة في المنزل، أعمل على مقترَح تأخَّر كثيرًا لمشروع بحثي حول ريادة العلوم في أفريقيا، وفي الوقت نفسه أملأ استمارات الرحلة القادمة، آمِلَة في حظ أوفر.

في 25 يوليو، تواصلتُ مع أقرب سفارة لدولة بنما (في جنوب أفريقيا)، وعلمت أنه يجب عليَّ تقديم طلب التاشيرة شخصيًّا، وتصوير كل صفحة من جواز سفري، وتوثيقها، وأنّ أي كشط في إحدى الاستمارات من شأنه أن يبطل طلبي بأكمله، وأنّ جميع المستندات يجب أن تُترجَم إلى الإسبانية - بما في ذلك كشوف الحسابات المصرفية، وتذكرة الطيران، وحجز الفندق، وجميع خطابات الدعوة – من قِبَل مترجم معتمَد (كيف لي أن أجد مثل هذا المترجم في أوغندا؟ أو أدفع له؟).

تمكَّن المضيفون في بنما من التواصل مع سلطات الهجرة، حتى أستطيع إرسال الأوراق عن طريق خدمة تسليم وثائق، بدلًا من السفر جوًّا لمدة أربع ساعات بتكلفة 500 دولار أمريكي إلى بريتوريا، لكنّ عقبات من قبيل تأجيل حجز الفنادق، وكتابة التواريخ بصيغة خاطئة في الوثائق المترجَمة، كانت تعني ضرورة إعادة تقديم الأوراق عدة مرات، ولم يكن هناك وقت كاف لإصدار التأشيرة. تبدو هذه المتطلبات متعسفة إلى أقصى درجة؛ فلولا فوات الآوان، لتمكن زميلي في رئاسة المنظمة – وهو مواطن بريطاني – من الحضور، دون حاجة إلى تأشيرة. كما أن بنما لا تطلب تأشيرات للقادمين من دول معينة، مثل ماليزيا، وبولندا، والولايات المتحدة، رغم أن زميلي البولندي اضطر لدفع أكثر من 160 دولارًا، وإجراء مقابلة شخصية؛ للمرور عبر مطار في الولايات المتحدة الأمريكية.

تمثل مشكلات التأشيرات عقبة أمام باحثين كُثر في النصف الجنوبي من العالم حين يودون المشاركة في المجتمع العلمي الأكبر. ففي وقت سابق من هذا العام، كشف استطلاع رأْي أجرته مؤسسة "راند كوربوريشن" RAND Corporation أن عدد المرات التي أفاد فيها باحثون أفريقيون وآسيويون، على التوالي، بمواجهة عقبات تتعلق باستخراج تأشيرات سفر للعمل بلغت ثلاثة إلى أربعة أمثال عدد المرات التي أفاد فيها نظراؤهم الأوروبيون أو الأمريكيون بتعرُّضهم لمثل هذه العقبات (انظر: go.nature.com/2z9dabn). وفي ظل الحظر الأمريكي على سفر مواطني بعض الدول، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فمن المتوقع أن تزداد الأمور سوءًا.

ربما كانت تجربتي مع تأشيرة بنما غير طبيعية، ولكنها ليست استثنائية. فعندما كنت أعمل في جامعة ريفية، على مسافة 100 كيلو متر من أقرب مدينة، كان التقدم بطلب للحصول على تأشيرة غالبًا ما يضيِّع يومَي عمل على الأقل: يوم لجمع كافة المستندات المطلوبة وتقديمها، ويوم آخر لاستلام التأشيرة. ولا يتضمن هذان اليومان الوقت اللازم لمعرفة متطلبات كل دولة، واستخراج كشوف حسابات بنكية معتمَدة، وتجهيز الصور الفوتوغرافية الدقيقة المطلوبة، وتنسيق وثائق إثبات العمل، ورسائل الدعوة.

وحتى عندما تغطية النفقات الأخرى، يُتوقع من الباحثين - أو المؤسسات التي يعملون بها - أن يتحملوا تكاليف الحصول على التأشيرة، وهي تكاليف باهظة في ضوء الرواتب التي يحصل عليها الأكاديميون الأوغنديون. فأعلى راتب صاف تقاضيته كمحاضر أول يحمل درجة الدكتوراة من جامعة توينتي في هولندا، بعد 15 عامًا من العمل الأكاديمي، كان حوالي 60000 شلن أوغندي (16 دولارًا أمريكيًّا) في اليوم. وبالنسبة لي، تتكلف تأشيرة جنوب أفريقيا 36 دولارًا، إضافة إلى 90 دولارًا تُدفَع كرسوم إدارية. وتتكلف تأشيرة المملكة المتحدة 120 دولارًا، وتستغرق ثلاثة أسابيع. وفي محاولتي السفر إلى بنما، دفعت حوالي 100 دولار، إضافة إلى رسوم التحويل البنكي. وتُعَد تأشيرة شنجن (المفوضية الأوروبية) من أسهل التأشيرات؛ إذ تقل تكلفتها عن 70 دولارًا، ولا تحتاج سوى أسبوع انتظار واحد.

جرى انتخابي كرئيس مشارك في شهر مايو، وكان عليَّ أن أسافر إلى سبع دول – أربع منها لتمثيل منظمة GYA – بين شهري سبتمبر، ونوفمبر. وإذا سارت الأمور وفقًا للخطة، فسأكون في اليابان في وقت نشر هذا المقال، وهي رحلة تطلبت مني العثور على مواطن ياباني، يمكنه أن يرسل إلى دعوة رسمية، ويضمن التزامي بقوانين الدولة، ويرسل المستندات بالبريد، لأن السفارة لا تقبل رسائل الفاكس، ولا البريد الإلكتروني. وقد ذهبتُ إلى السفارة اليابانية في كامبالا عدة مرات، لأنني افتقدت، أو أسأتُ فهْم، بعض تفاصيل طلب التأشيرة (لم تكن جميعها موضحة على الإنترنت).

في اليوم نفسه، الذي قرأت فيه رسالة البريد الإلكتروني المحبطة، الواردة من سفارة بنما، تلقيتُ دعوة للتحدث في مؤتمر سنوي لمنظمة "الشراكة بين الأكاديميات" – وهي شبكة عالمية من الأكاديميات التي تنتشر في جميع أنحاء العالم، وتعمل معًا في مجال السياسة العامة – في كوريا الجنوبية في إبريل 2019. وبدلًا من الشعور بالبهجة، غمرني شعور جارف بالخوف، لأنه سيتوجب عليَّ خوض عباب بحر آخر من إجراءات استخراج التأشيرة، فقط لأنني مواطنة أوغندية.

إنني أتفهم حاجة الدول إلى التحكم في الدخول إلى أراضيها، لكن المنطق السليم يجب أن يسود. وينبغي ألا تتحول طلبات الحصول على التأشيرة إلى عمل بدوام كامل، وإنما يجب أن تكون هناك طرق أفضل تدعم بها المجتمعات الأكاديمية والبحثية بعضها البعض، وتسهِّل بها الحكومات المنح الدراسية الدولية.

لقد سمعتُ بعض الأفكار الإصلاحية الواعدة؛ فجنوب أفريقيا تدرس تخصيص فئة لتأشيرات أكاديمية، ستكون صالحة لمدة عشر سنوات، ويعمل زملاء في منظمة GYA حاليًّا على تصوُّر يسمَّى "جواز سفر عالمي للعلماء" Global Passport for Scholars. كما أننا نجمع قصص معاناة العلماء مع التأشيرات للدفع بالقضية (رجاءً، أرسِلْ إليَّ قصّتك عبر البريد الإلكتروني). صحيح أن العلماء يواجهون عقبات أكثر – وأهم - كثيرًا من عقبات الحصول على التأشيرات؛ فنحن نفتقر إلى فرص العمل، وفرص الحصول على التمويل والمعدّات، ونعاني من ضعف التوجيه والإرشاد. ومع ذلك، ينبغي أن تكون مشكلات التأشيرات من بين المشكلات الأسهل في حلها.

في إبريل عام 2019، سوف تحتفل منظمة GYA بعيد ميلادها العاشر في ألمانيا، وسوف يكون جميع أعضائنا، البالغ عددهم 200 عضو، وخريجينا، البالغ عددهم 216 خريجًا – الذين يمثلون مجتمعين 83 دولة - مدعوين لهذه المناسبة. وبرغم أننا سنبذل قصارى جهدنا من أجل مساعدتهم على السفر، فلا شك لدينا في أن عددًا غير قليل منهم لن يتمكن من السفر؛ لأنهم - ببساطة - ولدوا في بلد غير مناسب.

كوني نشيميريروي منسقة علوم وسياسات مستقلة، وعضو اللجنة التوجيهية لـ "برنامج ريادة العلوم في أفريقيا" Africa Science Leadership Programme، ورئيس مشارك في منظمة "أكاديمية الشباب العالمية" (GYA) في كامبالا.

البريد الإلكتروني: cnshemereirwe@gmail.com