كتب وفنون

 بحوث طبية: التدفق العالمي للدم

تستمتع تيلي تانسي بالإبحار في استكشافٍ مثير لهذا السائل الحيوي الديناميكي.

 تيلي تانسي
  • Published online:

 

© Thomas Paterson

تسعة باينتات: رحلة عبر أسعار الدم، والعلاج المتعلق به، وخباياه، روز جورج

متروبوليتان (2018)

الدم يعني الحياة، ويعني الموت أيضًا. ويتأرجح كتاب المؤلفة روز جورج على نطاق واسع - وعلى نحو مقلق في أغلب الأحيان - بين هذين النقيضين. تستكشف جورج الدم بوصفه دواءً منقذًا للحياة، وعاملًا مسببًا للعدوى، ومؤشرًا متاحًا بسهولة للدلالة على المرض والإصابة، وبوصفه أحد المحرمات، وبوصفه سلاحًا، وفي كل السياقات هو سلعة تُشترى، أو تُباع، أو تُستخدم، أو يُساء استخدامها، أو يتم التحكم بها.

تستعرض جورج (التي تناولت في كُتُبها السابقة أمور الشحن، والنفايات البشرية) كل موضوع من خلال سلسلة من الحكايات والرحلات الشخصية المثيرة. تبدأ قصة نقل الدم "من وريد إلى وريد" في مستشفى سانت جورج بجنوب لندن، حيث تتبرع المؤلفة بـ470 مليلترًا من الدم. و"تتابِع" جورج هذه الكمية من الدم حتى وصولها إلى إحدى منشآت المعالجة، التابعة لإدارة  الخدمات الصحية والتبرع بالدم وزراعة الأعضاء (NHSBT) في جنوب غرب إنجلترا، حيث يمكن لتبرُّع واحد بالدم أن يوفر مجموعة من المنتجات. وتشمل هذه المنتجات كرات الدم الحمراء، والصفائح الدموية، والرُسابَة البَرْدِيَّة (cryoprecipitate) لعلاج اضطرابات التجلط، إضافة إلى الدم الكامل بعد تخليصه من خلايا الدم البيضاء، لنقله إلى الرضع أصحاب الأجهزة المناعية الأقل نموًا، وكذلك البلازما الجديدة المجمدة، لنقلها لتعويض الدم المفقود. وقد علمنا أنه منذ عام 2003 ثمة "تفضيل للمتبرعين الذكور" في بريطانيا؛ فبلازما النساء - المحملة بفائض من الهرمونات، في أغلب الأحيان بسبب حبوب منع الحمل والعلاج بالهرمونات البديلة – تتطلب فحصًا ومعالجةً أكثر بكثير من بلازما الرجال، وعادةً ما يجري التخلص منها.

وتعرِض جورج في كتابها بعض الإحصاءات الصادمة. فكل ثلاثة ثوان، يتلقى شخصٌ ما في العالم نقل دم (ويعني هذا 2.5 مليون وحدة دم يجري نقلها سنويًّا في بريطانيا، و16 مليون وحدة في الولايات المتحدة)، غير أن دولًا عديدة - ومنها جميع دول أفريقيا – تفشل في الوصول إلى الهدف الموضوع من قِبل منظمة الصحة العالمية، المتمثل في أن يتبرع بالدم من واحد إلى ثلاثة في المائة من السكان. وفي السويد، أدت مبادرة بسيطة بدأت في عام 2012 إلى زيادة المشاركات، وذلك ببساطة عن طريق إرسال رسالة للمتبرعين، لإخبارهم بأن الدم الذي تبرعوا به تم استخدامه؛ وقد حذت بريطانيا حذو السويد في ذلك.

وتلك التبرعات المنقِذة للحياة يمكن أيضًا أن تحمل في طياتها الموت والمرض. فقد صارت قصص التلوث المثيرة للقلق من جميع أنحاء العالم – خاصة تلوث الدم بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، والالتهاب الكبدي الوبائي «سي» – قصصًا ذائعة الآن. فعلى سبيل المثال، كثير من المصابين بالهيموفيليا، والمرضى الذين خضعوا لعمليات جراحية، والأمهات اللاتي أنجبن حديثًا والذين تلقوا منتجات الدم في السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين في بريطانيا، قد أصيبوا دون علم أيضًا بعدوى، وكانت في الأغلب عدوى فيروس نقص المناعة البشرية، والالتهاب الكبدي الوبائي «سي». ولا يزال العديد من هؤلاء يطالب بالاهتمام والتعويض. وقد أدى استحداث معايير أكثر صرامة خاصة بالمتبرعين إلى القضاء على هذه المشكلات في إمدادات الدم في بريطانيا. وثمة إجراءات فعالة في هذا الشأن. أحد هذه الإجراءات هو رفض التبرع بالدم من أشخاص زاروا مؤخرًا مناطق تنتشر فيها الأمراض المنقولة بالدم، مثل الملاريا، وحمى غرب النيل، وفيروس زيكا. وثمة إجراء آخر، هو فحص الدم بحثًا عن مجموعة كبيرة من الفيروسات، من بينها فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي «بي»، و«سي»، وفيروس نقص المناعة البشرية، والزهري. (ومن المفارقات أن الدم البريطاني يحمل خطر التلوث بالبريونات المسبِّبة للحالة العصبية التنكسية كروتزفيلد-جاكوب، ولا يُقبل التبرع به خارج البلاد.) وتظل هناك مخاطر أكبر في أماكن أخرى من العالم. فاحتمال الإصابة بعدوى نقص المناعة البشرية من نقل الدم يزيد 3 آلاف مرة في الهند مقارنة بالولايات المتحدة. وفي جميع أنحاء العالم، قُدِّرَ أن ما يصل إلى 10% من حالات الإصابة بعدوى فيروس نقص المناعة البشرية تأتي من منتجات الدم.

وهناك المزيد من القصص المقلقة. فنحن نستشعر ذعر الفتاة رادا، ذات الستة عشر ربيعًا في غرب نيبال: بينما تكون في فترة الحيض، يتحتم عليها أن تسير وحيدة كل مساء إلى كوخ بعيد لتنام فيه. وهذا الإجراء - المسمى «تشاوبادي» chaupadi – يجعل رادا وآلاف من المراهقات الأخريات عرضة للاعتداء الجنسي من قِبل الرجال سكان تلك المناطق. وتروي جورج أيضًا قصصًا عن الفقراء المعدمين في الولايات المتحدة، الذين يبيعون بلازما دمائهم على نحو قانوني مرتين أسبوعيًا (الحد الأوروبي هو 24 تبرعًا في السنة)؛ ليكسبوا من دولارين إلى ثلاثة دولارات في اليوم. وهناك أيضًا المجتمعات الريفية في الهند، التي أصبح فيها الدم نوعًا من السلع. وتقول جورج إن هذا قد أدى إلى إساءة مروعة في حق المهاجرين، الذين يُحبَسون باعتبارهم "عبيد دم"، وتُستنزَف دماؤهم مقابل المال.

ويمتلئ كتاب «تسعة باينتات» Nine Pints أيضًا بحكايات الأبطال والبطلات. فهناك جانيت فون، التي اعتبرتها مديرة مدرستها "أغبى من أن تحظى بالتعليم"، والتي نالت شهادة في الطب في منتصف عشرينيات القرن العشرين، وتخصصت في اضطرابات الدم في مستشفى في لندن. قامت فون بتصنيع مستخلصات كبدية خام؛ لعلاج فقر الدم الخبيث باستخدام مفارم لحم استعارتها من أصدقائها، ومن بينهم فيرجينيا وولف (التي جمعتها بها علاقة قرابة بعيدة). وبحلول أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، كانت طبول الحرب تدق، منذرة بالحاجة إلى الدم. ومع معرفتها بالتقدم الذي تَحقَّق في عمليات جمْع الدم وتخزينه خلال الحرب الأهلية الإسبانية، أنشأت فون العديد من مستودعات الدم الفعالة؛ وكان أحدها في حانة في سلاو، كانت دائمًا ما تجتذب المتبرعين. استحدثت فون خدمة متنقلة باستخدام عربات الآيس كريم؛ لتجميع وتوصيل الدم في جميع أنحاء البلاد. واعتبر أحد المعلقين المعاصرين، وهو اللواء دبليو. إتش. أوجلفي، أن أعظم تقدُّم طبي تَحقَّق إبان الحرب العالمية الثانية ليس البنسلين، وإنما خدمة نقل الدم.

وفي تقديري، فإن البطل الأبرز هو أروناشالام موروجانانثام، وهو مبتكِر منتجات صحية من جنوب الهند. ففي هذه المنطقة يُعتبر الحيض أمرًا مخزيًا وقذرًا، ولا تستطيع نساء كثيرات تحمُّل تكلفة الفوط المُنتَجة تجاريًّا، كما أن المراحيض العامة قليلة للغاية، والمياه الجارية نادرة. ويمكن أن يؤدي الافتقار إلى العادات الصحية الأساسية، واستخدام - وإعادة استخدام - خِرَق قُماش غير ملائمة، وقابلة لإعادة الاستخدام بعد الغسل، إلى فقدان البنات والنساء فرص التعليم والتوظيف، والإصابة بعدوى الأمراض النسائية.

لاحظ موروجا – وهو الاسم الذي يُعرف به – أن زوجته تستخدم الجرائد والقماش أثناء الحيض؛ فقرر أن يجرب بعض البدائل. حَمَلَ كرة قدم مليئة بدم الماعز تحت ملابسه، حتى يتمكن من إخراج السائل أثناء تحركه، واستشعار الصعوبات العملية التي تعانيها النساء. ورغم تعرضه للسخرية، حتى من أفراد أسرته، فقد ثابر، وتمكَّن من تصميم ماكينات لتصنيع فوط صحية بأسعار زهيدة، وشجع البلديات المحلية والمصانع على إنتاج وبيع هذه الفوط. ظهرت قصة موروجانانثام في فيلم وثائقي للمخرج أميت فيرماني في عام 2013 بعنوان «رجل حائض» Menstrual Man، وفي فيلم روائي من إنتاج بوليوود للمخرج آر. بالكي في عام 2018 بعنوان «رجل الفوط الصحية» Pad Man (انظر: S. Priyadarshini Nature 555, 27–28; 2018).

يُعَد كتاب «تسعة باينتات» كتابًا سهل القراءة، وثريًّا بالمعلومات، إلا أن أسلوبه المفرط في المزاح مزعج في بعض الأحيان، كما أن ثمة القليل من حالات التكرار المستفزة. كما أن عنوان الكتاب – الذي يشير إلى حجم الدم في جسم الإنسان، وهو حجم متغير، ومرتبط بحجم الجسد - يبدو جامدًا على نحو غريب بالنسبة إلى سائل حيوي ديناميكي له العديد من الجوانب النابضة بالحياة.

تيلي تانسي أستاذ فخري للتاريخ الطبي وعلوم الصيدلة في معهد ويليام هارفي للبحوث التابع لجامعة كوين ماري في لندن.البريد الإلكتروني: t.tansey@qmul.ac.uk