كتب وفنون

الإنترنت: صعود مثير للأحقاد لموقع «ريديت»

تيمو هاناي يثني على رحلة تطوُّر موقع «ريديت» في هذا العصر المضطرب.

تيمو هاناي
  • Published online:
أَسَّس أليكسس أوهانيان (على اليسار)، وستيف هوفمان موقع التواصل الاجتماعي «ريديت» في عام 2005.

أَسَّس أليكسس أوهانيان (على اليسار)، وستيف هوفمان موقع التواصل الاجتماعي «ريديت» في عام 2005.

Reddit

نحن المهووسون: ميلاد «ريديت» ورحلته المضطربة؛ معمل الإنترنت الثقافي

كريستين لاجوريو شافكين، هاتشيت، 2018

ذُكر أنّ المواقع التي تستقبل أكبر عدد من الزوار من الولايات المتحدة هي «جوجل»، و«يوتيوب»، و«فيسبوك»، و«أمازون» (وهي الشركة المالكة لـ«أليكسا»)، وذلك حسب ما أوردته شركة «أليكسا دوت كوم» Alexa.com، المتخصصة في تحليلات المواقع على الإنترنت. وتضم بقية قائمة المواقع العشرة الأكثر استقبالًا للزوار أسماءً مألوفة أيضًا، هي: «ياهو»، و«تويتر»، و«ويكيبيديا»، و«إنستجرام»، و«لينكِد إن»، بيد أن هناك موقعًا قد يسبب ذكر اسمه بعض الدهشة، ليس فقط لأنه يأتي في المرتبة الخامسة (وهو مستوى جيد)، بل لأنه يتفوق كذلك بفارق كبير على الباقين من حيث الوقت الذي يقضيه عليه كل مستخدِم؛ فمرحبًا بك في موقع «ريديت» Reddit.

يتتبع كتاب «نحن المهووسون» We Are the Nerds للصحفية كريستين لاجوريو شافكين ظهور موقع «ريديت» في عام 2005، وتطوره كموقع، وشركة، وظاهرة اجتماعية. القصة في ظاهرها تحكي حكاية المؤسِّسَين المشاركَين ستيف هوفمان (العقل المدبر)، وأليكسس أوهانيان (رجل الدعاية والإعلام)، إلا أنها - في الحقيقة – ثلاث قصص في كتاب واحد.

الأُولى هي قصة البداية المفكَّكة لشركة ناشئة، قُدر لها أن تهيمن على الإنترنت. يشبه ذلك ظاهريًّا أسطورة مؤسِّس شركة «آبل» ستيف جوبز: تأسيس، فانفصال، فعودة وإصلاح. وقد أدى بيع «ريديت» في عام 2006 لـ«كونديه ناست» Condé Nast - وهو ناشر مجلات في نيويورك - بعد ما يزيد بقليل على عام واحد من إطلاق الموقع إلى منْح مؤسِّسي الموقع الشباب ثروة ومصداقية، إلا أنه كان هناك اختلاف وتباين ثقافي. فقد شعر كل من هوفمان، وأوهانيان بالفتور. وبحلول عام 2010، مضى كل منهما، وتوترت علاقة الصداقة بينهما. ولم تنجح البدائل اللامعة، مثل دخول المستثمر إلين  باو، في تمثيل الروح الخاصة بـ«ريديت» كما ينبغي. وتوالت الأزمات بعد ذلك، بدءًا من تمرد العاملين إلى موجة من التراشق بالصور الإباحية؛ بغرض الانتقام بين المستخدِمين. وتماشيًا مع نسق الرواية، ففي عام 2015 حدث الصلح، الذي أسفر عن العودة المفاجئة لهوفمان، وأوهانيان، وبلوغ قدرتهما العجيبة على الإبداع الجامح.

أما القصة الثانية، فتتناول صناعة التكنولوجيا في بدايات القرن الواحد والعشرين، حيث شكّل موقع «ريديت» حلقة وصل في شبكة من المتخصصين في التكنولوجيا، ورواد الأعمال، والمبتكرين الثائرين الطامحين إلى تغيير شكل العالَم. ويشعر القارئ هنا وكأنه شخصية "فورست جامب" الذي يتعثر من حدث مهم إلى آخر، أو يلتقي شخص مهم، الواحد تلو الآخر.

وهنا يظهر النشر العلمي في القصة، وإن كان ظهورًا تراجيديًّا. فسرعان ما أصبح المبرمج آرون سوارتز - الذي تم تعيينه في بداية رحلة «ريديت» - أكثر انشغالًا بإدارة الحملات منه بالبرمجة. وأدى شعوره بالغضب من رسوم الاشتراك المرتفعة التي يفرضها الناشرون إلى قيامه بتحميل ملايين المقالات سِرًّا، فتم كشفه. وقد انتهت المعركة القانونية في عام 2013 بإقدام هذا الشاب الرقيق صاحب المبادئ على الانتحار في سن 26.

وبينما تتوالى أحداث تلك القصة الثانية، قد يتوه القارئ بين المجموعة الهائلة من الشخصيات الثانوية، إلا أن أي شخص لديه معرفة بهذه الأسماء سوف يدرك أنه بصدد قائمة بأسماء أشخاص مهووسين أرستقراطيين، بدءًا من بول جراهام، المؤسس المشارك لشركة «واي كومبينيتور» Y Combinator في ماونتن فيو بكاليفورنيا (وهي الشركة الناشئة الحاضنة، التي أنجبت «ريديت»)، وكريس أندرسون، رئيس التحرير السابق لمجلة التكنولوجيا «وايرد» Wired. ويُعَد ذلك تذكرة بالأسلوب الذي يقوم من خلاله أفراد معدودون بإنشاء دوائر تأثير داخل عالَم الإنترنت المحدود والمؤثر في آن واحد.

وتتعقب القصة الثالثة نشأة وسائل التواصل الاجتماعي من وجهة نظر واحد من أهم اللاعبين في الساحة. ففي حين يسمح «فيسبوك» لمستخدميه أن يُنْشِئوا شخصيات على الإنترنت، ويسمح «تويتر» لرواده بإذاعة ما يأتيهم من أفكار، وإرسالها إلى العالم، أُنشئ «ريديت» لتعزيز لغة الحوار. وبصرف النظر عما قد يظنه المرء فيما يخص التكلفة والفوائد الاجتماعية لهذه الخدمات، فإنها لم تَعُد مجرد وسائل خائبة لتضييع الوقت، بل أصبحت في صميم وعي المليارات، وأصبحت ساحات للمعارك الثقافية والسياسية.

وفي أغسطس من عام 2012، بدا الأمر برمته فعّالًا للغاية. ففي جامعة فرجينيا في مدينة تشارلوتسفيل (حيث التقى كلٌّ من هوفمان، وأوهانيان)، شارك الرئيس الأمريكي – آنذاك - باراك أوباما في منتدى "اسألني عن أي شيء"Ask Me Anything  أو AMA، وهي إحدى فعاليات «ريديت» الشهيرة، التي يشارك من خلالها أي فرد في الإجابة عن الأسئلة، سواء أكان من المشاهير، أم من المجهولين تمامًا (أنا شخصيًّا قمت بالإجابة على الأسئلة مرتين). كان أوباما يتصرف بشكل طبيعي؛ يكتب إجاباته، ثم يوقِّع بإحدى العبارات الشهيرة التي ارتبطت بصورة ساخرة كانت قد انتشرت له على الموقع، وهي عبارة (NOT BAD!)، أو "ليس سيئًا". تجاوبت الجماهير بإيجابية شديدة مع باراك أوباما، لكن بعد ذلك بأربع سنوات، اختلف الأمر تمامًا.

فكما يُظهِر الكتاب، لطالما كان «ريديت» مكانًا للغاضبين والمنحرفين، حيث كان إخفاء هوية المستخدِم يشجع جزئيًّا على زيادة هؤلاء، لكن بحلول عام 2016، بدأ الأمر يتحول إلى أن يصبح اتجاهًا سائدًا. فقد أصبح منتدى «ريديت» الفرعي (subreddit)، المعنون r/The_Donald، أحد المشجعين المهمين للحملة الانتخابية الرئاسية المثيرة للخلاف. التزم المشرفون المتطوعون بالموقع بقواعد المنتدى، وأصبح الموقع مروجًا بغزارة للصور الساخرة (memes) المضللة؛ ما كان له عواقب يعرفها الجميع الآن، لكنْ لا يفهمها أحد فهمًا كاملًا؛ فإذا كان أوباما هو التجسيد الرئاسي لطموح تغيير العالَم عن طريق التكنولوجيا، فإن ترامب الآن يجسِّد الانتقام من المعارضين.

وفي أغسطس عام 2017، قام العنصريون البيض بالوقوف وجهًا لوجه أمام الثوار المعارضين في تشارلوتسفيل. شعر هوفمان بالغضب الشديد، وأدى الحدث إلى بدء حملة ضد مجموعات معينة من اليمين المتطرف، انتشرت عبر موقع «ريديت». كان ذلك خطوة رئيسة في الرحلة بين نشأة الموقع المتحررة، وبداية الإدراك أن المجتمعات الإلكترونية - مثلها مثل باقي المجتمعات - تحتاج إلى قوانين. والسؤال الواضح هو: لماذا يكون بعض الأفراد غير المسؤولين، مثل هوفمان، أو (مؤسس «فيسبوك» مارك زوكربيرج)، أو (جاك دورسي، المسؤول عن «تويتر») هم مَن عليهم وضع هذه القوانين؟

إن قصة وسائل التواصل الاجتماعي تحمل مفارقة؛ فأكثر التقنيات في التاريخ قدرة على تحقيق اللامركزية - وهي الإنترنت والشبكة العنكبوتية - قد أدّت إلى أكبر تكريس للسلطة. فتبادُل المعلومات، الخالي من الاحتكاك، واختفاء المسافات لم يأتيا بحركة تنوير جديدة، لكنْ مَكَّنا أيّ اعتقادٍ غريب الأطوار أو عداوة لاذعة من اكتساب مؤيدين. وبينما حرص خبراء التكنولوجيا على تجنب أي "نقطة عطل مفردة" في أنظمتهم (ما يدفعهم لنسخ كل شيء من الأقراص الصلبة، وحتى مراكز المعلومات)، فقد قاموا ببناء نقاط عطل مفردة عديدة للمجتمع. فقد يؤدي منشور على الإنترنت موجَّه بدقة، أو انحراف خوارزمي مقصود إلى تضليل وغضب وانقسام على نطاق محلي، أو عالمي. لذا، ففي أسوأ حالاتها المعتادة، لا تُعتبر هذه البرامج وسائل اجتماعية، بقدر ما هي برمجيات ضارة بالمجتمع.

وتنتهي القصة الرئيسة في الكتاب نهاية سعيدة، إذ يرأس هوفمان موقعًا مهمًّا، يُقَدَّر بأكثر من مليار دولار أمريكي. وأوهانيان، المروج الأول لموقع «ريديت» ورئيسه التنفيذي الحالي، أصبح نجمًا شهيرًا (ومتزوجًا من لاعبة التنس الأسطورة سيرينا ويليامز). ونقلًا عن جوبز - بصياغة أخرى - فقد أسهم كلٌّ منهما بِتَرْك بصمة في العالم.

إنّ هذه ليست مجرد قصة خرافية انتهت نهاية سعيدة، فكِتَاب «نحن المهووسون» يصف بداية «ريديت». أما القصة الحقيقية، فتكمن في الكيفية التي سيغيِّر بها هذا الموقع وأمثاله العالَم. وفي هذا، لا نزال في الفصل الأول من المسرحية، ونشترك جميعًا في كتابة القصة الآن مع كل منشور مدروس يُكتب على إحدى المدونات، أو أي "تغريدة" تدعو إلى العنف على موقع «تويتر». 

تيمو هاناي مؤسس شركة تكنولوجيا التعليم «سكول داش دوت كوم» SchoolDash.com، ومقرها لندن.

البريد الإلكتروني: timo@hannay.net