أنباء وآراء

السرطان: آلافٌ من الطرق المختصرة إلى الاختبار الجينيّ

يُستخدم التحرير الجينيّ في وقتنا الحاليّ لإدخال كل طفرة ممكنة وحيدة النيوكليوتيد إلى المناطق الرئيسة المُشَفِّرة للبروتين في جين BRCA1 المسؤول عن الاستعداد الوراثي للإصابة بالسرطان، للتعرف على المتغيرات المرتبطة بخطر الإصابة بهذا المرض. 

ستيفن جيه. تشانوك

  • Published online:

على مدار عقود، حاول علماء الوراثة السرطانية تحديد التغيّرات في تسلسل الجين BRCA1، التي تجعل الأفراد الحاملين لها عرضة للإصابة بسرطان الثدي أو المبيض. وقد ركَّزت الجهود المكثفة على تفسير المتغيرات الجينيّة الكثيرة في BRCA1، وذلك من خلال الملاحظات الإكلينيكية؛ لتحديد أيّ المتغيرات يُسمَح على أساسه تقديم المشورة للمريض، عن خيارات التدخّل العلاجيّ1. وبشكل عام، تصنَّف متغيرات BRCA1 إلى ثلاث فئات2،3: متغيرات حميدة ليست مدعاة للقلق؛ ومتغيرات ضارّة يمكن أن تسبِّب احتمالًا مرتفعًا للإصابة بالسرطان؛ ووسائط غير مستقرّة تُسَمَّى بالمتغيرات غير معروفة الأهميّة (VUS). أما الأصعب تصنيفًا، فهو المتغيرات التي لا تظهر إلا نادرًا، والتي توجد منها الآلاف في BRCA1. وعادةً ما كان العلماء يركِّزون في التحري الجينيّ على العائلات أو المجتمعات التي تظهر فيها طفرات معيّنة بمعدَّل مرتفعٍ، على نحو استثنائي، مما يكشف عن آثار المتغيرات الضارّة، لكنْ في العدد الثاني في شهر أكتوبر من دورية Nature، سجَّل فيندلاي وزملاؤه4مقاربة معمليّة مبتكرة؛ لدراسة تأثير الآلاف من المتغيرات على المناطق المُشَفِّرة للبروتين في جين BRCA1.

يُعَد بروتين BRCA1 مثبطًا رئيسًا للأورام، وعاملًا أساسيًّا في مسارٍ لإصلاح الحمض النوويّ، يسمَّى الإصلاح الموجَّه بالتناظر. وقد أدتّ الطفرات التي تعطِّل هذه الوظيفة إلى موت خلايا بشريّة مزروعة من سلالة تسمَّى HAP1 (المرجع 5). استغل فيندلاي وزملاؤه هذه الخاصيّة التي تتمتع بها خلايا HAP1 واستخدموها بمهارةٍ فائقة في البحث الدقيق عن متغيرات BRCA1 الضارّة.

استخدم الباحثون وسيلة للتحرير الجينيّ، تسمّى كريسبر-كاس9 (CRISPR-Cas9)؛ لتحويل كلّ نيوكليوتيد في 13 منطقة أساسيّة مُشَفِّرةٍ للبروتين (إكسونات) من الجين BRCA1 إلى كلّ قاعدة أخرى ممكنة بدقة، بمعدَّل نيوكليوتيد واحدٍ كل مرة، وهو أسلوب مُضْنٍ، يسمّى تحرير الجينوم بالتشبّع (SGE). في كلّ تجربة، حرر الباحثون إكسونًا واحدًا من BRCA1 في 20 مليون خليّة HAP1 في آنٍ واحد، ثم تركوا الخلايا تنمو في المختبر لمدة 11 يومًا، وعينوا تسلسل الإكسون المُحَرَّر؛ لقياس معدَّل تكرار كلّ مُغاير في تجمّع الخلايا. وصنف الباحثون - من خلال هذه البيانات - المتغيرات بأنها وظيفية (إذا كانت نسبة تكرارها قد أشارت إلى أن الإصلاح الموجَّه بالتناظر كان نشطًا في الخلايا التي تحمل ذلك المتغير)، أو غير وظيفية (إذا كانت نسبة تكرارها أقلّ من المتوسِّط، ما يُشير إلى أن المتغير قد أدى إلى موت الخلايا)، أو وسيطة (شكل 1).

شكل 1 | اختبار تأثير المتغيرات الجينيّة على وظيفة بروتين BRCA-1. زرع فيندلاي وزملاؤه4خلايا بشرية في مزرعة، واستخدموا وسيلة للتحرير الجينيّ، تسمّى "كريسبر-كاس9"؛ لتعديل جينومات الخلايا، بحيث صار كل اختلاف وحيد النيوكليوتيد في منطقة مشفرة للبروتين معيَّنة (إكسون) في الجين BRCA1 موجودًا في بعض خلايا الجماعة. تمّت زراعة الخلايا المُحَرَّرة لمدة 11 يومًا، ثم وُضع تسلسل الإكسون (غير موضح)؛ لتحديد تكرار كل متغير في الجماعة. صُنِّفَت المتغيرات التي ظهرت بنسبة التكرار المتوقعة كمتغيرات وظيفية، أي أن البروتين لم يكن له تأثير على وظيفة BRCA1، في حين صُنفت المتغيرات التي ظهرت بمستويات أقل من المتوقع كمتغيرات غير وظيفية، لأنها أحدثت تغيرات في BRCA1، حالت دون النمو الطبيعي للخلايا. أما المتغيرات التي كانت في المنتصف بين هذا وذاك، فقد صُنفت وسيطة. هذا، ويمكن المزج بين هذه المقاربة، وبين البيانات الإكلينيكية الأخرى والتجارب المعمليّة؛ لإتاحة التصنيف الدقيق للمتغيرات على أيدي الأطباء الإكلينيكيين، إلا أن كيفيّة القيام بذلك تستلزم المزيد من المناقشة (مقتبَس من (شكل 1ب) من الدراسة4).

شكل 1 | اختبار تأثير المتغيرات الجينيّة على وظيفة بروتين BRCA-1. زرع فيندلاي وزملاؤه4خلايا بشرية في مزرعة، واستخدموا وسيلة للتحرير الجينيّ، تسمّى "كريسبر-كاس9"؛ لتعديل جينومات الخلايا، بحيث صار كل اختلاف وحيد النيوكليوتيد في منطقة مشفرة للبروتين معيَّنة (إكسون) في الجين BRCA1 موجودًا في بعض خلايا الجماعة. تمّت زراعة الخلايا المُحَرَّرة لمدة 11 يومًا، ثم وُضع تسلسل الإكسون (غير موضح)؛ لتحديد تكرار كل متغير في الجماعة. صُنِّفَت المتغيرات التي ظهرت بنسبة التكرار المتوقعة كمتغيرات وظيفية، أي أن البروتين لم يكن له تأثير على وظيفة BRCA1، في حين صُنفت المتغيرات التي ظهرت بمستويات أقل من المتوقع كمتغيرات غير وظيفية، لأنها أحدثت تغيرات في BRCA1، حالت دون النمو الطبيعي للخلايا. أما المتغيرات التي كانت في المنتصف بين هذا وذاك، فقد صُنفت وسيطة. هذا، ويمكن المزج بين هذه المقاربة، وبين البيانات الإكلينيكية الأخرى والتجارب المعمليّة؛ لإتاحة التصنيف الدقيق للمتغيرات على أيدي الأطباء الإكلينيكيين، إلا أن كيفيّة القيام بذلك تستلزم المزيد من المناقشة (مقتبَس من (شكل 1ب) من الدراسة4).

كبر الصورة

وجد فيندلاي وزملاؤه أن نتائجهم تتسق مع النتائج التي توصّل إليها باحثون آخرون من تجربةٍ تكميليّة كانت تهدف إلى معرفة ما إذا كان الإصلاح الموجّه بالتناظر يحدث طبيعيًّا في الخلايا المتطفرة في جين BRCA1، أم لا، وقد سبق تلخيصها في ورقةٍ بحثيّة مُرافِقة منشورة في دورية «ذا أمريكان جورنال أوف هيومان جينيتكس» The American Journal of Human Genetics6. وقارن الباحثون نتائجهم كذلك بمجموعةٍ معترَف بها دوليًّا من متغيرات7BRCA1 المشروحة، المصنّفة حميدة، أو ضارّة، أو غير معروفة الأهميّة، على أساس البيانات الإكلينيكية، أو (على أساس عدم توافر البيانات الإكلينيكية، في حالة العديد من المتغيرات غير معروفة الأهميّة). واكتشف الباحثون أن النتائج التي توصلّوا إليها دقيقة بشكلٍ مذهل، رغم أنها غير مثالية. وفي العموم، تطابقت المتغيرات التي صنّفها فيندلاي وزملاؤه في بحثهم على أنها غير وظيفية مع المتغيرات الموصوفة في قاعدة البيانات بأنها ضارّة. ومما يدعو للاطمئنان أن كل المتغيرات الوظيفية تقريبًا تطابقت مع تلك الموصوفة بأنها حميدة.

وهكذا، استنتجت المجموعة البحثيّة أنه يمكن استخدام طريقتهم لتسليط الضوء على المتغيرات العديدة المزعجة، المصنَّفة بأنها غير معروفة الأهميّة، والتي تقضّ مضطجع الأطباء الإكلينيكيين. وقدَّم الباحثون أدلة على أن بعض متغيرات BRCA1 غير معروفة الأهميّة لا وظيفة لها. وهي مجموعة فرعيّة، تجب متابعتها بدقّة مستقبلًا. وأخيرًا، قدَّم الباحثون معلومات مهمّة عن مدى قدرة المتغيرات في التسلسلات المُجاورة للإكسونات على تشويش وظيفة البروتينات، وهو الأمر الذي يزيد من قدرتنا على تفسير وظيفة المزيد من أجزاء الجينوم.

تتميَّز الدراسة الحالية بنطاقها الواسع، حيث تتيح المقاربة المستخدمة فيه تحليل حوالي 4000 متغير محتمَل لـBRCA1 بالتوازي. ومن المفترض أن تنظر الدراسة اللاحقة في مناطق من BRCA1 خارج الثلاثة عشر إكسونًا التي تناولتها هذه الدراسة، خاصة تلك التي تحمل طفرات ضارّة، ومتغيرات غير معروفة الأهميّة. وحاليًّا، تتراكم المتغيرات غير معروفة الأهميّة، حيث إن معدَّل تجميع تسلسلات جديدة لـBRCA1 من المرضى يتجاوز بكثير تراكُم المعلومات الإكلينيكية المطلوبة لتصنيف المتغيرات. وتمثِّل مقاربة فيندلاي وزملائه ما يُحتمل أن يكون نقطة تحوُّل كبيرة في دراسة المتغيرات غير معروفة الأهميّة، لكنْ سيكون من المهم أولًا جمع المزيد من البيانات الإكلينيكية؛ للتصديق على صحّة النتائج المثيرة لهذه الدراسة.

وإنْ تم التصديق على هذه التقنية، فقد تمثِّل تقدمًا كبيرًا، مقارنة بالجهود السابقة لدراسة تأثير المتغيرات غير معروفة الأهميّة في المختبر. فعادةً ما كانت تمزج تلك الجهود بين النماذج الحوسبيّة، والتجارب المعمليّة على التفاعلات بين البروتينات وبعضها، أو على حساسية الأدوية مثلًا. وطوال العقد الماضي، بدأت إضافة هذه التحليلات إلى استراتيجيّات الشرح، إلا أن وتيرة التغيّر كانت بطيئة، كما أن هنالك خلافًا كبيرًا بشأن مقدار الأهميّة الذي يجب منحه لتلك الأدلّة8، إلا أن حجم دراسة فيندلاي وزملائه، فضلًا عن دقّتها الظاهرة يبشّران بإمكانية دمجها مستقبلًا في تصنيف متغيرات BRCA1. ومن المرجّح أن تُدْمَج النتائج في المساعي الحالية لشرح متغيرات7BRCA1 التي تُعَد جزءًا من "تحدّي BRCA الدوليّ" (http://brcaexchange.org).

ولكن لا بد من إمعان التفكير؛ للتوصل إلى الطريقة الأمثل لدمج تجربة فيندلاي وزملائه في تصنيف المتغيرات. وأساس الاختبار الجينيّ هو توافر بيانات إكلينيكية كافية؛ لربط الخطورة بمتغير معيَّن7،8. والمفترض في الاختبار الجديد أن يكمِّل هذه البيانات، لا أنْ يحلّ محلها. وقد يكون من الأيسر استخدام التجربة استخدامًا مباشرًا في تفسير المتغيرات غير معروفة الأهميّة التي جرى تحدديها أثناء اختبار الجينات البشريّة، خاصة أن التحرير الجينوميّ بالتشبع قد استُخدم بنجاحٍ في الماضي لتحديد أهداف من أجل تطوير الأدوية9، إلا أن البيانات المعمليّة وحدها لا يجب أن تُستخدَم كأساس لتقديم النصيحة الطبيّة، على الأقل إلى أن يتم التصديق على هذه المقاربة إكلينيكيًّا.

والسؤال الآن، هل يمكن استخدام مقاربة فيندلاي وزملائه في تحليل المتغيرات في أكثر من حوالي 20 ألف جينٍ آخر في الجينوم البشريّ؟ غالبًا الإجابة هي نعم فيما يخص الجينات المسؤولة عن الاستعداد الوراثي للإصابة بالسرطان، التي يتجاوز عددها المائة10، وتشمل الجينَين BRCA2، وTP53 اللذين سبقت دراستهما باستفاضة. ويُتَوَقَّع أنْ تبدل تلك المتغيرات غير الوظيفية لهذه الجينات من نمو الخلايا في المزارع، مما يتيح استخدام تعديلٍ لتجربة نسبة التكرار لفيندلاي وزملائه. إن المجهود المبذول في تطوير هذه التجربة لكل جين ضخمٌ للغاية، وربما سيبطئ من التطبيق المباشر للتحرير الجينوميّ بالتشبع في دراسة المتغيرات غير معروفة الأهمية. ورغم أن تطوير هذه التجارب لكل الإكسونات في جينات السرطان سوف يستنزف الوقت والمال، فإن النتائج قد تكون مذهلة لعلماء الوراثة السرطان. هذا، وتجب إتاحة تحليلات التحرير الجينوميّ بالتشبع الكبيرة لجينات السرطان للاستخدام العام في وقت قريب، حيث من الممكن أن يؤدي التحرير الجينوميّ بالتشبع إلى التعرف على الجينات المسؤولة عن الاستعداد للإصابة بالسرطان، التي لم تكن معروفة من قبل. وفي المقابل، سيصدِّق عليها الأطباء الإكلينيكيون البارعون.

إنّ بحث فيندلاي وزملائه المثير سيلفت أنظار الباحثين من مختلف مجالات علم الجينوم. وما زال من المنتظَر معرفة إلى أيّ مدى يمكن تطبيق مقاربة الباحثين في كل هذه المجالات، أو ما إذا كانت ستظلّ مجرد تطور مثير قاصر - في الأساس - على مجال السرطان فقط، أم لا. وعلى أيّ حال، من المفترض أن تساعد هذه الدراسة الباحثين على إدراك الآفاق التي يعد بها الطب الدقيق11

References

  1. Kuchenbaecker, K. B. et al. J. Am. Med. Assoc. 317, 2402–2416 (2017). | article
  2. Plon, S. E. et al. Hum. Mutat. 29, 1282–1291 (2008). | article
  3. Richards, S. et al. Genet. Med. 17, 405–423 (2015).  | article
  4. Findlay, G. M. et al. Nature 562, 217–222 (2018). | article
  5. Blomen, V. A. et al. Science 350, 1092–1096 (2015). | article
  6. Starita, L. M. et al. Am. J. Hum. Genet. https://doi. org/10.1016/j.ajhg.2018.07.016 (2018). | article
  7. Rehm, H. L. et al. N. Engl. J. Med. 372, 2235–2242 (2015). | article
  8. Spurdle, A. B. et al. Hum. Mutat. 33, 2–7 (2012).  | article
  9. Ma, L. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 114, 11751–11756 (2017).  | article
  10. Rahman, N. Nature 505, 302–308 (2014).  | article
  11. Collins, F. S. & Varmus, H. N. Engl. J. Med. 372, 793–795 (2015). | article

ستيفن جيه. تشانوك باحث في قسم علوم وبائيات وعلم وراثة السرطان، بالمعهد الوطنيّ للسرطان، التابع للمعاهد الوطنيّة للصحة، بيثيسدا، ميريلاند 20892، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: chanocks@mail.nih.gov