كتب وفنون

علم البيئة: غابة في سريرك

يستمتع ويليام فوستر بكتاب عالِم البيولوجي روب دان عن الكائنات الحية التي تعيش داخل منازلنا، وعلى أجسادنا.

ويليام فوستر

  • Published online:
صورة لحشرة بق الفراش تحت الفحص المجهري الإلكتروني.

صورة لحشرة بق الفراش تحت الفحص المجهري الإلكتروني.

Eye of Science/SPL

"لسنا وحدنا في المنزل": من الميكروبات إلى الديدان ألفية الأرجل، وصراصير الكهف، ونحل العسل، ينبثق التاريخ الطبيعي للمكان الذي نعيش فيه.

روب دان، بيزك (2018).

يدعونا عالِم البيولوجي روب دان إلى رحلة برية، يرصُد من خلالها الأحياء البرية التي تعج بها أجسادنا، وكل ركن في منازلنا. ويعتقد أن تلك الكائنات التي تنتشر حول سرة الإنسان، وتحت دش الاستحمام، تثير لدينا نوعًا من الدهشة كتلك التي يشعر بها معظمنا فقط لدى رؤية الكائنات التي تقطن منطقة فوهة نجورونجورو المحمية في تنزانيا، أو الحاجز المرجاني العظيم في أستراليا. ودان ليس مجرد معلِّق مُطلع ومسلٍّ، فهو بمثابة ديفيد أتينبارا مجال التنوع البيولوجي للكائنات الأليفة. وهو عالِم، توصلت مجموعته البحثية في جامعة ولاية كارولينا الشمالية بمدينة رالي الأمريكية إلى العديد من الاكتشافات الموصوفة في كتابه الرائع والمفيد "لسنا وحدنا في المنزل" Never Home Alone.

استخدم دان وزملاؤه مفاهيم وتقنيات علم البيئة المجتمعي؛ لسبر غور وظيفة نظام بيئي مُهمَل في الغالب؛ ألا وهو منزل الإنسان. ويثري بحثهم فهْمنا لوظيفة النظام البيئي، ويقدم لنا – بطريقة أكثر تشويقًا – لمحة عن كيفية تأثير تفاعلاتنا مع الكائنات الحية التي تعيش في المساكن العائلية على صحتنا ورفاهتنا. يتمحور الكتاب حول الموائل الفرعية في منازلنا، ألا وهي أجسادنا، وغُرَفنا، ومصادر المياه، وحيواناتنا الأليفة، وطعامنا. كما يتطرق إلى مجموعة مذهلة من الكائنات الحية، بداية من النبت الفطري الغني الذي ينمو فوق أيدي الخبازين، وصولًا إلى يرقات الذباب المتنوعة في مصارفنا.

ونكتشف كذلك أن صنابير دش الاستحمام الدافئة الرطبة هي بيئة مثالية لنمو الطبقات الحيوية التي تحتوي على تريليونات من البكتيريا، ومنها الأنواع المتفطرة "Mycobacterium" التي تضر بصحة الإنسان. إذ دعا دان وزملاؤه آلاف المتطوعين على مستوى العالم إلى إرسال عينات من دورات المياه الخاصة بهم. ووجد الباحثون، على سبيل المثال، أنه كلما تمت معالجة مصادر المياه بمواد كيميائية مُعَدَّة لقتل الميكروبات؛ ازدادت أعداد السلالات المسبِّبة للأمراض من المتفطرات. وقد أدركنا أن ثمة صلة قوية بين أعداد أنواع النباتات والفراشات في حدائقنا، وقوة مجتمع الميكروبات الموجود على بشرتنا؛ وأن بعض الصراصير الألمانية قد تطوَّر بحيث يستطعم الجلوكوز على أنه مادة مُرة المذاق، وبالتالي تجنَّب الطُعم المسموم. كما أدركنا أنه يمكن استخراج الدودة القلبية والبكتيريا النافعة من ميكروبيومات أمعاء الكلاب.

إنّ رسالة كتاب "لسنا وحدنا في المنزل" واضحة، وتتلخص في أن صحة النظام البيئي تعتمد على تنوعه البيولوجي. وهذا ينطبق على منازلنا، بقدر ما ينطبق على مستنقعات المانجروف الاستوائية. وهناك عاملان يشير دان إلى أهميتهما؛ الأول - وقد كان عن طريق الصدفة وحدها - يُرَجَّح أن يشتمل المنزل الذي يحتوي على المزيد من الأنواع الحية على المزيد من الكائنات العضوية (خاصة الميكروبات) التي تُعتبر أساسية في بث الحياة  في أجهزتنا المناعية. والثاني: يُرَجَّح أن يكون النظام البيئي الذي يحتوي على أوساط معينة مأهولة بالكامل بالأنواع المتنوعة، صامدًا ومقاوِمًا لغزو الآفات ومسبِّبات الأمراض.

إننا نخشى، لأسباب وجيهة، عدد قليل من الحشرات المنزلية التي يمكن أن تضر بنا، مثل القمل، والبكتيريا الفيلقية Legionella، لكنْ لا تعتبر جميع الطرق الكيميائية لمواجهتها دفاعًا فعالًا، إذ تجتث في طريقها آلاف الأنواع الأخرى، في حين يكتسب النوع المستهدَف مقاومةً سريعًا؛ وينمو مجددًا على البيئة الفارغة التي قدّمناها له دون تفكير. وتبدو هذه القصة مألوفة في سياق الإفراط في استخدام المضادات الحيوية، والمبيدات الحشرية، لكن يُعَد كتاب دان سبّاقًا في إلقاء الضوء عليها في سياق الحياة البرية المنزلية، من البكتيريا إلى بق الفراش.

ودان رجل ذو رؤية؛ إذ يعقد العزم على استقطاب آخرين إلى برنامجه البحثي، للبحث عن "صراصير الكهف" في أقبية المنازل، وإرسال عيِّنات من البكتريا التي تنمو تحت الإبط، أو سوس الوجه، أو بادئات العجين المخمر للفحص. وهو يدافع عن عِلْم المواطنين، طالما كان لدى المواطنين فضول واهتمام. إذ يبدأ الكتاب وينتهي بنموذج رائع لعالِم غير متخصص، هو رجل الأعمال الهولندي أنتوني فان ليفينهوك الذي عاش في القرن السابع عشر، وراد مجال الفحص المجهري، حيث كان له الفضل في اكتشاف البكتيريا والكائنات الأولية، فاتحًا بذلك آفاق علم الأحياء المجهرية. واكتشافات ليفينهوك - المستندة إلى المواد المتاحة بشكل يومي في منزله في مدينة دلفت، مثل اللعاب - والتساؤلات التي أثارتها فيه تلك الاكتشافات، تُلَخِّص الأفكار الواردة في كتاب "لسنا وحدنا في المنزل".

لقد عجز دان عن إقناعنا بحجة واحدة فقط من حججه، فهو يؤكد أن بعض الكائنات العضوية - مثل ذباب الفاكهة، وفئران المنازل – يمثل أهمية كبيرة، إما لأنه أنه أصبح يمثل الأنواع النموذجية الشهيرة لحيوانات المختبر، أو لاحتمال كونه مصدرًا للأدوية، كما هو الحال مع فطر البنيسيليوم. وهو يرى أنه من خلال فهم بيولوجيا "صراصير الكهف" المنزلية، على سبيل المثال - التي تتغذى على نظم غذائية ضعيفة - قد نتعلم طرقًا جديدة لتحليل وتكسير مواد مستعصية، مثل البلاستيك. وهذا صحيح إلى حد ما؛ لكن لا شيء من ذلك يعتمد على حقيقة وجود هذه الكائنات في المنازل؛ فعلماء البيولوجيا يجدون حيوانات مفيدة في كل مكان، من قنفذ البحر إلى سمكة الجريث، وضفدع القيطم.

وتُعتبر نتائج المشروعات الورادة في الكتاب ذات أهمية كبيرة، كما أن مجال البيوم المنزلي مجال ضخم. إن البشر أنواع متحضرة، وفي معظم المدن يتعدى مجموع مساحة أرضيات المنازل والشقق السكنية المساحة الأرضية البينية خارجها. وإذا أردنا خلق منظومة متناغمة مع الأنواع التي تعيش معنا، فنحن بحاجة إلى فهْم الكثير عنها.

أعتقِد أن هذا البحث له دلالة أكبر، حيث إننا سَلَّمْنا، منذ اشتعال الثورة الداروينية، بأننا – من منظور بيولوجي – ما إلا نوع واحد من بين ملايين الأنواع الأخرى، التي تخضع لقوانين التطور نفسها بموجب الانتقاء الطبيعي. ومع ذلك، ليس واضحًا تمامًا أننا سَلَّمْنا بالخضوع أيضًا للقوانين البيئية نفسها، إذ نعلم أنّ بإمكاننا السيطرة على النظم البيئية في العالَم، وتعطيلها، وتدميرها، لكننا عادة نتخيُّل أننا نفعل ذلك من داخل فقاعة شخصية محكمة الغلق. وبإعادة النظر إلى منازلنا وأنفسنا على أننا نظم بيئية، فنحن مضطرون إلى التفكير في كيفية التأقلُم مع المجتمع المعقد من الكائنات الحية التي تشاركنا حياتنا.

يقدم الكتاب رسالة أخيرة؛ مفادها أن لدينا علماء بيئة "بعيدي النظر"، (حسب مصطلح دان)، ممن يوجهون أنظارهم صوب النظم البيئية البعيدة، والساحرة لللغابات المطيرة والشعاب المرجانية، لكننا بحاجة أيضًا إلى علماء آخرين "قريبي النظر" ممن سيدرسون عن قرب المجتمعات الخفية جزئيًّا في منازلنا. وهذا الكتاب هو بمثابة صيحتهم في هذه المعركة. 

ويليام فوستر الأمين الشرفي لقسم الحشرات في متحف علوم الحيوان بجامعة كامبريدج في المملكة المتحدة، ومدير علاقات الخريجين بقسم علوم الحيوان، وزميل كلية كلير.

البريد الإلكتروني: waf1@cam.ac.uk