افتتاحيات

التقدم المُحرَز على صعيد مقاومة المضادات الحيوية

الإكلينيكيون والشركات والباحثون يجتمعون لاقتراح حلول لكسر الجمود فيما يتعلق بالتوصل إلى طرق أفضل لوصف العلاجات بالمضادات الحيوية.

  • Published online:

تتباين الروايات بشأن مدة الإجازة التي قضاها ألكسندر فليمنج في مكان بعيد عن مختبره في لندن، قبل أن يكتشف تأثير البنسلين. ربما كانت أسبوعين، أو أربعة أسابيع، لكن ما نعرفه يقينًا هو أنها كانت فترة طويلة بما يكفي لنمو عفن فطر البنسيليوم Penicillium الهائم الشهير، ومحوه لمستعمرات البكتيريا القابعة على أطباق بتري، التي كان فليمنج قد تخلص منها. هناك أشياء – ومن بينها نمو الحياة الميكروبية – لا يمكن تعجيلها بهذه البساطة.

واليوم، يتسبب هذا الأمر في مشكلة، حيث إن عملية تحديد العاملٍ المُعدي، ووصف المضاد الحيوي الأفضل له في غضون يوم عمل معتاد يمتد لثماني ساعات، هي مهمة أقرب إلى أن تكون مستحيلة؛ فالأمر يستغرق - بوجه عام - عدة أيام، وأحيانًا قد يستغرق ما يزيد على هذا. وكلما طال الوقت المستنفد قبل البدء في العلاج، يزداد الوقت المتاح للعدوى لكي تتمكن من المريض.

من المفهوم، إذَن، لماذا يفضِّل الأطباء عدم الانتظار. وتتمثل إحدى الطرق المستخدَمة لتسريع الأمور في الاعتماد على أفضل الاحتمالات أثناء التشخيص، ومن ثم مواجهة هذا الاحتمال بمضاد حيوي واسع المجال (أي مضاد حيوي يعمل على عدة أنواع من البكتيريا). ويمكن لهذه المنهجية أن تنقذ حياة المرضى، ولكنها تجلب معها مشكلاتها الخاصة. وتتنبأ منظمة الصحة العالمية بأنه ما لم يتم بذل جهود عاجلة، فإن انتشار البكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية سيؤدي إلى عودة ظهور حالات الوفاة الناجمة عن إصابات طفيفة، وحالات العدوى التي كانت تُعتبر في السابق حالات لا تمثل خطورة. 

تُعتبر الفترة الفاصلة بين شعور شخصٍ ما بالمرض وتلقيه علاجًا فعالًا هي الوقت المناسب لتركيز هذه الجهود العاجلة، حيث إن اختصار زمن تلك الفترة من شأنه أن يحدّ من عمليات وصف الأدوية غير الضرورية، وأن يقلل من انتشار المقاومة، والأهم من ذلك.. أنه سيمنح المرضى فرصة مثالية للتعافي.

سيتطلب تسريع هذه العملية تحقيق تقدم كبير فيما يُطلِق عليه علماء الأحياء الدقيقة «اختبار الاستجابة لمضادات الميكروبات». ويمكن تقسيم هذا الاختبار في الحالة القياسية إلى مرحلتين. في المرحلة الأولى، تقوم المختبرات باستنبات العامل المعدي، وتحديده، وفي الثانية تقوم بتوضيح المضادات الحيوية التي ربما تكون أكثر فعالية.

من الناحية النظرية، تتوافر التقنية اللازمة لتسريع كلتا المرحلتين، حيث إن التقدم المُحرَز في دراسات الجينوم يعني أن التحديد السريع لتسلسل الحمض النووي يمكنه تحديد نوع البكتيريا في غضون ساعات، ويمكنه أيضًا الكشف بسرعة ودقة عن مدى مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، وعن قابلية الإصابة بمرض السل (The CRyPTIC Consortium and the 100,000 Genomes Project N. Engl. Med. 379, 1403–1415; 2018).

ومع المزيد من التقدم المُحرَز، يمكن لهذه التقنية وغيرها من التقنيات الكشف عن النتائج خلال ساعة واحدة من سَحْب العينة من المريض. وهذا من شانه أن يغير قواعد اللعبة، ولكنه لم يحدث بعد.. لماذا؟ 

وإذا تحدثتَ إلى المعنيين – ومن بينهم أطباء، وباحثون، ومختبرات فحص، وهيئات تنظيمية، وشركات تجارية – فكلٌّ منهم سوف يقدم لك أسبابه الخاصة. نُشرت إحدى نتائج هذه المناقشات في الأسبوع الثالث من شهر أكتوبر الماضي على هيئة بيان تم التوصل إليه بالإجماع، يهدف إلى إيجاد أرضية مشتركة بشأن تحديد العقبات، والخروج بتوصيات للتغلب عليها (A. van Belkum et al. Nature Rev. Microbial. https://doi.org/10.1038/s41579-018-0098-9; 2018).

وقَّع على البيان مختصون ممثلون لمنظمات مختلفة، بدءًا من الشركة الفرنسية المتخصصة في تقنيات التشخيص «بيوميريو» bioMériux، حتى مبادرة البرمجة المشتركة بشأن مقاومة مضادات الميكروبات التابعة للمفوضية الأوروبية، وهي مبادرة تنسق بين برامج البحوث الوطنية. ويمثل هذا البيان علامة فارقة، وانتصارًا لجهود التعاون والتواصل من أجل المجتمع. والآن، يبدأ فعليًّا العمل الجاد، ألا وهو معالجة القضايا المطروحة على خريطة الطريق.

يتمثل أحد التحديات في وضع القواعد التنظيمية؛ فالمناطق والدول تميل عادةً إلى إعمال متطلبات وإجراءات خاصة بها فيما يتعلق باعتماد تسويق تقنيات التشخيص الجديدة، والتحقق من صلاحية هذه التقنيات بعد طرحها في الأسواق. ولذا.. فإن الشركات المُطَوِّرة تقع على عاتقها مهمة جسيمة، تتمثل في تلبية كافة أحجام الطلب المختلفة. ومن هنا، تنشأ الحاجة إلى التواصل، والتنسيق، وتوحيد المعايير. ولهذا.. يجب على صناع السياسات الجلوس إلى طاولة واحدة، والاتفاق على مجموعة قواعد مشتركة.

وتتعلق إحدى القضايا الأخرى بالكيفية التي تقوم من خلالها المؤسسات بجمع وتنسيق المعلومات المتعلقة بالسلالات المقاوِمة، ومدى فعالية المضادات الحيوية. وإذا أُتيحت هذه المعلومات بشكل فوري، وأُجريت تحليلات للمزيد من العينات؛ فسيصبح بالإمكان – كما يقول البيان – تطوير "اختبار ذكي لحساسية ومقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية (Smart antibiogram)"؛ لتوجيه الإجراءات العلاجية. ويمكن لهذا أن يقلل من وقت العلاج.. فتوفير هذا الوقت يعني إنقاذ حياة المرضى.

قد تمثل التكلفة العائق الأكبر؛ فاختبارات التشخيص الحالية قد تكون بطيئة، ولكنها رخيصة. كما أن تطوير تقنيات تشخيص حديثة، ووضعها قيد الاستخدام يتكلف أموالًا أكثر، إلا أن ذلك كله يمكن أن يتغير، حيث إن ارتفاع مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية قد يؤدي إلى تقويض الممارسة الإكلينيكية، وقطاع الرعاية الصحية بصورة جذرية، لدرجة تصبح معها غالبية العلاجات والتشخيصات المستخدَمة حاليًّا أساليب غير قابلة للاستعمال. وفي هذه الحالة، ما نعتبره الآن استثمارًا باهظ الكُلفة سيبدو استثمارًا رخيصًا بالمقارنة بهذا. ويجب على العالَم ألا ينتظر حدوث مثل هذه الظروف العصيبة؛ فصانعو السياسات يقولون مرارًا وتكرارًا إن هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات بشأن مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية، وقد استجاب المجتمع لهذا؛ وفتح المجال للمضي قدمًا.