أنباء وآراء

علم خواص المادة: مادة مُركَّبة تتحمّل الحرارة

أنتج العلماء مادة مميّزة، هي بمثابة مركّب من المعدن والسيراميك، يمكنها أن تساعد على تطوير الجيل القادم من محطات توليد الكهرباء، وقد تلعب دورًا أيضًا في علاج العالَم من إدمانه للوقود الأحفوري.

كريج تورشي
  • Published online:
الشكل 1 | محطة إيفانباه لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية في لاس فيجاس. إن محطات الطاقة الشمسية المركزة - مثل هذه المحطة - تقوم بتوليد الحرارة من خلال تركيز أشعة الشمس على برج مركزي باستخدام المرايا، ثم تُستخدم الحرارة لتشغيل دورات إنتاج الكهرباء؛ من أجل توليد الطاقة الكهربائية. وقد أعلن كاسيا وزملاؤه1عن مادة مركّبة من المعادن والسيراميك، مصمَّمة لتصنيع مبادلات حرارية تعمل عند درجات حرارة مرتفعة، وهي أجهزة لازمة لتمكين دورات إنتاج الكهرباء في محطات الطاقة الشمسية المركَّزة في المستقبل.

الشكل 1 | محطة إيفانباه لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية في لاس فيجاس. إن محطات الطاقة الشمسية المركزة - مثل هذه المحطة - تقوم بتوليد الحرارة من خلال تركيز أشعة الشمس على برج مركزي باستخدام المرايا، ثم تُستخدم الحرارة لتشغيل دورات إنتاج الكهرباء؛ من أجل توليد الطاقة الكهربائية. وقد أعلن كاسيا وزملاؤه1عن مادة مركّبة من المعادن والسيراميك، مصمَّمة لتصنيع مبادلات حرارية تعمل عند درجات حرارة مرتفعة، وهي أجهزة لازمة لتمكين دورات إنتاج الكهرباء في محطات الطاقة الشمسية المركَّزة في المستقبل.

 Ethan Miller/Getty

طُوّرت المواد المركّبة التي تجمع بين المعادن والسيراميك؛ من أجل استخدامها في العديد من التطبيقات المُختلفة، مثل سطوح للأدوات مقاوِمة للتآكل ، وأجزاء المُحركات، والمكونات الكهربائية، وحتى حشو الأسنان. وفي بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، أعلن كاسيا وزملاؤه1 عن مُركب من المعدن والسيراميك، له مجموعة من الخصائص تجعله مناسبًا لتطبيق مختلف تمامًا، وذلك في الأجهزة المعروفة بالمبادلات الحرارية، التي لا بد أن تعمل عند درجات حرارة مرتفعة في محطات توليد الكهرباء. وبتمكين الانتقال الحراري عالي الفعالية، قد تسمح المادة الجديدة بالوصول إلى عملية توليد للكهرباء فعّالة من حيث التكلفة، يتم تطويرها في الوقت الحالي على أساس حالة سائلة من ثاني أكسيد الكربون، يُعرف فيها بثاني أكسيد الكربون فوق الحَرِج.

إن المعادن ونوعيات السيراميك موجودة منذ قرون، ولكلٍّ خصائصه وتطبيقاته المميزة، فعلى سبيل المثال.. يتسم البرونز والحديد بقدر جيد من المقاوَمة للصدمات، كما يتميزان بمرونة كافية لتشكيلهما على هيئات معقدة، مثل الخوذات، وحَدْوات الأحصنة. أما السيراميك، مثل المواد التي تُستخدم في صناعة الفخار، فيمكن تشكيله على هيئات بسيطة، تتميز بمقاومتها للحرارة والتآكل. ولذلك.. فإن كلًّا من هاتين الفئتين من المواد وجدت طريقها إلى تطبيقات متباينة، وسارت كل منها لمدة طويلة على درب تكنولوجي منفصل.

في منتصف القرن العشرين، أدى اختراع المحركات النفاثة إلى ظهور الحاجة إلى مواد لديها مقاومة عالية للحرارة والتأكسد، ومقدرة على التعامل مع التغيرات السريعة في درجات الحرارة، وصلابة ميكانيكية ممتازة، تتجاوز خصائص المعادن المتاحة. ومَوَّلت القوات الجوية الأمريكية البحوث لصناعة مركّبات من السيراميك والمعادن، تتمتع بتلك الخصائص، وسُميت بـ"السِّيرْمِت". ومنذ ذلك الحين، طُورت مواد السيرمت لاستخدامها في تطبيقات متعددة، لكنها في أغلب الحالات استُخدمت لصناعة الأجزاء الصغيرة أو السطوح. أما الآن، فيُعلِن كاسيا وزملاؤه عن نوع من السيرمت، يستطيع تحمُّل درجات الحرارة القصوى، ودرجات الضغط العالية، والتدوير الحراري السريع.

ولتصنيع هذا النوع من السيرمت، بدايةً، أنتج الباحثون شكلًا أوليًّا، هو بمثابة مادة سالفة تحتاج إلى مزيد من المعالجة؛ لتتحول إلى الجسم النهائي المطلوب، فيما يماثل وعاء الفخار الذي لم يُعالَج بالنار بعد. وقام الباحثون بضغط مسحوق كربيد التنجستن (WC)؛ ليتخذ الشكل التقريبي للجسم المطلوب، وسَخَّنوه عند درجة حرارة 1400 درجة مئوية لمدة دقيقتين؛ لربط الجسيمات ببعضها البعض، ثم قاموا بتشغيل الجسم الأوّلِي المسامّي؛ للحصول على الشكل النهائي المرغوب.

وبعد ذلك.. سَخّن الباحثون الجسم الأوَلِي وسط أجواء مختزِلة كيميائيًّا (خليط يحتوي على 4% من الهيدروجين في الأرجون) عند 1100 درجة مئوية، وغمروه في وعاء من الزركونيوم والنحاس السائل (Zr2Cu) عند درجة الحرارة نفسها، وذلك قبل إزالته وتسخينه أخيرًا عند 1350 درجة مئوية. تجعل هذه العملية الزركونيوم يحلّ محل التنجستن في كربيد التنجستن، لينتج عن ذلك كربيد الزركونيوم (ZrC)، والتنجستن، والنحاس. ويُجبِر النحاس السائل على الخروج من مصفوفة كربيد الزركونيوم، بينما تتصلب المادة، بحيث يتكون الجسم النهائي من 58% من سيراميك كربيد الزركونيوم، و36% من معدن التنجستن، مع كميات صغيرة من بواقي كربيد التنجستن والنحاس. وتكمن روعة هذه الطريقة في كون الجسم الأوّلِي المسامّي يتحول إلى مركّب غير مسامّي مكوَّن من كربيد الزركونيوم والتنجستن، وله الأبعاد نفسها (التغيّر الإجمالي في الحجم 1-2% تقريبًا).

وتُعَد الخصائص القوية للمنتَج النهائي مُكمّلة لطريقة التصنيع الذكية تلك. وقد وجد كاسيا وزملاؤه أنه عند 800 درجة مئوية، يستطيع سيرمت كربيد الزركونيوم والتنجستن توصيل الحرارة على نحو أفضل بـ2.5 إلى 3 مرات من السبائك القائمة على الحديد أو النيكل، والمستخدَمة حاليًّا في المبادلات الحرارية التي تعمل عند درجات حرارة مرتفعة، وهو الأمر الذي من شأنه أن يُحسِّن من كفاءة هذه الأجهزة. وإضافة إلى ذلك، فإن القوة الميكانيكية لسيرمت كربيد الزركونيوم والتنجستن تكون أعلى منها في السبائك القائمة على النيكل، التي تُستخدم عادة في التطبيقات التي تعمل عند درجات الحرارة المرتفعة، كما أنها لا تتأثر بدرجات الحرارة حتى 800 درجة مئوية على الأقل، حتى عندما كان السيرمت قد خضع قبل ذلك إلى 10 دورات من التسخين والتبريد بين درجة حرارة الغرفة، وعند 800 درجة مئوية. أما سبائك الحديد (الفولاذ المقاوِم للصدأ)، وسبائك النيكل، فتفقد 80% أو أكثر من صلابتها عند درجات حرارة بين 500 و800 درجة مئوية2.

تقوم مبادلات الحرارة بنقل الطاقة الحرارية الناتجة عن محطة توليد للكهرباء إلى سائل التشغيل في محرك حراري (توربين بخاري مثلًا) يحوّل الحرارة إلى طاقة ميكانيكية. والطاقة الميكانيكية تُستخدم بدورها في توليد الكهرباء. تُعرف العملية الكلية لتحويل الحرارة إلى كهرباء بدورة إنتاج الكهرباء. وتعمل وزارة الطاقة الأمريكية حاليًّا - جنبًا إلى جنب مع شركائها الصناعيين - على بناء مرفق اختبارات بقدرة 10 ميجاوات لدورة إنتاج الكهرباء التي تَستخدِم ثاني أكسيد الكربون فوق الحرج، باعتباره سائل التشغيل (انظر: go.nature.com/2pi50mt). وتَعِد دورة إنتاج الكهرباء هذه بأنْ تصبح لمحطات توليد الكهرباء المستقبلية تكاليف أقل، ومستوى أعلى من الكفاءة، مقارنة بدورات إنتاج الكهرباء المستخدَمة حاليًّا، لكنها تتطلب مبادلات حرارية عالية الكفاءة. ويركّز بحْث كاسيا وزملائه على المبادلات الحرارية التي يمكن أن تُستخدم في دورة إنتاج الكهرباء هذه في محطات الطاقة الشمسية المُركّزة (التي تَستخدِم أشعة الشمس المُركّزة بالمرايا؛ لتوليد الكهرباء؛ الشكل 1)، لكن المبادلات الحرارية يمكن استخدامها أيضًا في محطات الطاقة النووية المتقدمة، ومحطات توليد الكهرباء من حرق الوقود الأحفوري.

ويتعلق واحد من التحديات التقنية التي ينبغي التعامل معها بقدرة السيرمت الجديد على مقاومة التأكسد، حيث إن المادة مُعرضة للتأكسد في الهواء عند درجات حرارة مرتفعة، كتلك التي يمكن التعرض لها في المبادل الحراري بمحطة توليد للكهرباء. ويُعد ثاني أكسيد الكربون فوق الحرج عاملًا مؤكسدًا ضعيفًا، لكنه يظل قادرًا على إحلال السيرمت. وقد أعلن كاسيا وزملاؤه أن تأكسد السيرمت يمكن منعه لمدة تصل إلى ألف ساعة عند 750 درجة مئوية، وضغط عالٍ (قدره 20 ميجا باسكال)، عندما يتم طلاء المادة بطبقة رقيقة من النحاس، وأيضًا إذا تم خلط كمية صغيرة من أول أكسيد الكربون (50 جزءًا من المليون) بثاني أكسيد الكربون فوق الحرج. ومع ذلك.. يظل من الضروري إثبات متانة المادة على المدى الطويل.

وأخيرًا، تُشير التقديرات الأولية لمؤلفي البحث إلى أن التكلفة المُجمعة للمواد الأولية والمعالجة المطلوبة لتصنيع مبادل حراري من سيرمت كربيد الزركونيوم والتنجستن ستكون أقل من تلك المستخدَمة في تصنيع مبادل حراري مماثل من سبيكة نيكل تقليدية. وإضافة إلى ذلك.. فإن الجهاز المصنوع من السيرمت من شأنه أن يوفر ضِعف كثافة الطاقة الكهربائية، أي أن حجمه يمكن أن يكون نصف نظيره المصنوع من سبيكة النيكل. واستخدام مثل تلك المبادلات الحرارية قد يساعد على خفض تكاليف الطاقة الشمسية المُركّزة المتجددة؛ ما يجعلها منافِسة اقتصاديًّا للطاقة الكهربائية المستمَدة من الوقود الأحفوري.

References

  1. Caccia, M. et al. Nature 562, 406–409 (2018). | article
  2. ASME Boiler & Pressure Vessel Code, Section II, Part D (2013). 

كريج تورشي من أفراد مجموعة العلوم الحرارية بالمختبر الوطني للطاقة المتجددة، جولدن، كولورادو 80401، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: craig.turchi@nrel.gov