أخبار

مِسبارا عطارد يبدآن رحلة السبعة أعوام

«بيبي كولومبو».. مهمة أوروبية يابانية مشتركة، وهي المهمة الثانية فقط التي تتوجه نحو الكوكب.

دافيديه كاستيلفيكي
  • Published online:
رسم توضيحي للمركبة الفضائية "بيبي كولومبو" أثناء فحصها لكوكب عطارد.

رسم توضيحي للمركبة الفضائية "بيبي كولومبو" أثناء فحصها لكوكب عطارد.

Illustration: ESA/ATG. Mercury: NASA/JPL

منتصف الشهر الماضي، تم تجهيز صاروخ أوروبي؛ لإطلاق المهمة الأكثر صعوبةً على الإطلاق إلى كوكب عطارد، شقيق الأرض في المجموعة الشمسية، الذي كان مهمَلًا في الماضي. تُعَد هذه الرحلة الاستكشافية - التي تكلفت 1.6 مليار يورو (1.85 مليار دولار أمريكي)، وتحمل مركبتين مداريتين آليتين - من بين المهمات الأعلى تكلفةً التي قامت بها وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) حتى الآن، وتشمل أكبر إسهام يابانيّ في تعاون دوليّ في الفضاء.

وقد أقلعت مركبة الفضاء «بيبي كولومبو» BepiColombo في الساعات المتأخرة من يوم 19 أكتوبر - حسب الجدول الزمني الموضوع - من ميناء كورو الفضائي في جويانا الفرنسية، فوق مركبة حمل ثقيل من طراز «أريان 5» Ariane 5، للانطلاق في رحلةٍ طولها سبع سنوات إلى كوكب عطارد. ومن المفترض عند وصولها إلى هناك أنْ تطلِق مسبارين في مدار الكوكب، هما: مركبة عطارد المدارية (MPO)، التي قامت ببنائها وكالة الفضاء الأوروبية، والمركبة المدارية للغلاف المغناطيسي لعطارد، التي أُطلق عليها اسم MIO، وقامت ببنائها وكالة استكشاف الفضاء اليابانية «جاكسا» JAXA.

وسوف تستكشِف المركبتان الجوانب الغامضة من هذا الكوكب الأصغر في المجموعة الشمسية (انظر: "رحلة إلى عطارد"). ولطالما اعتُقِد أن عطارد مكان ساكن وممل، لكن في الأعوام الأخيرة كشف عن مفاجآت عديدة، بدءًا من مجاله المغناطيسي غير المعتاد، إلى رواسب المياه الجليدية في بعض فوهاته.

كبر الصورة

ظهر تصور مركبة «بيبي كولومبو» للمرة الأولى في التسعينيات، وقد مرت بمراحل تطوير طويلة ومعقدة، بحسب قول يوهانس بنخوف، كبير علماء المشروع، وعالِم فيزياء الكواكب في وكالة الفضاء الأوروبية في نوردفيك بهولندا. "إنها لحظة عظيمة"، كما يقول بنخوف، الذي استمر في العمل على «بيبي كولومبو» لما يقرب من 15 عامًا. ويضيف قائلُا: "الآن ستصبح حقيقة".

يقع كوكب عطارد في عمق بئر جاذبية الشمس، ما يجعل الوصول إليه صعبًا؛ إذ تضطر المركبة الفضائية إلى فقدان معظم الزخم الذي تكتسبه من الحركة المدارية للأرض، كي تتمكن من السقوط نحو الشمس، لكنْ عليها أيضًا ألا تتجاوز الهدف. ونتيجة لهذا.. يَستهلِك السفر إلى عطارد كمية من الطاقة تفوق بثماني مرات طاقة السفر إلى المريخ، كما تتطلب وقتًا أكثر بكثير. وسوف تستخدم «بيبي كولومبو» منظومات دفع أيوينة متقدمة، تعمل بالطاقة الشمسية، ومصحوبة بمساعدات جاذبية من مجموع تسعة مسارات تحليق قريبة من الأرض، والزهرة، وعطارد ذاته.

وإضافة إلى ذلك.. يكون ضوء الشمس أشد عشر مرات عند عطارد منه في الفضاء الخارجي قرب الأرض، وتصل درجات حرارة سطح الكوكب الخالي تقريبًا من أي غلاف جوي إلى 400 درجة مئوية. وقد جعلت كل هذه العوامل عطارد الكوكب الأقل استكشافًا من بين الكواكب الأربعة الداخلية للمجموعة الشمسية.. فالمسبار الآخر الوحيد الذي دخل مداره من قبل كان «مسنجر» MESSENGER، التابع لوكالة ناسا، والذي درس الكوكب في الفترة من عام 2011 إلى 2015. وقد قام مسبار فضائي أقدم تابع لوكالة ناسا، هو «مارينر 10» Mariner 10، بعدة رحلات منخفضة بالقرب من عطارد في عام 1974، دون دخول مداره.

وقد سُميت المهمة الجديدة على اسم جوزيبي "بيبي" كولومبو، العالِم الإيطالي الراحل، الذي دَرَس كوكب عطارد، ووضع تصورًا لمسار مساعد الجاذبية الخاص بمسبار «مارينر 10». وسوف تكون لمركبتَي MPO، وMIO أولوياتهما العلمية الخاصة، إذ سوف تركز MIO على البيئة حول عطارد، وبالأخص المجال المغناطيسي، وتفاعله مع الرياح الشمسية. أما مركبة MPO، فسوف تعمل بصورة رئيسة على مسح ورسم خرائط لسطح الكوكب، باستخدام أدوات يمكنها تحليل معظم الطيف الكهرومغناطيسي، بالإضافة إلى النيوترونات التي يمكنها الكشف عن التركيب الكيميائي لقشرة الكوكب. وسوف تدرس أيضًا مجال الجاذبية، ومن خلاله.. اللب الحديدي الكبير بشكل غير معتاد للكوكب، وتختبر بعض التنبؤات الدقيقة لنظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين.

فرص كبيرة

"إن الشيء المثير حقًّا حول MPO هو ارتفاعها المداري المنخفض"، كما تقول نانسي شابوت، عالمة الكواكب بمختبر الفيزياء التطبيقية في جامعة جونز هوبكينز في لوريل بولاية ميريلاند، التي كانت من كبار علماء مهمة «مسنجر». وسوف يتيح هذا لمركبة MPO رسم خرائط للسطح بالكامل باستبانة عالية. كما قد تتعرف على الفوهة، البالغ عرضها 16 مترًا، التي صنعها مسبار «مسنجر» عند سقوطه على سطح الكوكب في نهاية مهمته؛ مخلفًا - على الأرجح - طبقات مثيرة ومكشوفة من الصخور، كما تقول شابوت.

وقد وجدت شابوت وزملاؤها أدلة دامغة على وجود ترسبات جليدية في المناطق أبدية الظلال من بعض الفوهات بالقرب من القطب الشمالي. وقد يحفز المزيد من الدراسات لتلك الفوهات - بما في ذلك بعض تلك التي قد توجد عند القطب الجنوبي – التخطيط لمهمة مستقبلية، مع إمكانية اصطحابها إلى مركبة فضائية. تقول شابوت، وهي جزء من مجموعة عمل سوف تحاول إثبات الجدوى العلمية لمهمة كهذه: "إن الهبوط إلى السطح هو الخطوة التالية".

وفي الوقت نفسه، سوف تستمر مركبة MIO في الدوران؛ للحصول على رؤية كاملة لسماء الغلاف المغناطيسي لعطارد، والجسيمات التي تهب حوله، كما يقول عالِم مشروع MIO، جو موراكامي، وهو عالم كواكب بمعهد وكالة «جاكسا» لعلوم الفضاء والملاحة الفلكية في ساجاميهارا، الذي يضيف قائلًا: "يمكن للمجسّات المستخدمة للجسيمات أن تغطي مجال الرؤية تقريبًا بالكامل". وقد تكون الرياح الشمسية الشديدة حول عطارد مشابِهة للرياح النجمية حول الكواكب التي تدور بالقرب من الأقزام الحمراء الأبرد نسبيًّا، وهي النجوم الأكثر انتشارًا في مجرة درب التبانة. ولذا.. قد تساعد دراسة عطارد العلماء في معرفة الشروط التي قد تكون مواتية للحياة على الكواكب خارج المجموعة الشمسية، كما يقول موراكامي. وقد صمم مسبارا «بيبي كولومبو» على أن يستمرا على الأقل عامين في المدار، رغم إمكانية مَدّ مهمّتهما لفترة أطول قليلًا، لكنْ عاجلًا أو آجلًا، سوف تنال منهما الحرارة، كما يقول بنخوف، الذي يضيف قائلًا: "إن وقتنا محدود.. فبيئة عطارد قاسية".