تحقيق إخباري

قوة الأغلبية

التنبؤات الصحية المبنية على التكوين الجينومي البشري تحقق قفزة هائلة، بيد أن "درجات المخاطر متعددة الجينات" لا تزال محط جدل كبير.

ماثيو وارين

  • Published online:

NIK SPENCER/NATURE

يبحث سيكار كاثيريسان كم هائل من البقع الموجودة على الجينوم البشري، يصل عددها إلى "6.6" مليون بقعة، لحساب مدى احتمال إصابة أحد الأشخاص بمرض الشريان التاجي. وجد كاثيريسان أن توليفات معينة من الاختلافات في الحروف المفردة للحمض النووي بين شخص وآخر - في تلك المواقع المختارة - يمكن أن تساعد على التنبؤ بما إذا كان الشخص سيصاب بأحد الأسباب الرئيسة للوفاة على مستوى العالم، أم لا. ولا يعلم أحد بالضبط ماهية العمل الذي تقوم به غالبية الحروف تلك (A، وC، وT، وG). غير أنه كاثيريسان يرى أنه: "يمكنك تصنيف الأشخاص وفق مسارات واضحة للإصابة بالنوبات القلبية، وذلك بناءً على شيء يظل ثابتًا منذ الولادة".

وكاثيريسان - وهو عالِم متخصص في علم الوراثة بمستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن – هو ليس وحده المشغول بحصر أعداد كبيرة للغاية من المتغايرات. وتُعَد درجات المخاطر متعددة الجينات التي وضعها جزءًا من نهج متطور في عملية البحث عن العوامل الوراثية التي تسهم في الأمراض الشائعة. وعلى مدار العقدين الماضيين، كافح الباحثون لتفسير إمكانية توريث الحالات المرضية، بما في ذلك أمراض القلب، والسكري، والفصام. وتجمع درجات المخاطر متعددة الجينات الإسهامات الصغيرة، بل ومتناهية الصغر أحيانًا، لعشرات إلى ملايين البقع على الجينوم، لتقدِّم بعض أقوى أساليب التشخيص الجيني المتوفرة إلى الآن.

وقد انطلق هذا النهج بفضل عدد من الدراسات الجماعية التي تتمتع بموارد كافية، وكذلك مستودعات البيانات الكبيرة، مثل البنك الحيوي البريطاني (UK Biobank)، (انظر الصفحات 194، و203، و210 من العدد رقم 562 من الطبعة الدولية لدورية Nature)، الذي يجمع كميات هائلة من المعلومات المتعلقة بالصحة - إلى جانب بيانات الحمض النووي - من مئات الآلاف من الأشخاص. وقد تمكنت دراسات نُشرت خلال العام الماضي تقريبًا من دراسة أكثر من مليون مشارك، عن طريق دمج المعلومات الواردة من تلك المصادر، وهو الأمر الذي من شأنه زيادة قدرة العلماء على رصد الآثار الطفيفة.

يقول المؤيدون إن درجات المخاطر متعددة الجينات يمكن أن تكون الخطوة الكبيرة القادمة في الطب الجينومي، لكنْ هذا النهج أثار جدلًا بالغًا. إذ يطرح بعض البحوث مآزق أخلاقية متعلقة بكيفية استخدام تلك الدرجات في التنبؤ بالأداء الأكاديمي، على سبيل المثال. ويشعر النقاد أيضًا بالقلق إزاء الكيفية التي سيفسر بها الناس المعلومات المعقدة، والمبهمة أحيانًا، التي تتمخض عنها الاختبارات. ونظرًا إلى أن البنوك الحيوية الرئيسة تفتقر إلى التنوع العرقي والجغرافي، فإن الحصيلة الراهنة من أدوات الفحص الجيني ربما تستطيع التنبؤ بحالات المجموعات السكانية المُمثَّلة في قواعد البيانات فقط.

ومن جانبه، يقول مارك مكارثي، وهو عالِم وراثة بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة: "يحرص معظم الأشخاص على خوض نقاش محترم حول هذا الموضوع، لكونه يثير جميع أنواع القضايا اللوجستية، والاجتماعية، والأخلاقية". ورغم ذلك، فإن درجات المخاطر متعددة الجينات تسابق الخطى حاليًّا نحو العيادات، ويتم عرضها بالفعل على المستهلكين من قِبل شركة أمريكية واحدة على الأقل.

أما بيتر فيشر، عالِم الوراثة بجامعة كوينزلاند في أستراليا، الذي راد المناهج والأساليب التي يستند إليها هذا الاتجاه، فيشعر بتفاؤل كبير حيال ذلك النهج، لكنه لا يزال مندهشًا من سرعة تقدمه. ويقول: "إنني مقتنع تمامًا أنه سيتحقق في وقت أقرب مما نتصور".

حساب المخاطر

عندما أكمل الباحثون المسودات الأولى للجينوم البشري في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، توقع الكثيرون أن يكون ذلك إيذانًا ببدء ثورة في الطب. ومن ثم، شرع علماء الوراثة في البحث عن الاختلافات التي ربما تفسر السبب وراء إصابة شخص ما بمرض السكري، أو أمراض القلب، بينما لا يصاب آخر بأيٍّ من ذلك. وكانت الفكرة ببساطة هي مقارنة مجموعة من الأشخاص المصابين بالمرض بمجموعة أخرى لا تعاني منه، والبحث عن الاختلافات في الحمض النووي لكلتا المجموعتين. ظهرت الاختلافات عمومًا في شكل مبادلات بين أحرف الحمض النووي، وهو ما يعرف باسم تعدُّدات أشكال النيوكليوتيدات المفردة، أو اختصارًا SNPs. فإذا كان الأشخاص المصابون بحالةٍ مرضية ما لديهم الحرف T في مكان معين، في حين كان لدى الآخرين الحرف C في المكان نفسه، فسيشير ذلك إلى أن تعدُّد أشكال النيوكليوتيدات المفردة كان مرتبطًا بذلك المرض بشكل أو بآخر.

وقد أصبحت دراسات الارتباط على نطاق الجينوم، أو ما أصبحت تُعرف اختصارًا باسم GWASs، شائعة للغاية، لكنْ بعد سنوات من البحث، لا يزال كل ما بإمكان العلماء أن يفسروه هو جزء صغير فقط من خطر التعرض الوراثي للأمراض الشائعة. وقد اتضح أن معظم تلك الحالات المرضية كانت مرتبطة بأعداد من تعدُّد أشكال النيوكليوتيدات المفردة تفوق بكثير ما كان يتوقعه العلماء في البداية، حسب ما يقول علي تركماني، عالِم الوراثة بمعهد سكريبس للأبحاث في لاهويا بولاية كاليفورنيا.

والأسوأ من ذلك، أن أغلبية المتغايرات قد أضفت خطرًا صغيرًا جدًّا، لا يمكن اكتشافه إلا عند مسح مجموعات هائلة من البشر. يقول إيوان بيرني، مدير المعهد الأوروبي لنُظُم المعلومات الحيوية في هينكستون بالمملكة المتحدة: "لم يكن لدينا حجم العينة المطلوب حقًّا للتوصل إلى تنبؤ بالجودة التي كان يَعتقِدها – بسذاجة - بعض الناس". وقبل عام 2007، كان القلق يساور علماء الوراثة بشأن ما أطلقوا عليه اسم "التوريث المفقود". كان واضحًا أن العديد من تلك الحالات المرضية يحتوي على جانب وراثي، لكن يبدو جليًّا أن دراسات الارتباط على نطاق الجينوم لم تكن قادرة على فهم الكثير منه.

أما اليوم، فالأمور تتغير. فمع القدرة على الوصول إلى مجموعات ضخمة من البيانات، فضلًا عن التقدم المُحرَز في كيفية تحليل البيانات، يتحسن أداء العلماء الآن في قياس تلك المخاطر الصغيرة جدًّا، كما يقول كاثيريسان.

ولعل خير مثال على ذلك، الأسلوب الذي استخدمه كاثيريسان للوصول إلى درجة تعدُّد أشكال النيوكليوتيدات المفردة، البالغة 6.6 مليون، التي نشرها في شهر أغسطس الماضي1. وقد استمد هو وفريقه البيانات من تحليل إحصائي شمولي أُجري في عام 2015، جمع 48 من دراسات الارتباط على نطاق الجينوم، ضَمَّت 61 ألف شخص من المصابين بمرض الشريان التاجي، إلى جانب مجموعة ضابطة2 ضَمَّت 120 ألف شخص. ثم، اختبر الباحثون أداة التنبؤ متعددة الجينات الخاصة بهم على 290 ألف شخص في البنك الحيوي البريطاني؛ ووجدوا أن الأشخاص الذين كانت درجاتهم في مجموعة النسب المئوية القصوى كانوا أكثر عرضة للإصابة بالمرض بعدة مرات - في المتوسط - من باقي أفراد المجموعة السكانية (انظر: "أدوات التنبؤ متعددة الجينات"). ومن بين الأشخاص الذين حصلوا على أعلى الدرجات، والذين بلغ عددهم 23 ألف شخص، كان 7% مثلًا مصابين بمرض الشريان التاجي، مقارنة بنسبة 2.7% من المجموعة المتبقية. وأجرى الفريق تحليلات مماثلة لأربعة اضطرابات أخرى، من بينها مرض الالتهاب المعوي، وسرطان الثدي، مع القيام كل مرة بتحديد مجموعة، كانت درجات أفرادها في مجموعة النسب المئوية القصوى، وكانوا بوجه خاص أكثر عرضة للخطر.

كبر الصورة

كبر الصورة

Sources: Ref. 1 and Ref. 5

وقد أثنى على البحث بعض الباحثين، كونه إثباتًا لحقيقة أن درجات المخاطر متعددة الجينات يمكن مبدئيًّا استخدامها في العيادات. وتضاهي قدرة تلك الدرجات على تحديد الفئات المعرضة بشكل عالٍ للخطر - حسبما يقول كاثيريسان - التدابير الراهنة المستخدَمة لقياس الخطر في مجال الطب. ويضيف: "ما لديك في الأساس هو عامل خطورة جديد لمرض الشريان التاجي".

تَصَدَّر عمل كاثيريسان العناوين الرئيسة للصحف، كما أثار بعض الجدل، نظرًا إلى العدد الهائل من المتغايرات المدرَجة في درجة المخاطر. وفعليًّا، يسهم جزء صغير فحسب من تعدُّد أشكال النيوكليوتيدات المفردة تلك - البالغة 6.6 مليون - في عملية التنبؤ، كما يقول المتخصص في الإحصاء الحيوي، نيلانجان شاتيرجي، من كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة في بالتيمور بولاية ميريلاند، الذي لم يشارك في الدراسة. ويرجع ذلك إلى الطريقة التي يتم بها حساب تلك الأنواع من الدرجات، حيث يتم إدخال البيانات الخاصة بجميع المتغايرات في خوارزمية، ما يمنح عاملًا ترجيحيًّا لكل متغاير، وفقًا لمدى قوة صلته بالمرض. وفي الواقع، لن يشكل معظمها سوى خطر ضئيل، أو ربما لا يكاد يُذكر.

يقول العديد من الباحثين - بمن فيهم شاتيرجي - إنه إذا تم إدراج كثير من المتغايرات ذات التأثير الضئيل، فإن ذلك ليس بالأمر المهم، لكنْ هناك باحثون آخرون يساورهم القلق من إمكانية أن يقوض تضمين ملايين المتغايرات التي لا تفعل أي شيء ثقة الجمهور في الدرجات. وتقول سيسيل جانسنز، وهي عالمة أوبئة بجامعة إيموري في أتلانتا بولاية جورجيا، إنها ليست منبهرة بالدراسة. ومن الأمور التي تثير قلقها أن ملايين المتغايرات المستخدَمة لحساب النتيجة النهائية لم تحسن الأداء بدرجة كبيرة، مقارنة بدرجةٍ تم الحصول عليها من 74 فقط من تعدُّد أشكال النيوكليوتيدات المفردة الأقوى صلة بالمرض. فإذا كانت تلك الأنواع من الدرجات سوف تستخدم إكلينيكيًّا، حسبما تقول، "فإن مصداقية الدرجة تكون مهمة أيضًا".

مسار العمل

في حين ركّزت دراسة كاثيريسان – في الأساس - على المخاطر الوراثية، تبحث دراسات أخرى حاليًّا في كيفية أن تكون درجات المخاطر متعددة الجينات مكملة للتدابير الراهنة المستخدَمة لقياس الخطر. في عام 2013، وجد سامولي ريباتي، وهو عالم وراثة إحصائية في جامعة هلسنكي، أن الجمع بين إحدى درجات المخاطر متعددة الجينات وعوامل الخطر التقليدية لمرض الشريان التاجي، مثل مؤشر كتلة الجسم العالي، وضغط الدم المرتفع، قد أسهم في تحسين التنبؤات الخاصة بمَن سوف يصاب بالمرض3. كما تمكَّن ريباتي أيضًا من تحديد مجموعة من الأشخاص ذوي درجات مخاطر وراثية عالية، لولاها لكانوا قد اعتبروا فقط من المعرضين لدرجة خطورة متوسطة. ويقول ريباتي إن هذه القدرة على التعرف على أفراد بعيدين عن الأنظار هي أكبر فائدة يمكن الحصول عليها من درجات المخاطر متعددة الجينات.

كما يمكن لدرجات المخاطر الوراثية أيضًا تحسين نظم فحص أمراض مثل سرطان الثدي. ففي الولايات المتحدة، تُنصح النساء حاليًّا بالبدء في إجراء تصوير الثدي الشعاعي من سن 50 عامًا، لكن إذا أمكن التعرف على النساء الأصغر سنًّا المعرَّضات للخطر، فإنهن قد تستفدن من الفحص المبكر. وفي عام 2016، طوَّر شاتيرجي نموذجًا لسرطان الثدي، يجمع بين كل من عوامل الخطر التقليدية، ودرجة المخاطر متعددة الجينات، التي تم حسابها من خلال حوالي 90 من تعدُّد أشكال النيوكليوتيدات المفردة4. وعلى أساس تلك الدرجات، تنبأ شاتيرجي بأن 16% من النساء اللاتي تبلغن من العمر 40 عامًا تتعرضن لخطر يعادل ما تتعرض له المرأة العادية ذات الـ50 عامًا، ما يشير إلى أنه من الممكن لهؤلاء النساء أن تستفدن من عمليات الفحص، ابتداءً من سن الأربعين. ويختبر الفريق حاليًّا نموذجه على مجموعات بيانات أخرى، ولعدد أكبر من تعدُّد أشكال النيوكليوتيدات المفردة؛ لمعرفة ما إذا كانت التنبؤات في محلها، أم لا.

في الوقت ذاته، بدأت شركة «ميرياد جينيتكس» Myriad Genetics للطب الشخصي في سولت ليك سيتي بولاية يوتا بالفعل في إدراج درجة المخاطر متعددة الجينات لسرطان الثدي في النتائج التي تقدمها إلى بعض النساء. فقد اتضح أن حوالي 10% فقط من النساء اللاتي لديهن تاريخ عائلي من الإصابة بسرطان الثدي تمتلكن واحدة من طفرات الجين المفرد الضارة المرتبطة بالمرض. وعليه، فإن الشركة حاليًّا بصدد إعادة الدرجات إلى نسبة الـ90% المتبقية من النساء، حيث تفيد هذه الدرجات باحتمال إصابتهن بسرطان الثدي، وفقًا لمزيج من المخاطر متعددة الجينات، وعوامل أخرى، مثل التاريخ المرضي، ونمط الحياة. يقول جيري لانشبري، كبير الموظفين العلميين بشركة «ميرياد»، إن واحدة من مزايا الدرجات تتمثل في أنها تقدم نتيجة للجميع. ورغم أن التركيز ينصب حاليًّا على تحديد النساء المعرضات لخطر عالٍ، فهو يرى أنه في المستقبل سوف تُستخدم تلك الدرجات لتحديد النساء المعرضات لخطر أقل من المتوسط، واللاتي قد تستفدن من تقليص معدل إجراء تصوير الثدي الشعاعي. يقول لانشبري: "إننا على أعتاب الدخول إلى عالَم يمكنك فيه توفير نتيجة طبية شخصية دقيقة للجميع".

الإحصاءات تقول كل شيء

واحدة من أوجه قصور درجات المخاطر متعددة الجينات هي أنها تتجاهل عِلم الأحياء لصالح عِلم الإحصاء. وجدير بالذكر أن درجات المخاطر متعددة الجينات وحدها لن توفر الكثير من الفهم لتطوير الأدوية، لكنْ يمكن للدراسات أن توفر نقطة انطلاق للغوص في المتغايرات الفردية، ومعرفة أيٍّ من الجينات تؤثر عليها، والآليات التي قد تؤدي إلى الإصابة بالمرض.

وسوف يأتي جزء من هذا الفهم من خلال إزالة الغموض عن مسألة أي من المتغايرات ينتِج في الواقع سمة أو مرضًا معينين، وأي منها ليس له دور. وليس بالضرورة أن يكون تعدُّد أشكال النيوكليوتيدات المفردة المرتبط بأحد الأمراض هو سبب الإصابة بهذا المرض، بل إن الأمر يمكن أن يتمثل ببساطة في أن المتغاير يتم توريثه عادة جنبًا إلى جنب مع جزء آخر من الجينوم، يشارك بشكل مباشر في الأمر. وعلى سبيل المثال، يُقدِّر كاثيريسان أن حوالي 6 آلاف فقط من تعدُّد أشكال النيوكليوتيدات المفردة خاصته، البالغ عددها 6.6 مليون، ترتبط ارتباطًا سببيًّا بمرض الشريان التاجي. وكلما زادت أحجام العينات، يصبح فصل تلك المتغايرات عن بعضها أسهل، حسبما يقول مكارثي.

ولا يزال هناك أيضًا جزء كبير من المخاطر الوراثية، لا يتسنى للدراسات الحالية تفسيره. وحسب تقدير ريباتي، تعود نسبة تتراوح بين 30، و50% من خطر الإصابة بالعديد من الأمراض الشائعة إلى عوامل وراثية، أما الجزء الأكبر من النسبة المتبقية، فيتحدد بالعوامل البيئية، لكنّ مشكلة التوريث المفقود تظل قائمة، فبحكم التجربة، يمكن لدراسات الارتباط على نطاق الجينوم في الوقت الحالي أن تفسر نسبة تقريبية تتراوح بين الثلث والثلثين من المخاطر الوراثية للإصابة بالأمراض، حسب قول فيشر. ومع ازدياد أحجام العينات، سيجد الباحثون - في الغالب – المزيد من المتغايرات التي تسهم في وجود الخطر، كما يقول تركماني، رغم انخفاض المردود. ويضيف أيضًا: "عند لحظة معينة، ستتوقف الجدوى التي تعود عليك من تحديد عوامل الخطر الوراثية الإضافية". ويمكن أيضًا اكتشاف المزيد من المخاطر الوراثية من خلال وضع تسلسل الجينوم الكامل، حسبما يقول فيشر. وفي الوقت الراهن، تُجرى بحوث دراسات الارتباط على نطاق الجينوم في الأساس باستخدام مصفوفات تضع تسلسل جزء من الجينوم فقط، لكنْ بينما تصبح عملية وضع تسلسل الجينوم الكامل أقل تكلفة وأكثر انتشارًا، قد يصبح إيجاد المتغايرات الأقل شيوعًا، التي تسهم في حدوث الإصابة بالمرض أكثر سهولة.

من المختبر إلى العيادة

يقول كاثيريسان إنه يأمل في أن تصبح هناك درجة مخاطر لمرض الشريان التاجي مطروحة في الأسواق بحلول العام القادم، لكنّ معظم الباحثين يقرون بأن هناك عقبات يجب التغلب عليها، قبل أن يصبح من الممكن استخدام تلك الدرجات على نطاق واسع. وتتمثل العقبة الرئيسة - كما يقول مكارثي - في تطبيق تلك الدرجات على مختلف المجموعات السكانية. إذ تولد درجات المخاطر ويتم التحقق من صحتها في مجموعات بيانات تتكون في الأساس من أشخاص ينتمون إلى أصول أوروبية، مثل البنك الحيوي البريطاني، ما يحدّ من مدى إمكانية تطبيق تلك الدرجات على أشخاص ينتمون إلى أعراق أخرى. وعلى سبيل المثال، تتاح درجة المخاطر الخاصة بشركة «ميرياد» حاليًّا فقط للأفراد ذوي الخلفية الأوروبية، رغم أن لانشبري يقول إن الشركة بصدد تطوير درجة مماثلة للنساء الأمريكيات ذوات الأصول الأفريقية. ويقول مكارثي إن الهدف النهائي يتلخص في توليد درجات مخاطر تختص تحديدًا بالخلفية العرقية.

ومن جانبه، يضيف بيرني قائلًا إن العِرْق ليس عامل التعقيد الوحيد. فالأفراد في المجموعات السكانية قيد الدراسة ينتمون إلى أنظمة خاصة للرعاية الصحية، ولا يتحتم بالضرورة أن تنطبق تجاربهم على البلدان الأخرى؛ فقد يختلف احتمال الإصابة بأزمة قلبية بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، على سبيل المثال، تمامًا كما يمكن أن تتباين معايير الرعاية الصحية. ولذا، فإن درجات المخاطر قد لا تكون قابلة للتطبيق من مكان إلى آخر.

وحتى مجرد إخطار الناس بتلك الدرجات يستحضر معه عددًا من الأمور المقلقة. فالأطباء ليسوا بالضرورة مدرَّبين على العمل بعلم الوراثة، كما يقول مكارثي، كما أنه "ليس هناك عدد كافٍ من المستشارين في مجال علم الوراثة على ظهر هذا الكوكب" لإجراء المناقشات الدقيقة التي سوف تنطوي عليها درجات المخاطر الوراثية. كما أن هناك اعتقادًا خاطئًا شائعًا، مفاده أنه نظرًا إلى أن جيناتنا لا تتغير، "فإنها تُعَد قَدَرَنا الذي لا مفر من أنْ يتحقق"، كما يقول بيرني. وتعبِّر جانسنز عن قلقها من أنه إذا اعتقد الناس أن احتمال الإصابة بمرض معين أمر متجذر في الحمض النووي الخاص بهم، فإنه لن يتوفر لديهم الدافع للقيام بأي شيء حيال الأمر.

بل وفي الواقع، تزداد حدة القلق فيما يخص السمات غير المرتبطة بالأمراض، التي يمكن التنبؤ بها عن طريق تلك الدرجات. حددت دراسة أُجريت على أكثر من مليون شخص، ونُشرت في وقت سابق من هذا العام، درجة مخاطر متعددة الجينات، ترتبط في الأساس بمدى بقاء الأشخاص في التعليم5. وقد بذل مؤلفو الدراسة قصارى جهدهم؛ من أجل توضيح أنهم لا يقترحون أي نوع من التدخل بخصوص الأشخاص الذين يحصلون على درجات منخفضة للغاية. فوفقًا لما كتبه المؤلفون "أيّ استجابة عملية - سواءً على المستوى الفردي، أم على مستوى السياسات - لهذا البحث، أو لأيّ بحوث مشابهة سوف تكون أمرًا سابقًا جدًّا لأوانه".

وتقول ميشيل ماير، عالمة الأخلاقيات الحيوية بنظام جايسينجر الصحي ومن بين المؤلفين المشاركين في الدراسة، إن النتيجة ببساطة ليست قابلة للتنفيذ. فبدون فهْم الاختلافات البيولوجية التي تعبِّر عنها الدرجات، أو العوامل البيئية والاجتماعية، التي حتمًا ستتفاعل مع تلك الاختلافات، سوف يكون من المستحيل معرفة كيفية التدخل المناسب.

لنتحدث بلغة علم الوراثة

إنّ فهْم الكيفية التي ستكون عليها ردود أفعال الناس تجاه درجات المخاطر متعددة الجينات يشكل أولوية قصوى للباحثين. إذ قد قدَّم ريباتي وزملاؤه إلى أكثر من سبعة آلاف شخص في فنلندا معلومات بشأن احتمال إصابتهم بأمراض القلب، بناءً على كلٍّ من درجات المخاطر متعددة الجينات، وعوامل الخطر التقليدية، مثل ارتفاع ضغط الدم. ويقول معظم المشاركين إن الحصول على تلك المعلومات يشجعهم على إجراء تغييرات إيجابية، حسب قول ريباتي. وتشير النتائج الأولية إلى أن الأشخاص ذوي المخاطر الوراثية العالية هم الأكثر احتمالًا لاتخاذ إجراءات معينة، مثل خسارة الوزن، أو الإقلاع عن التدخين.

وفي جمهورية إستونيا المجاورة، يعكف الباحثون حاليًّا على إجراء تنميط جيني لعدد 100 ألف شخص، إضافة إلى الخمسين ألفًا الذين سبق للدولة أخْذ عينات منهم. وعلى عكس كثير من البنوك الحيوية الأخرى، يمكن للمشاركين في مشروع جمهورية إستونيا التسجيل؛ للحصول على ردود أفعال. ومن بين النتائج التي تتم إفادتهم بها: درجات مخاطر متعددة الجينات لمرض السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، حسبما تقول ليلي ميلاني، وهي عالمة وراثة في مركز الجينوم الإستوني بجامعة تارتو في إستونيا. وعلى غرار الدراسة الفنلندية، تُعرض على المشاركين رسوم بيانية توضح كيف أن تغيير نمط الحياة يمكنه أن يقلل - أو يزيد - من الخطر الذي يتعرضون له. وحسبما تقول ميلاني، تشير المؤشرات الأولية إلى أن الناس سعداء بتلك النصائح.

وفي الوقت الراهن، يتلقى الأشخاص نتائجهم من مستشارين متخصصين في علم الوراثة. وتعمل ميلاني حاليًّا مع الحكومة الإستونية على التوصل إلى طريقة يمكن من خلالها دمج البيانات الجينومية في نظام الرعاية الصحية، بحيث يمكن للأطباء استخدامها بصفة يومية. وتهدف البلاد - في نهاية المطاف - إلى إجراء تنميط جيني لأيّ شخص مهتم بالأمر، وصولًا إلى جميع سكان البلاد، البالغ عددهم 1.3 مليون شخص، حسبما تقول ميلاني. وتضيف: "الهدف هو بناء شيء عظيم بدرجةٍ تجعل جميع الأطباء ينصحون به، ويدفع جميع المواطنين إلى طَلَبه".

References

  1. Khera, A. V. et al. Nature Genet. 50, 1219–1224 (2018). | article
  2. Nikpay, M. et al. Nature Genet. 47, 1121–1130 (2015). | article
  3. Tikkanen, E., Havulinna, A. S., Palotie, A., Salomaa, V. & Ripatti, S. Arterioscler. Throm. Vasc. Biol. 33, 2261–2266 (2013). | article
  4. Maas, P. et al. JAMA Oncol. 2, 1295–1302 (2016). | article
  5. Lee, J. J. et al. Nature Genet. 50, 1112–1121 (2018). | article

ماثيو وارين يكتب لصالح دورية Nature من لندن.