افتتاحيات

فحص الجماهير يمهد الطريق أمام الطب الدقيق

يَعتمِد الطب الدقيق على الدراسات التي تتبع مسار أعداد ضخمة من الناس.

  • Published online:

يهدف الطب الدقيق إلى تحسين علاجات الأفراد، ولكن وللوصول إلى هذا الهدف، يتعين الحصول على معلومات  من الجماهير. ولا يمكننا اكتشاف تأثير علم الوراثة، ودمجه في العلاجات المستقبلية المصُنعة حسب الحاجة، إلا من خلال تتبع مسار الحالة الصحية لأعداد كبيرة من الناس. يشير العلماء في الوقت الراهن إلى نجاح مشروع من هذا القبيل، ألا وهو "البنك الحيوي البريطاني" UK Biobank، الذي يحتفظ ببيانات جينية، وبدنية، وإكلينيكية من مجموعة أترابية كبيرة من الأفراد في المملكة المتحدة. كما أن هناك العديد من الدول التي أطلقت مشروعات البنك الحيوي، ومن بينها: إستونيا، واليابان، وكندا، وفنلندا. وبالرغم من أن آيسلندا كانت سبّاقة في المضمار، فقد تفوقت عليها المملكة المتحدة؛ فبحلول عام 2010 كان لدى البنك الحيوي البريطاني مجموعة أترابية استباقية من حوالي 500 ألف شخص، تراوحت أعمارهم بين 40، و69 وقت الانضمام إليها. ويتيح تتبع هذه الفئة العمرية التركيز على أمراض منتصف العمر، وما تليها.

في العدد الصادر في الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر من دورية Nature، قدّم باحثون التوصيفات الأولى للمجموعة الأترابية الكاملة، ومنها البيانات الوراثية على نطاق الجينوم لجميع الأفراد (see C. Bycroft et al. Nature 562, 203–209; 2018). وفي دراسة أخرى، أشار باحثون إلى التصوير الدماغي لحوالي 10 آلاف شخص، الذي يكشف التأثيرات الجينية على بنية الدماغ ووظيفته، ويُظهِر علاقاتها بالسمات التنكسية العصبية، والنفسية، والشخصية. (see L. T. Elliott et al. Nature 562, 210–216; 2018). وبالرغم من أن هذه النتائج لا تُقدر بثمن، فإن فائدة مشروع البنك الحيوي البريطاني تفوق الأهمية الإكلينيكية المباشرة له؛ إذ إنه يقدم دروسًا للباحثين الذين يؤسسون مشروعات تعتمد على الفئات السكانية والطب الجينومي في أماكن أخرى.

يستفيد البنك الحيوي البريطاني بشكل كبير من البِنية التحتية والمركزية التي تتميز بها هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة. وإضافة إلى استقطاب المشاركين من خلال مراكز الخدمات الصحية الوطنية، يتابع المشروع المشاركين عن طريق الاطلاع على السجلات الصحية وقواعد البيانات الرسمية الوطنية، بما في ذلك السجلات الخاصة بالوفيات ومرضى السرطان.

تجدر الإشارة إلى أن البنك الحيوي البريطاني هو أول مشروع يُبرهِن على نجاح عملية جمع المعلومات الوراثية، والبدنية، والإكلينيكية ذات الصلة على نطاق الفئات السكانية، وتَبَادُلها. ويجب على جميع المعنيين التوجه بالشكر إلى حوالي 500 ألف متطوع من جميع أنحاء المملكة المتحدة، الذين استجابوا للدعوة، ووافقوا على المشاركة بوقتهم، وعيِّناتهم، ومعلوماتهم الصحية. وانطلاقًا من هذا النجاح، أكد وزير الصحة البريطاني مات هانكوك، خلال الأسبوع الماضي، على التوسع الكبير في الطب الجينومي في هيئة الخدمات الصحية الوطنية، الذي سيزيد من حجم مشروع 100 ألف جينوم؛ ليصل إلى مليون تسلسل جينومي، من خلال هيئة الخدمات الصحية الوطنية، والبنك الحيوي البريطاني. وهو جزء من مشروع أكثر طموحًا لوضع تسلسلات ما يصل إلى 5 ملايين جينوم خلال السنوات الخمس المقبلة، تتضمن جينومات الأطفال المصابين بأمراض خطيرة، ومرضى الأنواع النادرة من السرطان.

 وبالرغم من أهمية هذا النطاق الكبير، فإن التنوع لا يقل عنه أهمية؛ فالبنك الحيوي البريطاني يزخر بالأشخاص الذين يعيشون بالقرب من إحدى مراكز التقييم، ووافقوا على المشاركة. لهذا يُصبح استهداف مجموعة سكانية جديدة أكثر تنوعًا تحديًّا إضافيًّا، ولكنه تحدٍّ جدير بالاهتمام. وتبذل دراسة المجموعة الأترابية تحت مسمى "جميعنا" All of Us في الولايات المتحدة جهودًا إضافية لتحقيق هذا التنوع مع المجموعة المستهدفة.

 وعادةً لا تتوفر بيانات دراسات المجموعات الأترابية السكانية للباحثين الآخرين، إلا بعد نشر النتائج الأولية. وحتى عند القيام بذلك، فلا يقدِّم مجموعات البيانات كاملة إلا عدد محدود من الدراسات. أما البنك الحيوي البريطاني - الذي يُموله في المقام الأول مجلس البحوث الطبية، وصندوق وِيلْكَم تراست، ويديرانه كمؤسسة خيرية – فقد اتخذ موقفًا مهمًّا؛ فبسخاء وكرم بالغين، أتاح منذ البداية مجموعات البيانات كاملة، فضلاً عن جميع نتائج الدراسات التي أجراها الباحثون باستخدام هذه البيانات.

وبالطبع، لا تخفى علينا قيمة مثل هذا النهج المنفتح. فمنذ أن أتاح البنك الحيوي البريطاني إمكانية الاطلاع العام على قاعدة بياناته في مارس 2012، كان هناك ما لا يقل عن 8294 تسجيلًا معتمدًا، ويجري حاليًّا تنفيذ 796 مشروعًا مسجلاً بصورة رسمية. وقد أُعلنت نتائج هذه الدراسات في أكثر من 500 مقالة منشورة في الدوريات التي تخضع لمراجعة الأقران، وفي أكثر من 100 نسخة ما قبل النشر على موقع bioRxiv المتخصص.

 

 وقد أتاحت إمكانية الوصول إلى البيانات، تحديدًا، للباحثين البحث بسرعة عن الارتباطات الوراثية لمجموعة كبيرة ومتنوعة من السمات ذات الأهمية الإكلينيكية. يستعرض التحقيق الإخباري المنشور في نفس هذا العدد من دورية Nature ما تعلمناه من هذه الدراسات الأوسع نطاقًا حول المخاطر الوراثية للأمراض، ولا سيما تطوير نهج درجات المخاطر التي تنطوي على جينات متعددة، التي يمكن أن تساعد في توجيه التدابير الوقائية لبعض الأمراض الشائعة، مثل مرض الشريان التاجي. وبالرغم ما يُثار حولها من جدل، فقد تم تطوير هذه الاختبارات لأغراض تجارية بالفعل.

وقد جمع العديد من هذه الدراسات بيانات البنك الحيوي البريطاني مع مجموعات أخرى من البيانات؛ لتمكين إجراء دراسات على نطاق أوسع، حيث يضم بعضها أكثر من مليون شخص. فهذا هو مستقبل الطب؛ ألا وهو الحصول على المعرفة من الجمهور.