أخبار

العد التنازلي للعمل المناخي

اللجنة الحكومية الدولية للتغيرات المناخية (IPCC) ترى بصيص أمل لتجنب أسوأ تأثيرات الاحترار العالمي.

جيف توليفسون 
  • Published online:
لن تكون الأنهار الجليدية ولا الجليد البحري بأمانٍ في عالَمٍ يشهد ارتفاعًا في الاحترار العالمي بمقدار درجتين مئويتين أعلى من مستويات ما قبل عصر الصناعة.

لن تكون الأنهار الجليدية ولا الجليد البحري بأمانٍ في عالَمٍ يشهد ارتفاعًا في الاحترار العالمي بمقدار درجتين مئويتين أعلى من مستويات ما قبل عصر الصناعة.

NASA/EYEVINE

وصفت اللجنة الحكومية الدولية للتغيرات المناخية (IPCC) هدف وضع حد للاحْتِرار العالمي لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل عصر الصناعة بأنه مهمة جبارة، تنطوي على تغييرات سريعة وجذرية في كيفية عمل الحكومات، والقطاعات الصناعية، والمجتمعات. وبالرغم من ارتفاع درجة حرارة العالم بمقدار درجة مئوية واحدة بالفعل، لا يزال أمام البشر من 10 إلى 30 سنة - أكثر مما كان يعتقده العلماء في السابق - للإقلاع فيها عن عاداتهم المتعلقة بانبعاثات الكربون.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، سيتعين على العالَم الحدّ من انبعاثاته الكربونية بنسبة لا تقل عن 49% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2017، وبعد ذلك تحقيق تعادل الأثر الكربوني بحلول عام 2050، وفقًا لما ورد في ملخص أحدث تقرير للجنة الحكومية الدولية للتغييرات المناخية، الصادر في الثامن من  أكتوبر من العام الحالي. ويستند التقرير إلى الأبحاث التي أجريت منذ أن كشفت الدول النقاب عن اتفاق باريس للمناخ في عام 2015، الذي يسعى إلى كبح انبعاثات غازات الدفيئة، والحدّ من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى ما بين 1.5 إلى درجتين مئويتين.

إن العالم في طريقه إلى أن يشهد ارتفاع الاحترار بحوالي 3 درجات بحلول نهاية القرن، إنْ لم يخفِّض بقَدْر كبير من انبعاثات غازات الدفيئة. ويمكن لارتفاع درجة الحرارة العالمية أن يتعدَّى 1.5 درجة مئوية فيما بين عامي 2030، و2052، إنْ استمر الاحترار العالمي بمعدله الحالي.

ويقول التقرير إن العلماء "يثقون بدرجة عالية" في أن 1.5 درجة مئوية من الاحترار من شأنها أن تؤدي إلى عدد أكبر من موجات الحرارة الشديدة على اليابسة، وبخاصةٍ في المناطق المدارية. ويثقون "بدرجة متوسطة" في أنه سوف يكون هناك المزيد من العواصف الشديدة في مناطق معينة، مثل الأقاليم عالية الارتفاع، وشرق آسيا، وشرقي أمريكا الشمالية.

وسوف يكون خطر ذلك الطقس القاسي أعظم، حال وصول الاحترار في العالم إلى درجتين مئويتين، إذ يمكن لدرجات الحرارة أن ترتفع في الأيام شديدة الحرارة عند مناطق خطوط العرض الوسطى بمقدار ثلاث درجات مئوية عند مستوى 1.5 درجة مئوية من الاِحْتِرَار العالمي، أو بمقدار 4 درجات مئوية عند درجتين مئويتين من الاحْتِرار العالمي.

إنّ ارتفاع مستويات الاحْتِرار بمعدل درجتين قد يدمر النظم البيئية في حوالي 13% من مساحة اليابسة في العالم؛ مما يزيد من خطر انقراض العديد من الحشرات، والنباتات، والحيوانات. ومن شأن ثبات الاحترار عند 1.5 درجة مئوية أن يُخَفِّض ذلك الخطر إلى النصف.

قد يتعرض القطب الشمالي لفصول صيف بدون جليد مرةً واحدةً كل عقد أو عقدين عند مستوى درجتين مئويتين من الاحترار العالمي، مقابل مرة واحدة في كل قرن عند مستوى 1.5 درجة مئوية. وسوف توشك الشعاب المرجانية على الاختفاءتمامًا عند مستوى درجتين مئويتين من الاحترار، فيما سينجو ما نسبته 10 إلى 30% فقط من الشعاب المرجانية الحالية عند مستوى 1.5 درجة مئوية.

ويقول أوف هوج جولدبرج - مدير معهد التغير العالمي بجامعة كوينزلاند في سانت لوسيا بأستراليا - إنه بدون اتخاذ إجراء حازم، قد يصبح العالَم مكانًا يكاد يستحيل على معظم الناس العيش فيه. ويضيف قائلًا: " علينا أن نصحح هذا الوضع، بينما نمضي نحو نهاية القرن".

حلم مستحيل

وبالنظر إلى أن الالتزامات الوطنية الحالية بشأن انبعاثات غازات الدفيئة  تبدو قاصرة كل القصور عن تحقيق الأهداف المنصوص عليها في اتفاق باريس للمناخ، فقد رأى العديد من العلماء أن بلوغ حتى هدف الحد من الاحترار إلى مستوى درجتين مئويتين، هو أمر يكاد يكون مستحيلًا، غير أن تقرير اللجنة الحكومية الدولية للتغيرات المناخية تجاهل المسائل المتعلقة بالجدوى، وركَّز - بدلاً من ذلك - على تحديد ما يلزم الحكومات والشركات والأفراد أن تفعله للوصول إلى هدف كبح الاحترار عند مستوى 1.5 درجة مئوية.

وتشمل التدابير زيادة إحلال أنظمة الطاقة المتجددة، مثل طاقة الرياح، والطاقة الشمسية لتوفير من 70 إلى 85% من الكهرباء في العالم بحلول عام 2050، وتوسيع رقعة الغابات؛ لزيادة قدرتها على سحب ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.

يشير معظم السيناريوهات الواردة في التقرير إلى أن العالم سوف يظل بحاجة إلى استخلاص كميات هائلة من الكربون من الغلاف الجوي، وضَخّها إلى باطن الأرض، في النصف الأخير من هذا القرن. ولا تزال التكنولوجيا اللازمة للقيام بذلك في المراحل الأولى من التطوير. ويقول العديد من الباحثين إنه قد يكون من الصعب تطويرها للاستخدام على نطاق عالمي.

وتتعلق الخيارات الأخرى المقترَحة بتغيير الأنماط الحياتية، مثل: تناول كميات أقل من اللحوم، والإكثار من ركوب الدراجات الهوائية، والتقليل من السفر بالطائرات. كما خاض التقرير في مسائل ملتبِسة تتعلق بالأخلاق والقيم، مشددًا على ضرورة معالجة الحكومات لمسألة تغير المناخ والتنمية المستدامة بالتوازي، أو المخاطرة بتفاقم الفقر وعدم المساواة.

ويتضمن تقرير اللجنة الحكومية الدولية للتغيرات المناخية أبحاثًا حديثة تشير إلى أن كمية الكربون التي يمكن للبشرية أن تُصْدِرها مع الحدّ من الاحترار عند 1.5 درجة مئوية، قد تكون أكبر مما كان يُعْتَقَد. وقَدَّر التقييم السابق للجنة ، الذي صدر في عام 2014، أن الاحترار العالمي سوف يتجاوز 1.5 درجة مئوية بحلول أوائل عام 2020 بالمعدل الحالي للانبعاثات. ويمدّد آخِر التقارير ذلك الإطار الزمني إلى عام 2030، أو عام 2040، على أساس الدراسات التي عدلت تقدير الاحترار الذي حدث بالفعل (R. J. Millar et al. Nature Geosci. 10, 741–747; 2017).

ويقول مايلز آلن، عالِم المناخ في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، وأحد المعدِّين الرئيسيين للتقرير: "سيتعين علينا بنهاية القرن إزالة كل طن إضافي من الكربون نلقي به في الغلاف الجوي اليوم".

ويضيف قائلًا: "أعتقد أننا بحاجة إلى بدء نقاش حول مَن سيدفع ثمن ذلك، وما إذا كان من الصواب أن تتمتع صناعة الوقود الأحفوري وعملاؤها بالمزايا اليوم، ويتوقعون أن يسدد الجيل التالي تكاليف تنظيفها".

إنّ العلماء ليس لديهم سوى "ثقة متوسطة" في ميزانيات الكربون المعدّلة، كما يقول توماس ستوكر، عالِم المناخ في جامعة بيرن. وأشار إلى أن الباحثين سوف يقدمون نظرة أكثر شمولية على الأرقام في التقييم الكامل المقبل بشأن المناخ، الذي من المقرر إصداره في عام 2021.

في هذه الأثناء، قد ترسل ميزانية الكربون الأحدث والأكبر حجمًا برسالة خاطئة إلى واضعي السياسات، حسبما يقول أوليفر جيدن، عالِم الاجتماع، والزميل الزائر في معهد ماكس بلانك للأرصاد الجوية في هامبورج، بألمانيا، إذ يخشى من أنْ يقلِّل تقرير اللجنة الحكومية الدولية للتغيرات المناخية من شأن صعوبة تحقيق هدف الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية. ويقول: "دائمًا ما تشير عقارب الساعة إلى خمس دقائق قبل منتصف الليل، وتلك مسألة تنطوي على إشكالية كبيرة.". ويضيف: "يعتاد واضعو السياسات على الأمر، ويظنون أن ثمة مَخرجًا دائمًا".