تعليقات

الإنتاج المشترك مِن المقترَح إلى الورقة البحثية

ثلاثة أمثلة تبين كيف يمكن توسيع نطاق المشاركة العامة في البحوث في كل مرحلة من العملية البحثية؛ من أجل إنتاج معرفة مفيدة.

  • Published online:
مجموعة من الأطفال من مستخدمي الأطراف الصناعية، والقائمون على رعايتهم يتحدثون إلى الباحثين وممثلي الصناعة بشأن تحسين الأطراف الصناعية.

مجموعة من الأطفال من مستخدمي الأطراف الصناعية، والقائمون على رعايتهم يتحدثون إلى الباحثين وممثلي الصناعة بشأن تحسين الأطراف الصناعية.

© Starworks Network

خمس طرق لتقاسم السلطة

جاري هيكي

كبير مديري المشاركة العامة في "إنفولف" INVOLVE، وهو فريق استشاري للبحوث الصحية في المملكة المتحدة

يمكن تعريف المشروع الذي يجري إنتاجه بشكل مشترك بأنه مشروع يتقاسم فيه الباحثون، والعاملون، وجمهور العامة السُّلْطة والمسؤولية عن العمل في جميع مراحله. و"أسباب" عملية المشاركة هذه بديهية؛ فالمرضى والجمهور لهم الحق في أن يكونوا أكثر من مجرد مشاركين في الأبحاث، ومشاركتهم قد تؤدي إلى نتائج أفضل. لنأخذ، على سبيل المثال،مشروع التعاون البحثي بشأن الأطراف الصناعية للأطفال. لقد جمع ذلك المشروع بين الأطفال وأسرهم من ناحية، وبين دائرة الصحة الوطنية وقطاع الصناعة والأوساط الأكاديمية من ناحية أخرى، وقد قام بتمويل المشروع المعهد الوطني للبحوث الصحية في المملكة المتحدة .(NIHR) تمخض هذا المشروع عن ابتكارات وتحسينات تعكس ما يحتاج إليه الأطفال والأُسَر. في الغالب، لم يسبق للخبراء والأكاديميين الذين يتولون تطوير الأطراف الصناعية أن سمعوا من الأسر والأطفال كيف يمكن لطرف غير مناسب، أو غير جذاب، أن يقيد الطفل في المنزل، وفي قاعات الدرس، وفي أماكن اللعب.

من جهة أخرى، تبدو "كيفية" الإنتاج المشترك أقل وضوحًا. على مدار العامين الماضيين ونصف العام، تعاونتُ مع زملاء من المعهد الوطني للبحوث الصحية وخارجه من أجل وضع توجيهات إرشادية بشأن الإنتاج المشترك، وإنشاء شبكة دولية لدعم مشاركة المرضى والجمهور في البحوث الصحية. يتمثل الجانب الأساسي من عملي في "إنفولف" - وهو قيادة المجموعة الاستشارية الوطنية بالمعهد الوطني للبحوث الصحية في إنجلترا، - في تعزيز مشاركة العامة في بحوث مجال الصحة الرعاية الاجتماعية. عقد فريقنا ورشات عمل، ومناقشات مائدة مستديرة متكررة، وأجرى كثيرًا من المشاورات، إلى جانب استعراض المؤلفات العلمية؛ من أجل توصيف الإنتاج المشترك. رأى أعضاء من الجمهور أن العديد من الباحثين والممارسين يزعمون أن عملهم قد أُجري بصورة مشتركة، ولكنهم مع ذلك، لا زالوا لا يُقدِّرون أن معرفة المريض لها القدر نفسه من القيمة والأهمية، أو يبذلون جهدًا؛ لضمان أن يكون لصوت المريض سُلْطة حقيقية.

حددنا مجموعة قليلة من المبادئ التي تسهم في تعريف الإنتاج المشترك. وكان أهمها هو مبدأ تقاسم السُّلطة، بمعنى أنه لم يعد حكرًا على الباحثين أو الممارسين اتخاذ جميع القرارات الرئيسة، أو الاضطلاع بجميع المسؤوليات.

يَعتمِد تقاسُم السُّلطة على بناء شبكة علاقات فيما بين الباحثين، والممارسين، وأفراد الجمهور المشاركين في المجموعة البحثية، إلى جانب الحفاظ على استمرارية تلك العلاقات. يشير هذا إلى التفكير المستمر في التفاوت في السُّلطة، والتعامل مع ذلك التفاوت؛ لبناء الثقة. فعلى سبيل المثال، قام أعضاء الفريق في مشروع دراسة لزيادة عدد الاستجابات تجاه ردود أفعال المرضى على شبكة الإنترنت بإعداد الكعك، والتواصل باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي؛ لإبعاد الناس عن جو العمل. في مقدور الجميع المشاركة في تلك الأنشطة الودية، وإتاحة فرصة للناس لأن يتجاذبوا أطراف الحديث، ويخففوا من حدة التوتر. إذن، لا بد من تخصيص الوقت لبناء فِرق العمل بشكل واضح في دورة البحث. هذا، ويساعد عقد الاجتماعات في بيئة محايدة، مثل المكتبة المحلية، وإتاحة الفرص لاستقبال ردود الأفعال بشكل دوري على بناء علاقات مفتوحة وقائمة على الثقة بين أعضاء الفريق.

كما يجب إدراج جميع وجهات النظر، والمهارات ذات الصلة. ففي بداية أي مشروع بحثي، ينبغي على فريق العمل التفكير في مجالات المعرفة، والآراء، والخبرات، والمهارات المطلوبة، وكيفية ضمان التنوع والشمول. ويجب على أعضاء الفريق أن يطرحوا سؤالًا جماعيًا: ما الآراء غير المُمثَّلة حول المائدة؟

ينبغي الإعراب عن الاحترام والتقدير للمعرفة التي يمتلكها جميع أعضاء الفريق، فعلى سبيل المثال، في مشروع لتحديث مراجعة منهجية للعلاج الطبيعي لمرضى السكتات الدماغية (أجرته وحدة بحوث التمريض وتوليد النساء والمهن الصحية المساعدة في جامعة جلاسجو كالدونيان بالمملكة المتحدة)، وضع الفريق العامل الذي ضم أشخاصًا نجوا من السكتة الدماغية، ومقدمي الرعاية، والأخصائيين في العلاج الطبيعي، والمعلمين مجموعة من القواعد. فلكي يَسهُل على الجميع إيصال أصواتهم، لن يسمح لأي شخص بإقحام نفسه في المناقشة الجماعية، دون رفع يده أولًا. ومن أجل تفادي هيمنة بعض الأشخاص على دفة المناقشات، لم يُسمَح لأحد بالحديث بشكل متواصل لمدة تزيد على دقيقتين.

لا شك أن المنفعة المتبادلة أمر حتمي؛ إذ يُفترض أن يشعر الجميع بأنهم يحصلون على شيء مقابل العمل في مشروع معين. فبالنسبة إلى المرضى، قد تتمثل تلك المنفعة في مشاركتهم في شبكات اجتماعية أكبر وأفضل، أو حصولهم على تدريب، أو مشاركتهم في النشر والتقديم، أو تعزيز ثقتهم بأنفسهم، أو إحساسهم بالإسهام في الصالح العام، بل وكسب المال. ومثال على ذلك، استهدف مشروع أَجْرته جامعة نيوكاسل تطوير وسائل؛ لمساعدة الصغار المصابين بإعاقات عصبية على المشاركة في الأنشطة الترفيهية. وقد شاركت مجموعة من الباحثين والأطفال المتضررين والفنانين في إنتاج فيلم رسوم متحركة؛ لمشاركة النتائج. ويواصل صناع الفيلم المعروفون باسم "AniMates" إنتاج أعمال فنية عن مشروعات بحثية، ويتعاونون حاليًّا مع باحثين، وفِرق استشارية أخرى.

قد يكون من الصعب على الباحثين تقاسم السُّلطة حقًّا عندما تكون الجامعات في الغالب هي الجهة الرئيسة المتلقية للمنح البحثية، ويكون الأكاديميون المسؤولين في نهاية المطاف عن كيفية إنفاق الأموال. ويمكن لأنواع جديدة من الشراكات تقديم يد العون، فعلى سبيل المثال، موَّلَت المؤسسة الخيرية "بحوث الكحول في المملكة المتحدة" مشروعها المشترك الخاص مع جامعة بيدفوردشير في لوتون؛ لاستكشاف معاناة كبار السن في المراكز الداخلية لإعادة تأهيل مدمني الكحوليات، بدلًا من تسليم الزمام بشكل كامل إلى إحدى الجهات المتلقية للمنح.

لن يتحقق الإنتاج المشترك لمجرد أنه أمر جيد؛ فالطريقة التي يجري بها حاليًّا تمويل البحوث وتنظيمها تشكل عقبة أمام تحقيق هذه المبادئ، وينبغي على صانعي السياسات، وجِهَات التمويل، والمؤسسات، والدوريات العلمية، والمدافعين عن حقوق المرضى وغيرهم تغيير ممارساتهم وثقافاتهم؛ من أجل تفعيل مسألة إقامة العلاقات الضرورية، وتيسير عملية تقاسم السُّلطة.

كيف نجعل المرضى يراجعون الأوراق البحثية

تيسا ريتشاردز

كبير محررين بـ"الدورية الطبية البريطانية" The BMJ، ورئيس مبادرة الشراكة مع المرضى التي تباشرها الدورية

في دوريتنا الإكلينيكية، "الدورية الطبية البريطانية"، يلعب المرضى والمدافعون عنهم دورًا فعالًا في صنع القرارات اليومية. ولطالما أيّدت الدورية الشراكة مع المرضى في مجال الرعاية الصحية. وقبل خمس سنوات، كثّفنا مناصرتنا لتلك القضية. ولعل ما حَفّزنا على القيام بذلك هو القلق المتزايد بشأن النظم الصحية الغربية المسرفة وغير المنصفة، التي فشلت في خدمة المرضى بشكل مُرضٍ.

أَسّسنا فريقًا دوليًّا يضم مجموعة من المرضى والمدافعين عنهم، وسألناهم عما ينبغي علينا القيام به، لكي "نترجم الأقوال إلى أفعال" فيما يخص الشراكة مع المرضى في عمليات التحرير الخاصة بالدورية. وقد كُلفتُ بالعمل مع الفريق ومع زملائي في هيئة التحرير، لوضع وتنفيذ استراتيجية خاصة بالدورية الطبية البريطانية للشراكة مع المرضى.

اجتذب الأمر اهتمامًا كبيرًا؛ فنحن نستمع أسبوعيًّا إلى المرضى، والعاملين في مجال الصحة، وصانعي السياسات من شتى أنحاء العالم ممن يشاطروننا حماسنا لمسألة الشراكة. ويحرص هؤلاء الأشخاص على لفت الانتباه إلى عملهم، وإلى معرفة المزيد عما نفعله.

كان قيامنا بإدراج مراجعة المرضى والجمهور إلى جانب عمليات مراجعة الأقران التقليدية أول تغيير أدخلناه، حيث طبّقناه في البداية على الأوراق البحثية، ثم على المقالات التثقيفية، ومقالات التعليقات العلمية أيضًا. إننا نقدم دعوة مفتوحة إلى الناس، للانضمام إلى قاعدة بياناتنا، التي تضم مراجعين من المرضى ومن الجمهور. وبالفعل قام ما يقرب من 700 شخص بالتسجيل. كما ينشد المحررون الحصول على تعليقات من المراجعين الذين تتطابق تجاربهم الحياتية - قدر المستطاع - مع الأوراق البحثية قيد النظر.

آن كلاين (الثانية من اليمين) هي واحدة من ضمن المدافعين عن المرضى في فريق يُجرِي تجربة إكلينيكية على ابنها إيفريت شميت (أقصى اليمين) المصاب بالعوز المناعي المشترك الوخيم.

آن كلاين (الثانية من اليمين) هي واحدة من ضمن المدافعين عن المرضى في فريق يُجرِي تجربة إكلينيكية على ابنها إيفريت شميت (أقصى اليمين) المصاب بالعوز المناعي المشترك الوخيم.

© Children's Inn at NIH staff

ومِن المخطط إجراء دراسة رسمية للمبادرة، حيث كانت ردود الأفعال غير الرسمية مشجعة. وينوه المحررون إلى أن المراجعين من المرضى والجمهور يقدمون وجهات نظر قيِّمة مكملة لتلك التي يقدمها المراجعون الأكاديميون. وتشمل تلك الآراء نظرة متعمقة بخصوص التأثير الأوسع نطاقًا للمرض، من النواحي البيولوجية، والنفسية، والاجتماعية، و"عبء" العلاج، وكيفية تعامل الأشخاص مع حالتهم الصحية بأنفسهم، وما إذا كانت التدخلات ممكنة من الناحية العملية، أم لا. وقد طلب بعض المراجعين من المرضى من المؤلفين تعديل البيانات التي لا تدعمها أدلة قوية؛ وذلك لتجنب إثارة آمال غير مبررة في مجتمع المرضى. كما أشاروا إلى الاستخدام غير المقصود لعبارات مسيئة تنطوي على انتقاص للمرضى، مثل "المريض فشل في العلاج". وقد أخبرنا المؤلفون أنهم الآن يفكرون بشأن كيف يمكن رؤية أبحاثهم من خلال أعين المراجعين من المرضى.

وجدت دراسة استقصائية شملت مراجعينا من المرضى والجمهور أنهم يُقدِّرون كثيرًا الفرصة الممنوحة لهم للتعليق على الأوراق البحثية الخاصة بالدورية الطبية البريطانية، والمشاركة في عملنا (S. Schroter et al. BMJ Open 8, e023357; 2018). ويرى الكثيرون أنها وسيلة لاستخدام تجربتهم مع المرض في مساعدة الآخرين. تعلمنا كذلك أيضًا أننا بحاجة إلى شرح عمليات التحرير بشكل أكثر وضوحًا، والتواصل مع المراجعين بصورة أكبر. لذا، تتناول توجيهاتنا الآن مخاوف المراجعين (على سبيل المثال، توضيح أنه لا بأس من رفض دعوة للمراجعة)، كما أننا نرسل نشرات إخبارية منتظمة، نشكر فيها المراجعين على دعمهم، ونُطلِعهم على أحدث التطورات.

يساعد المحررون من المرضى، وكذلك الحوار المتواصل المفعم بالحيوية الذي نجريه مع فريق المرضى لدينا على تنفيذ جميع جوانب استراتيجيتنا. ويأتي في الصدارة الشرط الذي يقضي بأنْ يحدد المؤلفون الذين يتقدمون بمخطوطة بحثيةٍ ما إذا كان المرضى قد شاركوا في إعداد سؤال البحث، وتصميم الدراسة، وتنفيذها، وتعميمها، أم لا، إلى جانب تحديد الكيفية التي تمت بها تلك الأمور. هذا، ويكتب المرضى والمدافعون عنهم في دوريتنا، ويشاركون في مجلس التحرير، ويتمتعون بعضوية اللجان الاستشارية للمؤتمرات التي ننظمها، ويشاركون في فرق العمل التي تتولى تحكيم جوائزنا  السنوية.

وجدير بالذكر أن التغييرات التي استحدثناها تنتشر حاليًّا بشكل تدريجي عبر مجموعة الدوريات المختلفة الخاصة بالدورية الطبية البريطانية. وقد اتخذت بضع دوريات أخرى خطوات مماثلة، مثل دورية طب النساء والتوليد (BJOG)، كما استجاب المرضى من خلال وضع ميثاق يدعو إلى إدراج المرضى في عمليات التحرير الخاصة بالدوريات الطبية (انظر: https://patientsincluded.org). وفي اعتقادنا أن إدراج المرضى سوف يساعد على تحسين نوعية الأبحاث الصحية.

 

اسأل المرضى.. أيّ الأبحاث تستحق التمويل؟

جيف شيهي

عضو مجلس إدارة معهد كاليفورنيا للطب التجديدي، الولايات المتحدة الأمريكية

في عام 2004، خصص الناخبون في كاليفورنيا مبلغ ثلاثة مليارات دولار أمريكي في شكل سندات؛ لإنشاء معهد كاليفورنيا للطب التجديدي (CIRM)، الذي يتولى تمويل الأبحاث؛ من أجل إنتاج علاجات من الخلايا الجذعية. ويملك المدافعون عن المرضى - على غير المعتاد، وأنا منهم - سلطة رسمية في المعهد. ومِن بين أعضاء مجلس الإدارة، الذين يبلغ عددهم 29 عضوًا، هناك 12 مقعدًا مخصصًا للمدافعين عن المرضى، بما في ذلك رئيس المجلس ونائبه. ويشارك أعضاء المجلس في مراجعة الأقران لجميع المِنَح، بما في ذلك طلبات المنح الخاصة بالمرحلة الإكلينيكية. وبمجرد اكتمال المراجعات الرسمية، نُجري عملية تصويت بشأن الموافقة النهائية على جميع المنح. ولا بد أيضًا من وجود أحد المدافعين عن المرضى في كل فريق من الفرق الاستشارية الإكلينيكية، البالغ عددها 68 فريقًا، التي توجه مشروعات المراحل المتأخرة، مثل تجربة يمولها المعهد، وتهدف إلى دراسة العوز المناعي المشترك الوخيم.

في عام 1997، تم تشخيص حالتي على أنني مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV). وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية كنت من الناشطين في مجال الدفاع عن حقوق الأشخاص الذين ينتمون إلى أقليات جنسية، وإلى تلك المتعلقة بالنوع (المثليات، والمثليين، ومزدوجي الميل الجنسي، والمتحولين جنسيًّا، وغيرهم من الأقليات ذات الصلة)، بل وقمت بتنسيق عصيان مدني. شغلتُ منصبًا تشريعيًا في سان فرانسيسكو، وكنت مدير التواصل في معهد بحوث الإيدز بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو. وعندما تم تعييني في مجلس إدارة معهد كاليفورنيا للطب التجديدي، لم تكن لديَّ أي رغبة في أنْ أصبح مجرد مشجع، أو أن أصدق بشكل آلي على قرارات يمكن أن تؤثر على حياة الناس.

وعلى حد علمي، كنت أتوقع وجود أصوات معارِضة؛ فالتشريع الذي تم بموجبه إنشاء معهد كاليفورنيا للطب التجديدي أتاح للمدافعين عن المرضى أن يعبِّروا عن آرائهم، ولكن العلماء يفتقرون إلى خبرة الاضطرار إلى الإصغاء. لقد شكك العديد من الباحثين في أن المدافعين عن المرضى يمكنهم حقًّا المشاركة في عملية صنع القرار، ولكن مع مرور الوقت تطورت العلاقات بين هؤلاء المدافعين وبين المراجعين من العلماء، وهدأ التشكيك.

إنّ للزمن والألفة دورًا رئيسًا في ذلك؛ فغالبًا ما تستغرق عملية مراجعة المنح في معهد كاليفورنيا للطب التجديدي بضعة أيام، حيث يلتقي الناس ويجلسون معًا أثناء الاجتماعات والوجبات. وقد أُتيحت لنا الفرصة للتعرف على بعضنا بعضًا خلال مناقشات قوية بشأن نُهُج مختلفة إزاء ماهية البحوث التي ينبغي تمويلها، وعلى سبيل المثال، الأمراض الشائعة بشدة في مقابل الأمراض النادرة التي تهملها شركات الأدوية. وبعد 12 عامًا من هذه اللقاءات والتجمعات، نَمَت علاقة صداقة بين كثير من المراجعين، وصاروا ينصتون إلى إسهامي وغيري من المدافعين عن المرضى، بل ويرحبون بها.

لا تبدو تلك النقاشات ذات طابع أكاديمي بالنسبة لنا؛ فالمراجعون العلميون من ذوي الخبرة غالبًا ما يركزون على الاحتمال الكبير للفشل، أما المدافعون عن المرضى، فهم أكثر ميلًا واستعدادًا لتأييد العلوم الخارجة عن المألوف. وبمقدورنا اتخاذ قرارات مستنيرة لقبول المخاطر العالية، إذا كان ذلك متوازنًا مع إمكانية الحصول على مكافأة كبيرة. وعلى سبيل المثال، فإنني أُولِي اهتمامًا خاصًّا لطلبات المنح التي تحصل على درجات شديدة التباين من قِبَل المراجعين. ويظهر تأثيرنا - في بعض الأحيان - في شكل تمويل منحة محفوفة بالمخاطر على حساب منحة أخرى أكثر أمانًا، وحاصلة على متوسط درجات أعلى.

وفيما يخص التطبيقات الإكلينيكية، قد يكون الخبراء أقل حماسًا عندما تكون أفضل نتيجة ممكنة هي مجرد نتيجة جزئية، مثل أن يتمكن شخص يعاني من إصابة في الحبل الشوكي من إعادة استخدام ذراعيه، ولكنه يظل فاقدًا القدرة على المشي، لكن ذلك التحسن الجزئي كفيل بأن يسمح لذلك الشخص بالانتقال مِن كرسيه المتحرك وإليه من أجل استخدام سيارة، كما يتيح له القدرة على الكتابة، وإرسال الرسائل النصية، وأن يعيش حياة مستقلة، بدلًا من احتياجه الدائم إلى الرعاية على مدار الساعة. أعتقد أنه عندما يتعلق الأمر بالمناقشات الخاصة بالتمويل، فإننا نقدم فهمًا أوضح للتأثير على المرضى.

يمكن أيضًا للمدافعين عن المرضى أن يكونوا أكثر تشككًا بشأن الاستراتيجيات التي تعطي اعتبارًا للفسيولوجيا البشرية، لكنها تهمل السلوك. وتشمل تلك الاستراتيجيات علاجات فيروس نقص المناعة البشرية، المسماة "اضرب، واقتل"، التي تحظى بالدعم عمومًا في أوساط العلماء، والتي تعمل على التخلص من الفيروس، ولكنها لا تفعل شيئًا لمنع تكرار الإصابة بالمرض.

لقد تصَدَّر الناشطون في مكافحة متلازمة نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) مجال الدفاع عن المرضى بطرق عديدة، ويشار إلى هذا المجال رسميًّا الآن في أوروبا باسم "الإنتاج المشترك". يوفر الأشخاص الذي يعيشون تحت وطأة ظروف صحية معينة، وكذلك الذين يتولون رعايتهم، السياق والنقاط المعاكسة للحكمة العلمية غير القابلة للنقاش.

وخلال فترة عمل معهد كاليفورنيا للطب التجديدي، قدم المعهد ما يقرب من 1000 منحة، ووفر التمويل لعدد 49 تجربة إكلينيكية، فضلًا عن تجارب العلاجات الجينية التي أنقذت حياة عشرة أشخاص مصابين بأمراض مختلفة نادرة في الجهاز المناعي. لقد واجه المعهد في مسيرته الكثير من الجدل بالتأكيد، ولكن في اعتقادي أن المدافعين عن المرضى ساعدوه على الصمود أمام تلك العواصف، وتجاوزها، وعلى توجيه الدفة نحو المسار الأفضل.