أخبار

خلايا تستخدم حمضًا نوويًا "دخيلًا" لتصنيع البروتينات

أبجديّة جينيّة ممتدة قد تتيح إنتاج عقاقير قائمة على البروتينات.

إيوين كالاواي

  • Published online:

Images by William B. Kiosses

ظلّتْ الحياة على مدار مليارات السنوات القليلة الماضية قائمة على أبجديّة حيويّة محدودة، لكن الآن، حطَّم الباحثون القواعد القديمة بإضافتهم حروفًا جديدة إلى المعجم الحيويّ المحدود.

قام الكيميائي فلويد رومسبرج، من معهد سكريبس للأبحاث في لاهويا، كاليفورنيا، وزملائه بتعديل خلايا بكتيريا الإشريكية القولونية Escherichia coli بحيث يمكنهم دمج نوعين من القواعد أو الحروف الكيميائية الأجنبية في الحمض النوويّ لتلك الخلايا. واستخدمت الخلايا تلك المعلومات الجديدة لإدخال أحماض أمينيّة اصطناعية في تصنيع بروتينٍ فلوري.

تُشفِّر الكائنات الحيّة - على نحو طبيعي - المعلومات الوراثية باستخدام أربع قواعد فحسب: الأدينين (A)، والثيامين (T)، والسايتوزين (C) والجوانين (G). وتشكِّل هذه القواعد أزواجًا تربط الحلزون المزدوج للحمض النوويّ وشفرة تسلسلات مختلفة ثلاثية الأحرف لكل من لأحماض الأمينية العشرين التي تصنع البروتينات في الخلايا الحية. ويعد أحدث الأبحاث المنشورة – الذي نُشر في دورية Nature في 29 نوفمبر - بمثابة أولَّ بحث يوضِّح إمكانيّة استخدام قواعد اصطناعية لتخليق البروتينات داخل الخلية الحية (Y. Zhang et al., Nature, http://dx.doi.org/10.1038/nature24659; 2017).

يقول رومسبرج إن نتيجة البحث توضّح أن البيولوجيا التخليقيّة - وهو مجالٌ يهتمّ بتزويد الكائنات الحية بسمات جديدة - قد تُحقّق أهدافها بإعادة ابتكار أبسط جوانب الحياة. ويضيف قائلًا: "لا يوجد نظامٍ بيولوجيّ في صميم كينونتنا وأكثر ارتباطًا بها من أنظمة تخزين المعلومات واسترجاعها. وما قمنا به هو تصميم جزءٍ جديد يعمل جنبًا إلى جنبٍ مع الأجزاء الموجودة بالفعل وقادرٌ على القيام بنفس الوظائف التي تقوم بها هذه الأجزاء".

يحاول العديد من الفرق البحثيّة مدّ الشفرة الجينيّة، إذ يمكن ترتيب قواعد الحمض النوويّ الطبيعية الأربعة في 64 مزيجًا مختلفًا ثلاثيّ الأحرف، تسمّى الكودونات، وهي التي تحدِّد الأحماض الأمينيّة. غير أن الإسهاب في هذه الشفرة – إذ ترمز التتابعات CGC، وCGA، وCGG، وCGT جميعها على سبيل المثال للحمض الأمينيّ أرجينين - يعني أن جميع البروتينات اللازمة للحياة تقريبًا تُصَنَّع من 20 حمضًا أمينيًا فقط.

يسعى بعض الباحثين – بمن فيهم جورج تشرتش، عالم الوراثة بمدرسة طبّ هارفارد في بوسطن بولاية ماساتشوستس – إلى إعادة توظيف الكودونات الزائدة على الحاجة لتعيين أحماض أمينيّة جديدة. ويعمل فريق رومسبرج على استكشاف استراتيجيّة مختلفة تتمثل في إضافة زوجٍ جديد كليًا من القواعد إلى الحمض النوويّ. وهذا من شأنه أن يزيد كثيرًا من عدد الكودونات المحتملة، وهو ما يعطي الخلايا – نظريًا - القدرة على استغلال أكثر من 100 حمضٍ أميني إضافي.

ورغم أن تشرتش لا يزال يعتقد بأن منهجه أكثر ملاءمة لأغلب التطبيقات، فإنه يصف البحث الجديد بأنه "إنجازًا بارزًا على طريق استكشاف لَبِنَات البناء الأساسية للحياة".

 

توافق طبيعي

لكي تعمل أزواج القواعد الدخيلة في الخلايا الحية، ينبغي أن توجد إلى جانب القواعد الطبيعيّة دون الإخلال بشكل الحمض النووي أو تعطيل المهام الأساسيّة، مثل عمليّات محاكاة الحمض النووي ونسخه إلى الحمض النووي الريبي المرسال mRNA، وهو جزيء وسيط بين الحمض النووي والبروتينات. في عام 2014، أشار مختبر رومسبرج إلى تخليق سلالةٍ من بكتريا الإشريكية القولونية ذات حلقة حمض نووي تحتوي على زوج واحد من القواعد الاصطناعية (D. A.Malyshev et al. Nature 509, 385–388; 2014). غير أن انقسام خلايا هذه السلالة كان بطيئًا، وبدأت تفقد حمضها النووي الدخيل مع مرور الوقت. وفي البحث الأخير، استطاع الفريق تخليق خلايا سليمة تحتوي على قواعد إضافيّة مصنّعة من مواد كيميائية تسمّى dNaM وdTPT3 (يُطْلَقُ عليها X وY على الترتيب).

تمكَّنت الخلايا أخيرًا من السيطرة على الحمض النووي الدخيل بنجاح. وفي تجارب منفصلة، دمجت الخلايا حمضين أمينيين اصطناعيين (يسميان PrK وpAzF) في بروتين يُشع بوهجٍ أخضر خفيف (انظر عنوان "لغة دخيلة"). وأدخل الباحثون كلًّا من القواعد الدخيلة والأحماض الأمينيّة إلى الخلايا، بينما لن تتمكن البكتريا التي لم تشملها التجربة من إنتاجها. ومن أجل السماح للخلايا باستخدام هذه المكونات، أنشأ الباحثون نسخًا معدَّلة من جزيئاتٍ تسمّى جزيئات الحمض النووي الريبي الناقلة tRNA، من شأنها أن تقرأ الكودونات وتنقل الأحماض الأمينيّة المناسبة إلى الريبوسومات، التي تُعَدّ مصانع بروتينات الخلايا.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

Graphic: Adapted from Synthorx Inc. 2015. Structure: Pedelacq, J. D. et al. Nat. Biotechnol. 24, 79–88 (2006)/RCSB PDB

لم تُغَيِّر الأحماض الأمينيّة الجديدة من شكل أو وظيفة البروتين الأخضر الفلوري، لكن، كما يقول رومسبرج: "أما وقد أصبحنا قادرين على تخزين المعلومات واسترجاعها، فلنستفيد إذن من هذا الأمر". وفي دراسةٍ غير منشورة، أدخل فريقه زوجًا قاعديًا دخيلًا إلى موقعٍ أساسي في الجين يُسهِم في مقاومة المضادات الحيويّة، وقد وجدوا أن البكتريا التي تتخلّص من الحمض النووي الدخيل، أصبحت حساسة للعقاقير ذات الصلة بالبنسيلين.

أسس رومسبرج شركة للتقنيات الحيويّة في لاهويا، تُدعى "سينثوركس" Synthorx، تسعى لدمج الأحماض الأمينية الاصطناعية في العقاقير القائمة على البروتينات، مثل عقار IL-2، الذي ينظِّم أعداد كرات الدم البيضاء. وقد يؤدي هذا النهج إلى إنتاج عقاقير تمتصها الخلايا بسهولة أكبر، على سبيل المثال، أو عقاقير أقلّ سميّة، أو تتكسر أسرع. كذلك يمكن تصميم بروتينات ذات خواصّ تفتقر إليها الأحماض الأمينيّة التقليديّة، مثل القدرة على جذب الإلكترونات بقوّة. يقول رومسبرج: "إننا نبدو كطفلٍ في متجر للحلوى"، لكن، في هذه الحالة، "كان الطفل قد أمضى 20 سنة من عمره يحلم بالدخول إلى ذلك المتجر. فجأة وجدتُ نفسي أفكر أي نوع من الحلوى يمكنني الحصول عليه".

بالفعل طوَّر فريقان بحثيان - أحدهما بقيادة ستيفن بِنر من مؤسسة التطور الجزيئي التطبيقي بالقرب من جينزفيل بولاية فلوريدا، والآخر بقيادة إيشيرو هيراو، وهو متخصص في الكيمياء الحيوية في معهد الهندسة البيولوجية وتكنولوجيا النانو في سنغافورة - أنظمةَ أنابيب اختبار لاستخدام الحمض النووي الدخيل لتشفير الأحماض الأمينيّة الاصطناعية. ويرى هيراو فوائد للانتقال إلى الخلايا الحيّة، إذ يقول إنه يمكن تصنيع البروتينات المحتوية على أحماض أمينية اصطناعية بصورة أسرع وأرخص باستخدام الخلايا البكتيريّة. كما أن نقل هذه التقنية إلى الخلايا حقيقيّة النواة من شأنه أن يتيح تطوير عقاقير جديدة معتمدة على الأجسام المضادّة.

إلا أن بِنَر يرى أن نظام رومسبرج يعتمد على قوى كارهة للماء ضعيفة نسبيًا، للربط بين أزواج القواعد الدخيلة معًا، وهو ما قد يحدّ من إمكانيّة استخدامه في التطبيقات الصناعيّة. يقول بِنَر إن الخلايا قد تحتمل القواعد الدخيلة النادرة، لكننا "لا نستطيع ببساطة بناء نظام جينيّ كامل من هذه القواعد".

ويعمل رومسبرج وزملاؤه الآن على توسيع الأبجديّة الجينيّة أكثر. ويقول إن فريقه تمكّن حتى الآن من التعرّف على 12 كودونًا إضافيًا فعالًا تحتوي على المواد الكيميائية X وY، لكن "لا يزال أمام الفريق الكثير ليفعله".